التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٣٣
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣٤
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ
٣٥
-الأنعام

تفسير المنار

لا تنسى أن هذه السورة نزلت في دعوة مشركي مكة إلى الإسلام ومحاجتهم في التوحيد والنبوة والبعث، وأنها تكثر فيها حكاية أقوالهم في ذلك بلفظ (وقالوا. وقالوا) وتلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحجج بلفظ (قل... قل...) حتى إن الأمر بالقول تكرر فيها عشرات من المرار، وقد سبق في الآيات التي فسرناها منها قوله تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8] { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } [الأنعام: 29] وأمره تعالى بالرد على كل من القولين وإقامة الحجج في موضوعهما بما فيه بيان فقد بعضهم الاستعداد للإيمان - بعد هذا كله ذكر في هذه الآيات تأثير كفرهم في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم - وحزنه مما يقولون في نبوته، وسلاه عن ذلك ببيان سنته سبحانه وتعالى في الرسل مع أقوامهم وإيئاسه من إيمان الجاحدين المعاندين منهم - وقد تكرر هذا المعنى في السورة المكية - فقال عز وجل:
{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} الحزن ألم يلم بالنفس عند فقد محبوب أو امتناع مرغوب، أو حدوث مكروه، وتجب معالجته بالتسلي والتأسي وإن كان بالحق للحق كحزن الكاملين على إصرار الكافرين على الكفر، وقد أثبت الله تعالى لرسوله هذا الحزن إثباتا مؤكدا بتعلق علمه التنجيزي به في بعض الأحيان، أي عن ما كان يعرض له عليه السلام، وبأن مع ضمير الشأن وباللام، فكلمة " قد " على أصلها للتقليل، وقيل: إنها هنا للتكثير، وإنما القلة والكثرة في متعلقات العلم لا العلم نفسه، وقد نهاه تعالى عن هذا النوع من الحزن بقوله في " سورة يونس ":
{ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم } [يونس: 65] وفي " سورة يس ": { فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } [يس: 76] كما نهاه عن الحزن عليهم لعدم إيمانهم في " سورة الحجر " (15: 88) والنحل (16: 127) والنمل (27: 70) وتقدم تفسير الحزن والمراد بالنهي عنه، وأن لغة قريش فيه أن الثلاثي منه يتعدى بنفسه فيقال: حزنه الأمر، وتميم تقول: أحزنه ومنها قراءة نافع (ليحزنك) بضم الياء وكسر الزاي.
والمراد بالقول الذي يحزنه منهم هو ما كانوا يقولون فيه وفي دعوته ونبوته من تكذيب وطعن وتنفير للعرب، ومنه بالأولى ما حكاه عنهم في الآيات السابقة وسيأتي توضيحه. وروي عن أهل التفسير المأثور أن سبب نزول الآية أقوال خاصة من بعض رؤسائهم المستكبرين تنطبق على قوله في تتمة الآية: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: فإنهم لا يجدونك كاذبا ولا يعتقدون أنك كذبت على الله فيما جئت به وهم لم يجربوا عليك كذبا على أحد، ولكنهم يجحدون بالآيات الدالة على صدقك بإنكارها بألسنتهم فقط، كما جحد قوم فرعون من قبلهم بآيات الله لأخيك موسى:
{ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } [النمل: 14].
فالجحود كما قال الراغب: نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه. يقال: جحد جحودا وجحدا. اهـ. وعبارة اللسان الجحد، والجحود ضد الإقرار كالإنكار، ثم نقل قول الجوهري فيه أنه الإنكار مع العلم، ويتعدى بنفسه وبالباء فيقال: جحده وجحد به.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره:
" يقول تعالى مسليا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} أي وقد أحطنا علما بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم كقوله:
{ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } [فاطر: 8] كما قال تعالى في الآية الأخرى { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } [الشعراء: 3] - { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } [الكهف: 6] وقوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، أي: ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي قال: قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} ورواه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي أبا جهل فصافحه، فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله إني لأعلم أنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟ وتلا أبو يزيد: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} وقال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون.
وذكر محمد بن إسحاق عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الليل هو وأبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق، ولا يشعر أحد منهم بالآخر: فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر ما جاء به، ثم تعاهدوا ألا يعودوا؛ لما يخافون من علم شبان قريش بهم لئلا يفتنوا بمجيئهم،
فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيآن لما سبق من العهود، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق فتلاوموا ثم تعاهدوا ألا يعودوا، فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه.
وروى ابن جرير من طريق أسباط، عن السدي في قوله: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدا ابن أختكم، فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلونه اليوم؟ وإن كان كاذبا فأنتم أحق من كف عن ابن أخته، قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد رجعتم سالمين، وإن غلب محمد فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئا، فيومئذ سمي الأخنس، وكان اسمه أبيا، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} فآيات الله محمد - صلى الله عليه وسلم - انتهى بنصه.
وما ذكر سببا لنزول الآية يصح أن يكون سببا لنزولها في ضمن السورة، ولا يصح نص في نزولها منفردة وإلا فهو من قبيل التفسير، كخبر الأخنس مع أبي جهل يوم بدر، وذلك بعد الهجرة قطعا، والسورة مكية قطعا، ولم يستثن أحد هذه الآية فيما يستثنى.
ثم نقول: إن في (يكذبونك) قراءتين: قراءة نافع والكسائي بضم الياء وتخفيف الذال من أكذبه، أي: وجده كاذبا أو نسبه إلى رواية الكذب بأن قال: إن ما جاء به كذب وإن لم يكن هو الذي افتراه بأن كان ناقلا له مصدقا به. وقراءة الجمهور بتشديد الذال، من التكذيب، وهو الرمي بالكذب، بمعنى إنشائه وابتدائه، وبمعنى نقله وروايته. وبهذا نجمع بين قول من قال: إن الصيغتين بمعنى واحد، ومن قال: إن معناهما مختلف،
قال ثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى، وقد يكون " أكذبه " بمعنى بين كذبه أو حمله على الكذب، وبمعنى وجده كاذبا. اهـ. قال في اللسان: وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة (أي قراءته) بأن العرب تقول: كذبت الرجل، إذا نسبته إلى الكذب، وأكذبته، إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب،
قال ابن الأنباري: ويمكن أن تكون " فإنهم لا يكذبونك " على معنى: لا يجدونك كذابا عند البحث والتدبر والتفتيش. اهـ. فعلم من هذه النقول أن الإكذاب يشترك مع التكذيب في معنى رواية الكذب، وينفرد التكذيب بمعنى الرمي بافتراء الكذب، إما مخاطبة كأن يقول له: كذبت فيما قلت، وإما بإسناده إليه في غيبته كأن يقول: كذب فلان وافترى، وينفرد الإكذاب بمعنى وجدان المحدث كاذبا فيما قاله، بمعنى أن خبره غير مطابق للواقع، لا بمعنى أنه افتراه، وبمعنى الإخبار بذلك، أي بعدم مطابقة الخبر للواقع،
فعلى هذا يكون المراد من مجموع القراءتين أن أولئك الكفار لا ينسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى افتراء الكذب ولا يجدونه كاذبا في خبر يخبر به بأن يتبين أنه غير مطابق للواقع؛ لأن جميع ما يخبر به من أمر المستقبل كنصر الله تعالى له، وإظهار دينه، وخذل أعدائه وقهرهم سيكون كما أخبر وكذلك كان. وإنما يدعون أن ما جاء به من أخبار الغيب - وأهمها البعث والجزاء - كذب غير مطابق للواقع. ولا يقتضي ذلك أن يكون هو الذي افتراه، فإن التكذيب قد يكون لكلام دون المتكلم الناقل، ولكن هذا النفي يصدق على بعض المشركين لا على جميعهم كما يأتي.
وذكر الرازي في نفي التكذيب والإكذاب مع إثبات الجحود أربعة أوجه:
(1) أنهم ما كانوا يكذبونه - صلى الله عليه وسلم - في السر، ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن والنبوة.
(2) أنهم لا يقولون له: إنك كذاب؛ لأنهم جربوه الدهر الطويل فلم يكذب فيه قط، ولكنهم جحدوا صحة النبوة والرسالة، واعتقدوا أنه تخيل أنه نبي وصدق ما تخيله فدعا إليه.
(3) أنهم لما أصروا على التكذيب مع ظهور المعجزات القاهرة على وفق دعواه - كان تكذيبهم تكذيبا لآيات الله المؤيدة له أو تكذيبا له سبحانه وتعالى (قال): فالله تعالى قال له: إن القوم ما كذبوك ولكن كذبوني، أي على معنى أن تكذيب الرسول كتكذيب المرسل المصدق له بتأييده. وذكر أنه على حد
{ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } [الفتح: 10] ومثله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال: 17].
(4) قال - وهو كلام خطر بالبال -: إن المراد أنهم لا يخصونك بهذا التكذيب، بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقا، ويقولون في كل معجزة: إنها سحر، فكان التقدير أنهم لا يكذبونك على التعيين، ولكن يكذبون جميع الأنبياء والرسل " انتهى ملخصا بالمعنى غالبا وفيه قصور. وسكت عن أقوال أخرى قديمة (منها) قول بعضهم: فإنهم لا يكذبونك فيما وافق كتبهم، وإن كذبوك في غيرهن، وهو أضعف ما قيل؛ لأن الكلام في مشركي مكة ولا كتب عندهم (ومنها) قول بعضهم: فإنهم لا يتفقون على تكذيبك، ولكن يكذبك الظالمون منهم الذين يجحدون بآيات الله (ومنها) أن المعنى: فإنهم لا يعتقدون كذبك، ولا يتهمونك به، ولكنهم يجحدون بالآيات لظلمهم لأنفسهم، وهذا أقواها كما ترى.
تقدم أن المختار عندنا هو أن المراد هنا بما يحزنه - صلى الله عليه وسلم - من قولهم ما تقدم في أوائل السورة من قوله تعالى حكاية عنهم:
{ وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8] وما في معناه، ويوضحه ما روي في موضوع الآية ونزولها، وهو المتبادر من النظم الكريم - فالكلام إذا في طائفة الجاحدين كبرا وعنادا كأبي جهل والأخنس وأضرابهما، وهؤلاء لم يكونوا يعتقدون كذب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يمكن أن يجدوه كاذبا في خبر يخبرهم به في المستقبل، كما أنهم لم يجدوه كاذبا في يوم من أيامه الماضية، بل عصمته من الكذب في المستقبل أظهر وأولى، ولكنهم - لظلمهم أنفسهم بالكبر والاستعلاء - يجحدون بآيات الله الدالة على نبوته ورسالته بمثل زعمهم أن القرآن نفسه سحر يؤثر، وهم لم يكونوا يعتقدون ذلك، وإنما يريدون صد العرب عنه،
وأما إذا جعلت الآية عامة وأريد بما يحزنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقوله المشركون من ضروب الأقوال في إنكار التوحيد والبعث والنبوة وسائر مسائل الدين، ففي هذه الحالة يظهر اتجاه غير واحد من تلك الأقوال المنقولة بصدق بعضها على أناس وبعضها على آخرين، فإن نفي التكذيب إنما يصدق على بعضهم كالجاحدين المعاندين دون جمهور الضالين الجاهلين، وإنما كان الجحود من الرؤساء المستكبرين ظلما وعنادا على علم ومن المقلدين جهلا واحتقارا منهم لأنفسهم بترك النظر وغلوا في ثقتهم بكبرائهم وآبائهم ولا شك في أن بعض المشركين كان يكذب النبي - صلى الله عليه وسلم - تكذيب الافتراء عن اعتقاد أو غير اعتقاد. قال تعالى في " سورة الفرقان ":
{ كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون } [الفرقان: 4] إلى قوله: { بكرة وأصيلا } [الفرقان: 5] ولم تكن كل العرب تعرف من سيرته وصدقه صلى الله عليه وسلم - ما كان يعرفه معاشروه من قريش. وسيأتي التصريح بتكذيبهم إياه في جمل شرطية من هذه السورة وغيرها كالشواهد التي تراها في تفسير الآية التالية:
{ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} أكد الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بصيغة القسم أن الرسل الذين أرسلوا قبله قد كذبتهم أقوامهم فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم لهم إلى أن نصرهم الله تعالى عليهم، أي: فإن كذبت فلك أسوة بمن قبلك، فلست بدعا من الرسل، وقد صرح بالشرطية في آيات أخرى كقوله تعالى في " سورة الحج ":
{ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح } [الحج: 42} إلخ.
وقوله في " سورة فاطر ":
{ وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } [فاطر: 4] إلخ. { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } [فاطر: 25] إلخ. والآية تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد تسلية، وإرشاد له إلى سنته تعالى في الرسل والأمم أو هي تذكير بهذه السنة، وما تتضمنه من حسن الأسوة، إذ لم تكن هذه الآية أول ما نزل في هذا المعنى، وقد صرح بوجوب هذا الصبر عليه تأسيا في قوله: { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } [الأحقاف: 35] واستقلالا في آيات كثيرة منها ما نزل قبل هذه السورة كقوله تعالى في " سورة المزمل ": { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا } [المزمل: 10] وقد ثبت بالتجارب أن التأسي يهون المصاب ويفيد شيئا من السلوة، قالت الخنساء:

ولولا كثرة الباكين حولي... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن... أعزي النفس عنه بالتأسي.

ولولا أن دفع الأسى بالأسى من مقتضى الطبع البشري لما ظهرت حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتلو القرآن في الصلاة ولا سيما صلاة الليل، فربما يقرأ السورة ولا يعود إليها بعد أيام يفرغ فيها من قراءة ما نزل من سائر السور، فاحتيج إلى تكرار تسليته وأمره بالصبر المرة بعد المرة ; لأن الحزن والأسف اللذين كانا يعرضان له - صلى الله عليه وسلم - من شأنهما أن يتكررا بتكرر سببهما وبتذكره حتى عند تلاوة الآيات الواردة في بيان حال الكفار ومحاجتهم وإنذارهم.
و " ما " في قوله تعالى: {على ما كذبوا} مصدرية (وأوذوا) عطف على (كذبوا) أي فصبروا على تكذيب أقوامهم لهم وإيذائهم إياهم. والإيذاء فعل الأذى، وهو ما يؤلم النفس أو البدن من قول أو فعل، وقد أوذي الرسول - صلى الله عليه وسلم - بضروب من الإيذاء كما أوذي الرسل قبله، آذاه المشركون في مكة بأقوالهم وأفعالهم، واليهود والمنافقون في المدينة بقدر استطاعتهم.
وقوله تعالى: {حتى أتاهم نصرنا} غاية للصبر، أي: صبروا على التكذيب وما قارنه من الإيذاء إلى أن جاءهم نصرنا العظيم بالانتقام من أقوامهم، وإنجائنا إياهم هم ومن آمن معهم من أذاهم وكيدهم. وفيه بشارة للرسول مؤكدة للتسلية بأنه سينصره على المكذبين الظالمين من قومه، وعلى كل من يكذبه ويؤذيه من أمة البعثة، وإيماء إلى حسن عاقبة الصبر، فمن كان أصبر كان أجدر بالنصر إذا تساوت بين الخصمين سائر أسباب الغلب والقهر. وإضافة النصر إلى ضمير العظمة العائد على العزيز القدير تشعر بعظمة شأنه. وتشير إلى كونه من الآيات المؤيدة لرسله.
{ولا مبدل لكلمات الله} في وعده ووعيده التي منها وعده للرسل بالنصر، وتوعده لأعدائهم بالغلب والخذلان. ولا في غير ذلك من الشرائع والسنن التي اقتضتها الحكمة،
والمراد من هذه الكلمات هنا قوله في " سورة الصافات ":
{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } [الصافات: 171-173] اقرأ الآيات إلى آخر السورة، فنفي جنس المبدل لكلمات الله مثبت لكلمته في نصر المرسلين بالدليل - أي إن ذلك النصر قد سبقت به كلمة الله وكلمات الله لا يمكن أن يبدلها مبدل، فنصر الرسل حتم لا بد منه.
كلمات الله جنس يشمل كلمات الأخبار وإنشاء الأحكام كما سيأتي في تفسير
{ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته } [الأنعام: 115] من هذه السورة. وإضافة الكلمات هنا إلى الاسم الأجل الأعظم تشعر بعلة القطع بأنه لا مبدل لها ; لأن المبدل لكلمات غيره لا بد أن تكون قدرته فوق قدرته، وسلطانه أعلى من سلطانه. والتبديل عبارة عن جعل شيء بدلا من شيء آخر
وتبديل الأقوال والكلمات نوعان: تبديل ذاتها بجعل قول مكان قول، وكلمة مكان كلمة. ومنه
{ فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } [البقرة: 59] وتبديل مدلولها ومضمونها كمنع نفوذ الوعد والوعيد أو وقوعه على خلاف القول الذي سبق.
والمتكلمون الذين يجوزون إخلاف الوعيد يقولون: إن لله أن يبدل ما شاء من كلماته، وإنما يستحيل ذلك على غيره، وتبديله إياها لا يشمله النفي في الآية، فإن قيل لهم: قد يشمله ما هو أعم منه في هذا المعنى كقوله تعالى في " سورة ق ":
{ ما يبدل القول لدي } [ق: 29] قالوا: إن النصوص الواردة في العفو تخصص العام من نصوص الوعيد، أو: لا نسلم أن العفو عن بعض المذنبين من قبيل التبديل، وسيأتي بسط هذا البحث في موضع آخر.
{ولقد جاءك من نبأ المرسلين} هذا تقرير وتأكيد لما قبله، أي: ولقد جاءك بعض نبأ المرسلين في ذلك، أو: ولقد جاءك ما ذكر أو ذلك الذي أشير إليه من خبر التكذيب والصبر والنصر من نبأ المرسلين الذي قصصناه عليك من قبل، والنبأ الخبر أو ذو الشأن من الأخبار لا كل خبر. وقد روي أن الأنعام نزلت بعد الشعراء والنمل والقصص وهود والحجر المشتملة على نبأ المرسلين بالتفصيل. وكلمة " نبأ " رسمت في المصحف الإمام بياء هكذا (نبإي) والياء كرسي للهمزة المحذوفة كالنقط، فينطق بالهمزة دونها كما ترسم في وسط الكلمة في مثل " نبئهم ". وكان ينطق بها من لا يهمز.
ومن العبرة في الآية أن الله تعالى وعد المؤمنين ما وعد المرسلين من النصر، فقال:
{ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } [غافر: 51] وقال: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين } [الروم: 47] وهي نص في تعليل النصر بالإيمان.
ولكننا نرى كثيرا من الذين يدعون الإيمان في هذه القرون الأخيرة غير منصورين، فلا بد أن يكونوا في دعوى الإيمان غير صادقين، أو يكونوا ظالمين غير مظلومين، ولأهوائهم لا لله ناصرين، ولسننه في أسباب النصر غير متبعين، وإن الله لا يخلف وعده ولا يبطل سننه، وإنما ينصر المؤمن الصادق وهو من يقصد نصر الله وإعلاء كلمته، ويتحرى الحق والعدل في حربه لا الظالم الباغي على ذي الحق والعدل من خلقه، يدل على ذلك أول ما نزل في شرع القتال قوله تعالى من " سورة الحج ":
{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } إلى قوله: { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } [الحج: 39-40]
فأما الرسل الذين نصرهم الله ومن معهم فقد كانوا كلهم مظلومين، وبالحق والعدل معتصمين، ولله ناصرين. وقد اشترط مثل ذلك في نصر سائر المؤمنين، فقال في " سورة القتال ":
{ ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } [محمد: 7] والإيمان سبب حقيقي من أسباب النصر المعنوية، يكون مرجحا بين من تساوت أسبابهم الأخرى، فليس النصر به من خوارق العادات.
وأما تأييد الله تعالى للرسل بإهلاك أقوامهم المعاندين فهو أمر آخر زائد على تأثير الإيمان في الثبات والصبر، والاتكال على الله تعالى عند اشتداد البأس وعروض أسباب اليأس. ومن كان حظه من صفات الإيمان ولوازمه أكبر كان إلى نيل النصر أقرب إذا كان مساويا لخصمه في سائر أسباب القتال ولا سيما حسن النظام وجودة السلاح، وقد سبق لنا كلام في هذه المسألة في مواضع من التفسير وغيره (راجع كلمة " نصر " من فهارس أجزاء التفسير ومجلدات المنار).
{وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية} مما اقترحوه عليك من الآيات ليؤمنوا فافعل أو فأتهم بها، يقال كبر على فلان الأمر، أي عظم عنده وشق عليه وقعه.
والإعراض: التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه أو احتقارا له، وهو من إبداء المرء عرض بدنه عند توليه عن الشيء واستدباره له، واستطعت الشيء: صار في طوعك منقادا لك باستيفاء الأسباب التي تمكنك من فعله،
والابتغاء: طلب ما في طلبه كلفة ومشقة أو تجاوز للمعتاد أو للاعتدال، أو طلب غايات الأمور وأعاليها، لأنه افتعال من البغي وهو تجاوز الحد في الطلب أو الحق. ويكون في الخير كابتغاء رضوان الله وهو غاية الكمال، وفي الشر كابتغاء الفتنة وهو غاية الضلال،
والنفق: السرب في الأرض وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج، كنافقاء اليربوع، وهو جحره يجعل له منافذ يهرب من بعضها إذا دخل عليه من غيره ما يخافه.
والسلم: المرقاة، مشتق من السلامة. قال الزجاج: لأنه الذي يسلمك إلى مصعدك. وتذكيره أفصح من تأنيثه، وإنما يؤنث بمعنى الآلة، وأتى ب " كان " فعلا للشرط؛ ليبقى الشرط على المضي ولا ينقلب مستقبلا كما قالوا، فإن " إن " لا تقلب " كان " مستقبلا لقوة دلالته على المضي. والنحوي يؤول مثل هذا التركيب بنحو: وإن تبين وظهر أنه كبر عليك إعراضهم، وجواب الشرط محذوف للعلم به، تقديره: فافعل كما تقدم.
تقدم في أوائل السورة أنهم كانوا يقترحون الآيات على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكأنه كان يتمنى لو آتاه الله بعض ما طلبوا حرصا على هدايتهم، وأسفا وحزنا على إصرارهم على غوايتهم، وتألما من كفرهم وأذيتهم، ولكن الله تعالى يعلم أن أولئك المقترحين الجاحدين لا يؤمنون وإن رأوا من الآيات ما يطلبون وفوق ما يطلبون، كما تقدم شرحه في تفسير أوائل السورة [راجع تفسير الآية السابعة وما بعدها ص 258 ج 7 ط الهيئة] وقد أراد تعالى أن يؤكد لرسوله ما يجب من الصبر على تكذيب المشركين وأذاهم الدال عليه ما قبله، وأن يريح قلبه الرءوف الرحيم من إجابتهم إلى ما اقترحوا من الآيات؛ لما تقدم من حكمة ذلك، فقال له:
وإن كان شأنك معهم أنه كبر عليك إعراضهم عن الإيمان وعن الآيات القرآنية والعقلية الدالة عليه - ومنها ما سبق في هذه السورة - وظننت أن إتيانهم بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم، ويكشف شبهتهم، فيعتصمون بعروة الإيمان، عن بينة ملزمة وبرهان، فإن استطعت أن تبتغي لنفسك نفقا كائنا في الأرض - أو معناه: تطلبه في الأرض - فتذهب في أعماقها، أو سلما في جو السماء ترتقي عليه إلى ما فوقها، فتأتيهم بآية مما اقترحوه عليك منهما فائت بما يدخل في طوع قدرتك من ذلك، كتفجير ينبوع لهم في الأرض، أو تنزيل كتاب تحمله لهم من السماء، وقد كانوا طلبوا أحد النوعين كما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في " سورة الإسراء ":
{ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } إلى قوله: { أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } [الإسراء: 90-93] وقد أمره الله تعالى أن يجيب عن ذلك بقوله عقب هذا: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} أي وليس ذلك في قدرة البشر وإن كان رسولا ; لأن الرسالة لا تخرج الرسول عن طور البشر في صفاتهم البشرية كالقدرة والاستطاعة، فهم لا يستطيعون إيجاد شيء مما يعجز عنه البشر في صفاتهم البشرية كالقدرة والاستطاعة، فهم لا يستطيعون إيجاد شيء مما يعجز عنه البشر ولا يقدر عليه غير الخالق تعالى.
والمراد من هذه الآية أنك لا تستطيع أيها الرسول الإتيان بشيء من تلك الآيات ولا ابتغاء السبل إليها في الأرض ولا في السماء، ولا اقتضت مشيئة ربك أن يؤتيك ذلك؛ لعلمه بأنه لا يكون سببا لما تحب من هدايتهم؛ ولأن من سنته أن يترتب على الجحود بعده إنزال العذاب عليهم، وتقدم بيان هذا في تفسير الآيتين السادسة والسابعة من هذه السورة.
{ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} أي ولو شاء الله تعالى جمعهم على ما جئت به من الهدى لجمعهم عليه بجعل الإيمان ضروريا لهم كالملائكة، أو بخلقهم على استعداد واحد للخير والحق فقط، لا متفاوتي الاستعداد مختلفي الاختيار باختلاف العلوم والأفكار والأخلاق والعادات، كما اقتضته حكمته في خلق الناس، ولكنه شاء أن يخلق البشر على ما هم عليه من الاختلاف والتفاوت في الاستعداد، وما يترتب عليه من اختلاف أسباب الاختيار، فإذا عرفت سنته هذه في خلق هذا النوع، وأنه لا تبديل لخلق الله، فلا تكونن من القوم الجاهلين بسنن الله تعالى في خلقه الذين يتمنون ما يرونه حسنا ونافعا، وإن كان حصوله ممتنعا، لكونه مخالفا لتلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية.
فالجهل هنا ضد العلم لا ضد الحلم، وليس كل جهل بهذا المعنى عيبا ; لأن المخلوق لا يحيط بكل شيء علما، وإنما يذم الإنسان بجهل ما يجب عليه، ثم بجهل ما ينبغي له ويعد كمالا في حقه إذا لم يكن معذورا في جهله. قال تعالى في الفقراء المتعففين:
{ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } [البقرة: 273] فوصف الجاهل هنا غير ذم، وكان عدم علم خاتم الرسل بالكتابة من أركان آياته، وعدم علمه بالشعر من أدلة الوحي وبيناته، وكل ما يتوقف علمه على الوحي الإلهي لا يكون جهل الرسول إياه قبل نزوله عليه عيبا يذم به؛ إذ لا يذم الإنسان إلا بما يقصر في تحصيله وكسبه، وقد أمر الله تعالى رسوله بأن يسأله زيادة العلم، وكان يزيده كل يوم علما وكمالا بتنزيل القرآن وبفهمه، وبغير ذلك من العلم والحكمة، ولا يقتضي ذلك الذم قبل هذه الزيادة، وإنما الذي يذم مطلقا هو الجهل المرادف للسفه وهو ضد الحلم.
ويشبه ما هنا قوله تعالى لنوح حين طلب نجاة ابنه الكافر بناء على أنه من أهله الذين وعده الله بإنجائهم معه:
{ يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [هود: 46] أي بإدخال ولدك الكافر في عموم أهلك المؤمنين، وإنما اقترن النهي هنا بالوعظ لأن عاطفة الرحمة الوالدية حملته على سؤال ما ليس له به علم اعتمادا على استنباط اجتهادي غير صحيح، ورحمة خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - كانت أعم وأشمل، وغاية ما تشير إليه الآية أنه تمنى ولكنه لم يسأل، ولو سأل لسأل آية يهتدي بها الضال من قومه، لا نجاة الكافر من أهله، فاكتفى في إرشاده بالنهي وحسن في إرشاد نوح التصريح بالوعظ.