التفاسير

< >
عرض

وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٢٩
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٣٠
قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٣١
وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٣٢
-الأنعام

تفسير المنار

بين الله تعالى لنا في هذه الآيات شأنا آخر من شئون الكفار المكذبين بآياته في الدنيا وهو غرورهم بها، وافتتانهم بمتاعها، وإنكارهم البعث والجزاء، وما يقابله من حالهم في الآخرة يوم يكشف الغطاء، وهو ما يكون من حسرتهم وندمهم على تفريطهم السابق، وغرورهم بذلك المتاع الزائل، وقفى عليه ببيان حقيقة الدنيا والمقابلة بينها وبين الآخرة، فقال عز من قائل:
{وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} قيل: إن هذه الآية تتمة لما سبقها، وإن " قالوا " فيها معطوف على " عادوا " فيما قبلها، أي لو رد أولئك إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر وسيء الأعمال، وصرحوا ثانية بما كانوا عليه من إنكار البعث والجزاء، والظاهر المختار ما بيناه آنفا فالعطف فيه عطف جمل مستأنف، و (إن) في ابتداء مقول القول نافية بمعنى " ما " أي وقال أولئك المشركون: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة بعدها، وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وسنذكر ما يستلزمه هذا الاعتقاد من الشر والفساد في آخر تفسير هذه الآيات.
{ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} تقدم تفسير مثل هذا التعبير قريبا، ووقفهم على ربهم عبارة عن وقف الملائكة إياهم في الموقف الذي حاسبهم فيه ربهم، وإمساكهم فيه إلى أن يحكم بما شاء فيهم، فهو من قبيل

وقوفا بها صحبي علي مطيهم

أي يقفون مطيهم عندي وقوفا، ولا يشترط في هذا أن يكونوا في مكان أعلى من المكان الذي هو فيه. أو المعنى يحبسونها علي بإمساكها عندي. وإنما عدى الوقف والوقوف الذي بهذا المعنى بعلي وكذا الحبس والإمساك الذي فسر به لدلالته على معنى القصر، قال تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم } [المائدة: 4] أي مما أمسكته الجوراح مقصورا عليه فلم تأكل منه لأجلكم، وكذلك حبس العقار ووقفه على الفقراء وسائر وجوه البر فيه معنى قصره على ذلك. والذين تقفهم الملائكة وتحبسهم في موقف الحساب امتثالا لأمر الله تعالى فيهم: { وقفوهم إنهم مسئولون } [الصافات: 24] يكونون مقصورين على أمر الله تعالى، أو يكون أمرهم مقصورا على الله تعالى لا يتصرف فيه غيره { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } [الإنفطار: 19] وإنما أطلت في بيان كون استعمال " وقف " هنا متعديا بعلى بمعنى ما تقدم قريبا في تفسير قوله تعالى: { وقفوا على النار } [الأنعام: 27] لأن المفسرين اضطربوا في التعدية هنا فحمل الكلام بعضهم على التمثيل، وبعضهم على الكناية، وبعضهم على مجاز الحذف أو على غيره من أنواع المجاز، وجعله بعضهم من الوقوف على الشيء معرفة وعلما وجاء بعضهم بتأويلات أخرى لا حاجة إلى ذكرها.
بينا آنفا في تفسير {ولو ترى إذ وقفوا على النار} أن جواب " لو " حذف لتذهب النفس في تصوره كل مذهب يقتضيه المقام، وللإيذان بأنه لا يحيط به نطاق الكلام، ومن شأن السامع لمثل هذا أن ينتظر بيانا لما يقع في تلك الحال، فإن لم يوافه المتكلم به توجهت نفسه إلى السؤال عنه، فلهذا جاء البيان جوابا لسؤال مقدر وهو قوله تعالى: {قال أليس هذا بالحق} إدخال الباء على الحق يفيد تأكيد المعنى، أي قال لهم ربهم أليس هذا الذي أنتم فيه من البعث هو الحق الذي لا ريب فيه؟ (قالوا بلى وربنا) أي بلى هذا الحق الذي لا ريب فيه ولا باطل يحوم حوله، اعترفوا وأكدوا اعترافهم باليمين، فشهدوا بذلك على أنفسهم أنهم كانوا كافرين، فبماذا أجابهم رب العالمين؟
{قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي إذا كان الأمر كذلك، فذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون، بسبب كفركم الذي كنتم عليه دائمون. ثم قفى على ذكر ما ربحوا من الشقاء والعذاب، ببيان ما خسروا من السعادة والثواب وإنما هو خسر على خسر فقال:
{قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي خسر أولئك الكفار الذين كذبوا بلقاء الله تعالى كل ما ربحه وفاز به المؤمنون بلقائه من ثمرات الإيمان وعبادة الله ومناجاته في الدنيا، كالقناعة والإيثار والرضاء من الله في كل حال، والشكر له عند النعمة والصبر والعزاء والطمأنينة عند المصيبة، وغير ذلك من المزايا التي تصغر معها المصائب والشدائد، ويكبر قدر النعم والمواهب. ومن ثمرات الإيمان في الآخرة من الحساب اليسير، والثواب الكبير والرضوان الأكبر، وهو {ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر}
كل ذلك مما يخسره المكذبون بلقاء الله بسبب تكذيبهم; لأنهم يخسرون في الحقيقة أنفسهم، وإنما حذف مفعول " خسر " للدلالة على ذلك كله، وجعل فاعله موصولا لدلالة صلته على سبب الخسران، لأن التكذيب بلقاء الله تعالى يستلزم ما سيأتي بيانه من الأعمال والأحوال التي تفسد النفس، ومن خسر نفسه بفسادها خسر كل شيء.
{حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} أي كذبوا إلى أن جاءتهم الساعة مباغتة مفاجئة، وقيل: إن الغاية للخسران بقصره على ما كان منه في الدنيا. والساعة في أصل اللغة الزمن القصير المعين بعمل يقع فيه، يقال: جلست إليه ساعة، وغاب عني ساعة، وأطلق في كتب الدين على الوقت الذي ينقضي به أجل هذه الحياة ويخرب هذا العالم، وإنما يكون ذلك في زمن قصير. وعلى ما يلي ذلك من البعث والحساب وهو يوم القيامة. فإن كان إطلاقه عليه بالتبع لإطلاقه على ساعة خراب العالم فذاك، وإلا كان وجه تسميته ساعة باعتبار سرعة الحساب فيه [راجع ص 190 ج 2 ط الهيئة] أو بالإضافة إلى ما بعده قولان: وهذه الساعة ساعة هذا العالم كله، ومن دونها ساعة كل فرد وقيامته، وهو الوقت الذي يموت فيه ويقدم على ذلك العالم، وكذا ساعة الأمة أو الجيل; ولذلك قالوا: إن القيامة ثلاث: كبرى ووسطى وصغرى، وقد تقدم هذا البحث في الجزء الخامس من التفسير [راجع ص 174 ج 5 ط الهيئة]
وفسر الراغب الساعة هنا بالقيامة الصغرى، إذ هو الذي ينطبق على الكفار الذين نزلت فيهم هذه الآيات، والقيامة الكبرى إنما تقوم على آخر من يكون من الخلق على هذه الأرض. والجمهور يفسرونها بالقيامة الكبرى وهي باعتبار غايتها - وهو يوم يقوم الناس لرب العالمين - تصدق على من نزلت الآية: فيهم وعلى غيرهم، وباعتبار بدايتها تصدق على آخر من يعيش في الدنيا فقط. ويرون أن البغتة لا تظهر في موت الأفراد لما يكون له في الغالب من المقدمات والعلامات التي يعرف بها وقته في الجملة،
وقد ذكر مجيء الساعة بغتة في عدة آيات غير هذه يتعين أن يكون المراد بها القيامة الكبرى العامة، وهي التي ورد في الكتاب والسنة أن الله تعالى أخفى علمها عن كل أحد حتى الرسل والملائكة. وأما قوله تعالى:
{ وما تدري نفس بأي أرض تموت } [لقمان: 34] فلا يدل على مجيء الموت بغتة، ولا على جهل كل أحد بوقته، فقد يعرف بأسبابه كالأمراض والجروح وقد يقال: إن المرض ونحوه لا يدل على الموت مهما يكن شديدا، فكم من مريض جزم الأطباء بأنه لا يعيش إلا أياما أو ساعات قد شفي من مرضه ذاك وعاش بعده عدة أعوام، على أن المريض لا ييئس من الحياة ما دام فيه رمق، فبهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه - إن مات في مرضه -: أن الموت جاءه بغتة، وإن كان هذا لا يعد في العرف من موت الفجأة، ومن لم يجئه الموت فجأة جاءه المرض الذي يعقبه الموت فجأة، ولات حين استعداد، ولا رجوع عن شرك وإلحاد، بل يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويندر أن يظهر لأحد في مرض مماته ضلاله الذي عاش عليه طول حياته، ولا ينكشف الغطاء عن الإنسان ويعلم أنه فارق هذه الحياة إلى العالم الآخر إلا عند خروج روحه من بدنه، حينئذ يتحسر المفرطون، ويندم المجرمون، ثم تتجدد الحسرة في موقف الحساب، وتتضاعف عند حلول العذاب.
{قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} هذا جواب " إذا " أي: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وأصروا على ذلك، حتى إذا جاءتهم منيتهم وهي بالنسبة إليهم مبدأ الساعة العامة والمرحلة الأولى من مقدمات القيامة، مفاجئة لهم من حيث لم يكونوا ينتظرونها، ولا يحسبون حسابا ولا يعدون عدة لمجيئها، قالوا: يا حسرتنا على تفريطنا!. هذا أوانك فاحضري وبرحي... بالأنفس ما شئت أن تبرحي والحسرة - كما قال الراغب - الغم على ما فات والندم عليه، كأن المتحسر قد انحسر (أي زال وانكشف) عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، أو انحسرت عنه قواه من فرط الغم، أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه،
ونداء الحسرة فسره سيبويه بالمعنى الذي بيناه آنفا، وقال الزجاج: إن معنى حرف النداء تنبيه المخاطبين، وقيل: بل المراد به تنبيه المتكلم لنفسه، وتذكيرها بسبب ما حل به. والتفريط التقصير ممن قدر على الجد والتشمير. وهو من الفرط بمعنى السبق ومنه الفارط والفرط: الذي يسبق المسافرين لإعداد الماء لهم. والتضعيف فيه للسلب والإزالة كجلدت البعير إذا سلخت جلده وأزلته عنه. فيكون معنى التفريط الحقيقي عدم الاستعداد لما ينفع في المستقبل كتقديم الفرط، أي يا حسرتنا وغمنا وندمنا على ما كان من تفريطنا فيها، أي في حياتنا الدنيا التي كنا نزعم أن لا حياة لنا بعدها، أو في الساعة أو ما هي مفتاح له من الدار الآخرة وهي تشمل الجنة والنار، وقد جعلهما بعضهم مرجعين مستقلين، أي على تفريطنا في شأنها بعدم الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح، وقيل: إن الضمير للأعمال الصالحات المفهومة من كلمة " فرطنا " لأن التقصير إنما يكون في العمل، وقيل: للصفقة المفهومة من كلمة " خسر " وهي بيعهم الآخرة بالدنيا، وهذا أضعف الأقوال، وأقواها أولها، وهو مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه.
ومن غرائب غفلات المفسرين ما نقله بعض أذكيائهم عن بعض من دعوى أن مرجع الضمير في هذا القول غير مذكور في كلامهم، على كونه هو المذكور فيه دون سواه من المراجع الثلاثة الأخرى، ولكنهم ذهلوا عن قوله تعالى حكاية عنهم: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا} إلخ، وعن كون ما بعده بيانا لعاقبته وما ترتب عليه لا سياقا جديدا مستقلا، وأما الساعة فهي مذكورة فيما حكاه الله من شأنهم لا عنهم، فكان عود الضمير عليها في المرتبة الثانية من القوة.
{وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} الأوزار: جمع وزر، وهو بالكسر الحمل الثقيل، ووزره (بوزن وعده) حمله على ظهره، ويطلق الوزر على الإثم والذنب; لأن ثقله على النفس كثقل الحمل على الظهر، وهو المراد في الآية، وجعل الذنوب محمولة على الظهور مجاز من باب التمثيل بالاستعارة؛ لأن حالة الأنفس فيما تقاسيه من سوء تأثير الذنوب فيها وما يترتب على ذلك من التعب والشقاء والآلام يشبه هيئة الأبدان في حال نوئها بالأحمال الثقيلة، وما تقاسيه في ذلك من التعب والجهد والزحير، أو هو محمول على القول بتجسم المعاني والأعمال في الآخرة، وتمثلها هي ومادتها بصور تناسبها في الحسن أو القبح، كما ورد في الغلول والمال الذي لا تؤدى زكاته،
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي وعمرو بن قيس الملائي أن الأعمال القبيحة تتمثل بصورة رجل حسن أو صورة حسنة تحمل صاحبها يوم القيامة، ويجوز أن يكون هذا القول من قبيل التمثيل أيضا. والمعنى أنهم ينادون الحسرة التي أحاطت بهم أسبابها وهم في أسوأ حال بما يحملون من أوزارهم على ظهورهم، وقد بين الله تعالى سوء تلك الحال التي تلابسهم عند اللهج بذلك المقال بقوله: {ألا ساء ما يزرون} فبدأ هذه الجملة بألا الافتتاحية التي يراد بها العناية بما بعدها وتوجيه ذهن السامع إليه، يفيد المبالغة في تقريره وتأكيد مضمونه ووجوب الاهتمام بالاعتبار به
و (ساء) فعل ذم أشرب معنى التعجب أو التعجيب، أي: ما أسوأ حملهم ذاك! أو: ما أسوأ تلك الأثقال التي يحملونها، وقيل: إن (ساء) هنا الفعل المتعدي، أي ساءهم وأحزنهم حملهم لتلك الأوزار، أو ساءتهم تلك الأوزار التي يحملونها. والأول أبلغ.
ثم بين تعالى حقيقة ما يغر الناس من الحياة الدنيا وهو التمتع الخاص بها، والمقابلة بين ذلك وبين حظ المتقين لله فيها من الدار الآخرة، إثر بيان ما يلقاه أولئك المفتونون بالأولى عندما يصيرون إلى الثانية التي كانوا يكذبون بها فقال:
{وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} اللعب: هو الفعل الذي لا يقصد به فاعله مقصدا صحيحا من تحصيل منفعة أو دفع مضرة، كأفعال الأولاد الصغار التي يتلذذون بها لذاتها، فما يعالجونه من كسر حبة بقل أو إزالة غشاء عن قطعة حلوى لأجل أكلها لا يسمى لعبا، واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، ويعبر عن كل ما به استمتاع باللهو، كذا قال الراغب، وفي اللسان: اللهو ما لهوت به، ولعبت به، وشغلك من هوى وطرب ونحوها، ثم قال: يقال لهوت بالشيء ألهو به لهوا وتلهيت به - إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره. وأقول: إن الأصل في اللهو إذا أطلق يراد به ما يشغل الإنسان من لعب وطرب ودواعي سرور، وارتياح عما يتعبه ويشق عليه من الجد أو يحزنه أو يسوءه من خطوب الدنيا ونكباتها. ثم توسع به فصار يطلق أحيانا على ما يسر ويلذ وإن لم يقصد به التشاغل عن أمور الجد، كمغازلة النساء والاستمتاع بهن، ومنه قول امرئ القيس:

ألا زعمت بسباسة اليوم أنني... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي.

وقد يطلق أيضا على جد يتشاغل به عن جد آخر، ولكن الذي عرف استعماله في ذلك الفعل لا المصدر، فلا يقال: إن هذا الفعل لهو، بل يقال لهوت بكذا عن كذا، أو تلهيت أو التهيت به عنه. ومنه { فأنت عنه تلهى } [عبس: 10] وإنما تشاغل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأعمى بالتصدي لدعوة كبراء قريش إلى الإسلام لا بشيء فيه طرب ولا سرور نفسي يسمى لهوا بإطلاق.
والمعنى أن هذه الحياة الدنيا التي قال الكفار: إنه لا حياة غيرها - وهي ما يتمتعون به من اللذات المقصودة عندهم لذاتها، أو الملهية لهم عن همومها وأكدارها - ليست إلا لعبا ولهوا أو كاللعب واللهو في عدم استتباعها لشيء من الفوائد والمنافع يكون في حياة بعدها، أو هي دائرة بين عمل لا يفيد في العاقبة - فهو كلعب الأطفال - وبين عمل له فائدة عاجلة سلبية، كفائدة اللهو هو دفع الهموم والآلام، ويوضح هذا قول بعض الحكماء: إن جميع لذات الدنيا سلبية؛ إذ هي إزالة الآلام، فلذة الطعام مزيلة لألم الجوع وبقدر هذا الألم تعظم اللذة في إزالته، ولذة شرب الماء مزيلة لألم العطش كذلك.
وأما شرب المنبهات والمخدرات؛ كالخمر والحشيش والدخان، فإنه يكون أولا بالتكلف واحتمال المكروه والألم، فإن هذه الأشياء كلها مكروهة بالطبع كما أخبر المجربون، وإنما يتكلفونه طلبا للذة متوهمة يقلد بها الشارب غيره، ثم يصير المؤلم بالتعود ملائما بإزالته للألم المتولد منه إزالة مؤقتة. ذلك بأن هذه الأشياء سموم مكروهة في نفسها، ومتى أثر سمها في الأعصاب بالتنبيه الزائد وغيره أعقب ذلك ضده من الفتور والألم، وهما يطاردان بالعود إلى الشرب، كما قال أشعر السكيرين وأقدرهم على تمثيل تأثير السكر

وداوني بالتي كانت هي الداء

وقال:

وكأس شربت على لذة... وأخرى تداويت منها بها

وهذه اللذة الأولى التي ذكرها وهمية كما قلنا؛ لأنه لم يكن ذاقها بل توهمها، وقلد بها المفتونين بالسكر. وقد يقصد بالسكر إزالة آلام أخرى غير ألم سم الخمر كالهموم والأكدار، فإن السكران يغيب عن عقله ووجدانه فلا يشعر بآلامها في تلك الحال، وقد يتضاعف عليه ألم الشعور والوجدان، وكثيرا ما يقع في آلام أخرى بدنية كالصداع والغثيان، أو نفسية كالتي فر منها، أو ما هو شر منها، ويصدق عليه في كل حال قول أبي الطيب:

إذا استشفيت من داء بداء... فأقتل ما أعلك ما شفاكا.

وقد قيل: إن سماع الغناء وآلات الطرب لا يدخل في عموم هذه القاعدة؛ لأنها لذة روحية لا تعد داعيتها من الآلام، ومن دقق النظر في هذه المسألة علم أن السماع ليس من ضروريات الحياة الشخصية ولا النوعية ; ولذلك كانت داعيته ضعيفة ليست كداعية الغناء والوقاع، فكان فقده غير مؤلم إلا لمن اشتد ولوعه به، وهذا يدخل في عموم القاعدة. ولذة السماع عند غيره - وهم الجمهور - ضعيفة بقدر ضعف الداعية، فالسماع لا يعد من أركان هذه الحياة، ولا من مقاصدها الذاتية للناس، وإنما يستروح إليه أكثر أهله لترويح النفس من آلام الحياة لا من ألم الداعية إليه، وإنما غلب اسم " اللهو " عليه واسم " الملاهي " على آلاته؛ لأنه غير مقصود لذاته.
وفي الآية وجه آخر يصح جمعه مع الأول، وهو أن متاع هذه الحياة الدنيا الخاص بها متاع قليل، أجله قصير، لا يصح أن يغتر به العاقل الراشد، فهو ليس إلا كلعب الأطفال في قصر مدته من حيث إن الطفل يسرع إليه الملل من كل لعبة، أو من حيث إن زمن الطفولة قصير، كله غفلة، أو كلهو المهموم في قصر مدته، على كونه غير مطلوب لذاته.
{وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} هذا خبر مؤكد بلام القسم، يفيد بمقابلته أن نعيم الآخرة ليس كنعيم الدنيا لعبا ولهوا يعبث به العابثون، أو يتشاغلون ويتسلون به عن الأكدار والهموم، بل هو مما يقصده العاقل لفوائده ومنافعه الثابتة الدائمة - وأن تلك الدار للذين يتقون الشرك والشرور المحرمة خير من هذه الدار للمشركين المنكرين للبعث الذين لا حظ لهم من حياتهم إلا التمتع الذي هو من اللعب في قصر مدته، وعدم فائدته، أو من قبيل اللهو في كونه دفعا لألم الهم والكدر، أو ضجر الشقاء والتعب، دع ما يستلزمه من المعاصي المفضية إلى عذاب الأخرة، ذلك بأن نعيم الآخرة البدني أعلى وأكمل من نعيم الدنيا في ذاته، وفي دوامه وثباته، وفي كونه إيجابيا لا سلبيا، وفي كونه غير مشوب ولا منغص بشيء من الآلام، وفي كونه لا يعقبه ثقل، ولا مرض، ولا إزالة أقذار، فما القول بنعيمها الروحاني من لقاء الله ورضوانه، وكمال معرفته المعبر عنه عند أهل السنة برؤيته؟ أي أتغفلون فلا تعقلون هذا الفرق أيها المكذبون بالآخرة؟ أما لو عقلتم لآمنتم.

قال المنجم والطبيب كلاهما... لا تبعث الأموات قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر... أو صح قولي فالخسار عليكما.

قرأ ابن عارم (ولدار الآخرة) بإضافة الصفة للموصوف لمغايرتها له، ولا نزاع بين النحاة في وقوع مثل هذا في الكلام العربي، وحسبك وروده في الكتاب العزيز، وإنما اختلف الكوفيون والبصريون في اطراده وطريقة إعرابه، فالأولون يعربونه بغير تأويل، والآخرون يرون أنه لم يرد إلا بمسوغ، وهو هنا استعمال " الآخرة " استعمال الأسماء في مثل قوله تعالى: { وللآخرة خير لك من الأولى } [الضحى: 4] أو مراعاة مضاف محذوف تقديره: ولدار الحياة الآخرة؛ لأنه في مقابلة الحياة الدنيا، ويصح تقدير النشأة أيضا، وقرأ بعض القراء " يعقلون " بالياء التحتية مراعاة للغيبة، وبعضهم بالتاء الفوقية للخطاب.
ومن مباحث نكت البلاغة: أنه ورد في معنى هذه الآية قوله تعالى في " سورة محمد ":
{ إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم } [محمد: 36] وقوله في " سورة الحديد ": { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد } [الحديد: 20] وقد قدم في الآيات الثلاث اللعب على اللهو، وقال تعالى في " سورة العنكبوت ": { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 64] وقد قدم في هذه ذكر اللهو على اللعب، وأكثر المفسرين لا يعنون ببيان نكتة لذلك؛ لأن العطف بالواو لا يفيد ترتيبا، بل مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه.
ومنهم من يرى أن مثل هذا لا يقع في كتاب الله تعالى إلا لفائدة، وقد نقل السيد الألوسي في " روح المعاني " كلاما ركيكا في الفرق بين الاستعمالين عزاه إلى الدرة، وقال في آخره: قاله مولانا شهاب الدين فليفهم، وهو أمر بما لا يستطاع من فهم ذلك الكلام المضطرب المبهم.
والذي يظهر لنا في نكتة ذلك أن تقديم اللعب على اللهو لا يحتاج إلى تعليل؛ لأنه الأصل المقدم في الوجود، وقد فصلت آية الحديد متاع الحياة الدنيا بحسب ترتيبه الذي تقتضيه الفطرة البشرية، فقدم فيها اللعب لأن أول عمل للطفل يلذ له هو اللعب المقصود عنده لذاته، وذكر بعده اللهو لما فيه من القصد الذي لا يأتي من الطفل ; لأنه لا يحصل إلا لذي الفكر وبعده الزينة التي هي شأن سن الصبا، وبعده التفاخر الذي هو شأن الشبان، وبعده التكاثر في الأموال والأولاد الذي هو شأن الكهول والشيوخ، فالنكتة ينبغي أن تلتمس في آية العنكبوت لا في آيتي محمد والأنعام،
وهي قد وردت في سياق إقامة الحجج العقلية على المشركين، فذكر فيها اللهو قبل اللعب على طريقة التدلي المؤذن بالانتقال من الشيء إلى ما هو دونه في نظر العقلاء، فإن اللعب من العاقل الذي لا يليق به العبث أقبح من اللهو؛ إذ اللهو تقصد به فائدة ولو سلبية، واللعب هو العبث الذي لا تقصد به فائدة ألبتة، فهو شأن الأطفال لا العقلاء العالمين بالمصالح، الذين يقصدون بكل عمل من أعمالهم، إما دفع بعض المضار، وإما تحصيل بعض المنافع ; ولذلك بين جهلهم بقوله:
{ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 64] وقال في الحجة التي قبلها { بل أكثرهم لا يعقلون } [العنكبوت: 63] ولا حاجة إلى مثل هذا التدلي في آية الأنعام التي نفسرها، فإنها لم ترد في سياق حجج الإيمان العقلية التي يراد بها بيان ضعف نظر المشركين وجهلهم، وإن ذيلت بالتوبيخ على عدم عقل ما قرر فيها وفي هذا التذييل، بل وردت في بيان حقيقة الدنيا بعد الإعلام بما يصيب المفتونين بها في الآخرة بحصر همهم في لذاتها، وتلاه بيان المقابلة بينهم وبين المؤمنين الذين يتقون الله فيها، ففي مثل هذا السياق - كآية " سورة محمد " - يحسن الترتيب الوجودي، بتقديم اللعب على اللهو الذي هو طريق الترقي ; لأنه انتقال من عبث ليس له عاقبة نافعة إلى لهو فائدته سلبية عاجلة ; ولذلك بين بعده أن عمل المؤمنين المتقين فيها - ومنه تمتعهم بلذاتها - يؤجرون عليه في الآخرة، وأنها بسبب اعتصامهم فيها بالتقوى، خير لهم من العاجلة الدنيا.
هذا وإنني عند بلوغي هذا البحث ظفرت بكتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي، فراجعته بعد استقرار فهمي على ما تقدم، فعلمت أنه هو الذي نقل الألوسي عن الشهاب عنه ما لا يكاد يفهم. وما ذلك إلا للنقل بالمعنى دون النص، الذي يكثر بسببه الخطأ في النقل. وقد ذكر الإسكافي هذا البحث عند ذكر الآية الثامنة مما أورده من " سورة الأنعام " (وهي الآية ال70) الواردة في اتخاذ الكفار دينهم لعبا ولهوا - مع ما يقابلها في " سورة الأعراف " (7: 51) من اتخاذهم دينهم لهوا ولعبا. وبهذه المناسبة ذكر آيتي الحديد والعنكبوت اللتين بينهما مثل هذا الاختلاف، ونسي ذكر الآية التي نحن بصدد تفسيرها. وسيأتي ذكر اتخاذ الدين لعبا ولهوا في محله.
وقد اعتمد الخطيب في تفسير اللهو في الآيات أنه اجتلاب المسرة بمخالطة النساء وهو مخطئ في ذلك. وقال في تعليل تقديم اللعب على اللهو في " سورة الحديد ": إن الحياة الدنيا لمن اشتغل بها ولم يتعب لغيرها مقسومة من الصبا وهو وقت اللعب، وبعده اللهو وهو الترويح عن النفس بملاعبة النساء، ويتبع ذلك أخذ الزينة لهن ولغيرهن. ومن أجل الزينة نشأت مباهاة الأكفاء، ومفاخرة الأشكال والنظراء، ثم بعده المكاثرة بالأموال والأولاد، فترتبت الحياة على هذه الأحوال، فوجب تقديم حال اللعب على اللهو. اهـ. ثم قال في آية العنكبوت: إنه لا يراد بها أن الحياة الدنيا كلها لعب ولهو. إلخ ثم قال ما نصه:
" بل المراد المبالغة في وصف قصر مدة الدنيا بالإضافة إلى مدة الأخرى، فكأنه قال: ما أمد الحياة الدنيا إلا كأمد أزمنة اللهو واللعب، وهي أزمنة تستقصر لشغل النفس بحلاوة ما يستعجل، كما قال القائل:

شهور ينقضين وما شعرنا... بأنصاف لهن ولا سرار.

وقال المتأخر:

وليلة إحدى الليالي الغر... لم تك غير شفق وفجر.

والدليل على أن المراد ما ذكرت قبل: ما ذكره الله بعد من قوله: { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } [العنكبوت: 64] أي إن حياتها تبقى أبدا، ولا تعرف أبدا، وإنما قدم اللهو هنا على اللعب لأن الأزمنة التي يقصرها اللهو أكثر من الأزمنة التي يقصرها اللعب ; لأن التشاغل به أكثر. فلما كانت معظم ما يستقصر وجب تقديم ما يكثر على ما هو دونه في الكثرة؛ لأن ذلك آخذ بالشبه، وأبلغ في وصف المشبه، ولا خلاف أن الناس أزمنتهم المشغولة باللهو أكثر من أزمنتهم المشغولة باللعب، وأن طيبها لهم يخيل قصرها إليهم، ويتفاوت طيبها على حسب تفاوت ميل النفس إلى محبوبها، فمعظم ما ترى الزمان الطويل قصيرا زمان اللهو بالنساء، وهو الذي نشأت منه فتنة الرجال وهلاك أهل الحب ". اهـ. وما قلناه أقرب من اللفظ نسبا، وأشد ارتباطا بالمعنى وأقوى سببا.
هذا وإننا قد وعدنا بأن نبين في آخر تفسير هذه الآيات ما يترتب على إنكار البعث والجزاء من فساد الفطرة البشرية المفضي إلى الشرور الكثيرة، فنقول: إن الكفر بالبعث والجزاء واعتقاد أنه لا حياة بعد هذه الحياة يجعل هم الكافر محصورا في الاستمتاع بلذات الدنيا وشهواتها البدنية والنفسية؛ كالجاه والرياسة والعلو في الأرض ولو بالباطل وهو ما يسمونه الشرف،
ومن كان كذلك يكون في اتباع هواه ولذاته الشهوانية أسفل من البهائم كالبقر والقردة والخنازير، وفي اتباعه لهواه في لذاته الغضبية أضرى وأشد أذى من الوحوش الضارية المفترسة كالذئاب والنمور، وفي اتباعه لهواه ولذته النفسية شرا من الشياطين يكيد بعضهم لبعض ويفترس بعضهم بعضا، لا يصدهم عن باطل ولا شر يهوونه إلا العجز، ولا يرجعون إلى حكم يفصل بينهم إلا القوة التي جعلوها فوق الحق. وطالما غشوا أنفسهم وفتنوا غيرهم في هذا الزمان بما كان من تأثير التوازن في القوى من منع كثير من البغي والعدوان الذي كان يصول به قوي الأمم على ضعيفها، والحكومات الجائرة على رعيتها، فزعموا أن الحضارة المادية والعلوم والفنون البشرية هي التي تفيض روح الكمال على الإنسان إذا لم يؤمن بالبعث والجزاء، ولا بالإله الديان، واستدلوا على ذلك بما أجمعت عليه أممهم ودولهم من ذم الحرب، والتفاخر ببناء سياستهم على أمتن قواعد السلم، وزعموا أن الباعث على ذلك حب الإنسانية، والرغبة في العروج بجميع البشر إلى قنة السعادة المدنية.
فإن قيل: فما بالكم تسابقون إلى استذلال الأمم الضعيفة في الشرق وتسخرونها لمنافعكم وتوفير ثروتكم بغير حق؟ قالوا: كلا إنما نريد أن نخرجها من ظلمات الهمجية والجهل لتشاركنا فيما نحن فيه من نور الحضارة والعلم. فإن قيل: فما بالنا نراها لم تنل من علومكم إلا بعض القشور، ولم تستفد من مدنيتكم إلا الفسق والفجور، قالوا: إنما ذلك لضعف الاستعداد، وما تمكن في نفوس هذه الشعوب من الفساد، على أننا خير لها من حكامها الأولين بما قمنا به من حفظ الأمن وتوفير أسباب النعيم للعاملين! ذلك شأنهم، لا تقام عليهم حجة إلا يقابلونها بشبهة تؤيدها القوة، وقد قوضت الحرب المشتعلة نارها في أوربا هذه الأعوام، جميع ما بنيت عليه هذه الشبهات من المزاعم والأوهام، إذ رأينا فيها أرقى أهل الأرض في الحضارة والعلوم والفلسفة يخربون بيوتهم بأيديهم، ويقوضون صروح مدينتهم بمدافعهم، ويستعينون بكل ما ارتقوا إليه من العلوم والفنون والصناعات والحكمة والنظام، لإهلاك الحرث والنسل وتخريب العمران، بمنتهى القسوة والشدة، التي لا تشوبها عاطفة رأفة ولا رحمة، ولو كان من بأيديهم أزمة الأمور منهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء بالحق، لما انتهوا في الطغيان إلى هذا الحد، نعم، إن هذه الشعوب كانت تتقابل لنصر المذهب أو الدين في القرون التي كانت تعمل فيها كل شيء باسم الدين، ولكنها لم تصل في التقتيل والتخريب في ذلك الزمان إلى عشر معشار ما هي عليه الآن، وإن كانوا يسمون هذا العصر عصر النور وتلك العصور بعصور الظلمات، على أن الرؤساء كانوا يتخذون اسم الدين وتأويل نصوصه وسيلة لأهوائهم التي ليست من الدين في شيء، كما يعلم جميع علماء هذا العصر. ومن العجائب أن أقسى أهل هذه الحرب وأشدهم تخريبا وتدميرا هم الذين يزعمون أنهم يحاربون لله وأن الله معهم على أعدائهم،
وإنما الحرب الدينية الصحيحة حرب الأنبياء والخلفاء الراشدين، ومن على مقربة من سيرتهم من الملوك الصالحين، ولم يكن يستحل فيها في عصر الإسلام ما يستحل الآن من القسوة والتخريب ولا ما نقل عن أنبياء وملوك بني إسرائيل، وقد فصلنا في المنار القول في المقابلة بين هذه الحرب المدنية وحروب المسلمين الدينية، التي كانت دفاعا عن النفس وتقريرا للحق والعدل، والمساواة في الحقوق بين أصناف الخلق، يسيرون فيها على القواعد الشرعية العادلة في الضرورات ككونها تبيح ما ضرره دون ضررها وكونها تقدر بقدرها، وتراعى فيها الرحمة لا العدل وحده، وقد شهد بذلك لسلفنا أعلم حكماء الإفرنج بتاريخنا (غوستاف لوبون) فقال كلمة حق حقيقة بأن تكتب بماء الذهب، وهي: " ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب ".
وجملة القول أن شبهات المفتونين بالمدنية المادية قد دحضت بهذه الحرب الساحقة الماحقة وقويت بها حجة أهل الدين عليهم، بل تنبه بها الشعور الديني في الجم الغفير من الأوربيين حتى الفرنسيس منهم، بعد أن كانوا قد نبذوه وراء ظهورهم، وآثروا عليه الشهوات البدنية الحقيرة، حتى ضاقت بهم المعابد التي كانت مهجورة قلما تفتح أبوابها، وقلما يلم بها أحد إن فتحت. وذلك شأن المسرفين في أمرهم من الناس، لا يتوجهون إلى خالقهم إلا عند الشدة والبأس
{ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } [يونس: 12].