التفاسير

< >
عرض

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
٤
فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
٥
أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
٦
-الأنعام

تفسير المنار

أرشدت الآيات الثلاث السابقة إلى دلائل وحدانية الله تعالى في ربوبيته وألوهيته، وأنها على ظهورها لم تمنع الكافرين من الشرك في الألوهية، وأرشدت إلى دلائل البعث وإلى أنها على قوتها لم تمنع المشركين من الشك فيه، وبينت الثالثة أن الله تعالى المتصف بالصفات التي يعرفونها ولا ينكرونها هو الله في عالمي السماوات والأرض، المحيط علمه بكل شيء فلا ينبغي أن يتخذ معه إله فيها.
ولكن المشركين جهلوا ذلك فجوزوا أن يكون غير الرب إلها وعبدوا معه آلهة أخرى فبين لهم الوحي الحق في ذلك، وأن الله الذي يعترفون بأنه هو رب السماوات والأرض وما فيهن هو الإله المعبود بالحق فيهن ثم أرشدت هذه الآيات الثلاث اللاحقة إلى سبب عدم اهتدائهم بالوحي، وأنذرتهم عاقبة التكذيب بالحق، ويتلو ذلك في الآيات التي بعدهن كشف شبهاتهم على الوحي وبعثة النبي عليه الصلاة والسلام فيكون الكلام في أصول الدين كلها وكل السورة تفصيل له.
قال عز وجل: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} أي لم يكن كل أمرهم أنهم لم يستدلوا بما ذكر في الآية الأولى من البينات على التوحيد، ولا بما ذكر في الثانية على البعث ولم ينظروا فيما يستلزمه كونه سبحانه هو الله في السماوات وفي الأرض، المحيط علمه بالسر والجهر وكسب العبد، بل يعطف على هذا ويزاد عليه أنهم أضافوا إلى عدم الاهتداء بالآيات الثابتة الدائمة التي يرونها في الآفاق وفي أنفسهم عدم الاهتداء بالآيات المتجددة التي تهديهم إلى تلك وتبين لهم وجه دلالتها وهي آيات القرآن المرشدة إلى آيات الأكوان، والمثبتة لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وفي معناها كل ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم من المعجزات، وذلك أنهم لا تأتيهم آية من هذه الآيات من عند ربهم ولا يقدر عليها غيره إلا كانوا معرضين عنها، غير متدبرين لمعناها، ولا ناظرين فيما تدل عليه وتستلزمه فيهتدوا به.
وأصل الإعراض التولي عن الشيء الذي يظهر به عرض المتولي المدبر عنه، أي فهم لهذا الإعراض عن النظر في الآيات المنزلة وما فيها من الإعجاز العلمي واللفظي يظلون معرضين عن الآيات الكونية الدائمة الدالة على أن هذا الرب الذي بيده ملكوت كل شيء هو الحقيق بالألوهية وحده، وأنه لا يجوز أن يدعى غيره ولا أن يعبد سواه; لأن الربوبية والألوهية متلازمتان. فلولا إعراضهم عن الآيات المنزلة والتأمل فيها عنادا من رؤسائهم، وجمودا على التقليد من دهمائهم، وهو المانع من النظر في الآيات الكونية لنظروا في النوعين نظر الاستقلال في الاستدلال فظهر لهم ظهورا لا يحتمل المراء ولا يقبل الجدال،
فالآية معطوفة على ما قبلها متممة لمعناه والمضارع المنفي فيها على إطلاقه دال على التجدد والاستمرار، أو على بيان الشئون وشرح الحقائق كقوله تعالى:
{ الله يعلم ما تحمل كل أنثى } [الرعد: 8] فلا يلاحظ فيه حال ولا استقبال وفي معنى هذه الآية آية أول سورة الشعراء وستأتي قريبا، وآية في أول سورة الأنبياء وهي: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم } [الأنبياء: 2-3].
وقوله: (من آية) يدل على استغراق النفي أو تأكيده، وإضافة الآيات إلى الرب تفيد أن إنزاله الوحي، وبعثه للرسل وتأييدهم، وهدايته للخلق بهم، كله من مقتضى ربوبيته، أي مقتضى كونه هو السيد المالك المربي لخلقه المدبر لأمورهم على الوجه الموافق للحكمة. وأنه لا يقدر عليه غيره فالذين يؤمنون بالرب ولا يؤمنون بكتبه ورسله يجهلون قدر ربوبيته وكنه حكمته ورحمته. وقيل: إن المراد بالآيات هنا الدلائل الكونية الثابتة، وهو ضعيف، فإن هذه لا يكاد يعبر عنها بالإتيان; لأنها ماثلة دائما للبصائر والأبصار، وإنما يعبر بالإتيان عن آيات الوحي التي تتجدد وعما يتجدد مثلها من المعجزات ومصداق الإخبار بالغيب، كالإخبار بنصر الرسل وخذلان أقوامهم وآيات الساعة، مثال ذلك آيتا الأنبياء والشعراء المشار إليهما آنفا وقوله تعالى:
{ أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } [غافر: 50] { وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها } [الأعراف: 132] { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } [يوسف: 107].
ولما بين أن شأنهم الإعراض عن الآيات المنزلة وسائر ما يؤيد الله به رسله، رتب عليه قوله: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) أي فبسبب ذلك الشأن الكلي العام وهو استمرارهم على الإعراض عن النظر في الآيات فقد كذبوا بالحق الذي جاءهم لما جاءهم فلم يتريثوا ولم يتأملوا، وإنما كذبوا ما جهلوا، وما جهلوا إلا لأنهم سدوا على أنفسهم مسالك العلم، وهذا الحق الذي كذبوا به هو دين الله الذي جاءهم به خاتم رسله صلى الله عليه وسلم من العقائد والعبادات والآداب، وأحكام الحلال والحرام والمعاملات، وقد دعاهم أولا بمثل هذه السورة إلى كلياته مجملة ثم مفصلة وإنما كان يكون التفصيل بقدر الحاجة، إلى أن تم الدين كله فأكمل الله به النعمة،
والحق في أصل اللغة الموافقة والمطابقة كما قال الراغب، أو الأمر الثابت المتحقق بنفسه، فهو كلي له جزئيات كثيرة، وكلما أطلق في مقام يعرف المراد منه بالقرائن اللفظية أو المعنوية، وقد أطلق في القرآن بمعناه اللغوي المطلق وعلى البارئ تعالى وعلى القرآن وعلى الدين، وذكر الدين مضافا إلى الحق إضافة بيانية كقوله تعالى:
{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } [التوبة: 33] وقوله { ولا يدينون دين الحق } [التوبة: 29] وأطلق بمعان أخرى تفهم من السياق في كل موضع
فالأظهر عندنا أن المراد بالحق هنا الدين المبين في القرآن، وروي عن قتادة تفسيره بالقرآن الذي نزل به القرآن هو عين التكذيب بالقرآن الذي نزل بهذا الدين، ولكن الأظهر في توجيه اللفظ والتناسب بين هذه الآية وما قبلها وعطفها عليها بفاء السببية: أن يقال:
إن إعراضهم عن آيات القرآن الدالة بإعجازها على كونها من عند الله وعلى رسالة من أنزلت عليه وبمعانيها على دلائل التوحيد والبعث، وعلى أحكام الشرائع والآداب، قد كان سببا ترتب عليه تكذيبهم بالحق الذي أنزل القرآن لبيانه، وهو تلك المعاني التي هي دين الله عز وجل،
وإذا فسر الحق هنا بالقرآن نفسه يكون المعنى أنهم كانوا يعرضون عن كل آية من القرآن، فكان ذلك سببا لتكذيبهم بالقرآن، وأن المعرض عنه والمكذب به واحد، ووجهه أبو السعود، بضرب من تكلفه المعهود، وقد يتخرج على القول بأن فاء السببية تأتي بمعنى لام العلة فتدل على أن ما بعدها سبب لما قبلها، وفي هذا القول مقال وفي التخريج عليه ما لا يخفى من الضعف،
ولكن يظهر ذلك على القول بأن الآيات التي شأنهم الإعراض عنها هي دلائل الأكوان أو المعجزات مطلقا، إذ يقال حينئذ في تقدير الربط: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية، وأظهر دلالة، وهو الحق الذي تحدوا به، فعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله. وقد علمت أن المختار في الآيات الأول، وقيل: إن الحق هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم قاله ابن جرير الطبري. وقيل: الوعد والوعيد.
{فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي فعاقبة هذا التكذيب أنه سوف يحل بهم مصداق الأخبار العظيمة الشأن مما كانوا يستهزءون به من آيات القرآن. والمراد بهذه الأنباء ما في القرآن من الوعد بنصر الله لرسوله، وإظهار دينه، ووعيد أعدائه بتعذيبهم وخذلانهم في الدنيا ثم بهلاكهم في الآخرة وقد أتاهم ذلك فكان من أوائله ما نزل بهم من القحط، وما حل بهم في بدر،
ثم تم ذلك في يوم الفتح وقد دلت الآية على ما جاء مصرحا به في سورة أخرى من استهزاء مشركي مكة والكلام فيهم بوعد الله ووعيده، وكذا بآياته ورسله، ولا حاجة إلى تقدير ذلك في الكلام، فهو وإن لم يقدر من بدائع إيجاز القرآن، وقد تكرر في القرآن ذكر استهزائهم واستهزاء من قبلهم من الكفار بالرسل، وبما جاءوا به من الوعد والوعيد وإنذرهم عاقبة هذا الاستهزاء في آيات وبيان نزول العذاب بهم في آيات أخرى كقوله:
{ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } [هود: 8] وهو في سورة هود: 8 والنحل 16: والأنبياء والزمر: 48 وأكثر الحواميم.
جاء الوعيد على الاستهزاء هنا بحرف التسويف. وجاء في آيتين مثل هاتين الآيتين في أول الشعراء بحرف التنفيس. وذلك قوله تعالى:
{ وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين * فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } [الشعراء: 5-6] وقد حذف هنا مفعول كذبوا، وذكر السيد الآلوسي في روح المعاني تعليل ذلك بما نصه: وفي البحر إنما قيد الكذب بالحق هنا وكان التنفيس بسوف وفي الشعراء { فقد كذبوا فسيأتيهم } [الشعراء: 6] بدون تقييد الكذب، والتنفيس بالسين لأن الأنعام متقدمة في النزول على الشعراء، فاستوفى فيها اللفظ وحذف من الشعراء وهو مراد إحالة على الأول، وقد ناسب الحذف الاختصار في حرف التنفيس فجيء بالسين اهـ.
أقول: ويحسن أن يزاد على ذلك أنه لما كان فعل الاستقبال المقرون بسوف أبعد زمانا من المقرون بالسين تعين الأول فيما نزل أولا والثاني فيما نزل آخرا.
وقال الرازي في تفسير الآية: اعلم أن الله تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب: (فالمرتبة الأولى) كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات، (والمرتبة الثانية) كونهم مكذبين بها، وهذه المرتبة أزيد مما قبلها لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبا به، بل يكون غافلا عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذبا به فقد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء. فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الإنكار فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاث على هذا الترتيب اهـ.
وفي هذه الآيات عبرة لنا في حال الذين أضاعوا الدين، من أهل التقليد الجامدين، وأهل التفرنج الملحدين، فهي تنادي بقبح التقليد وتصرح بوجوب النظر في الآيات والاستدلال بها، وبأن التكذيب بالحق والحرمان منه معلول للإعراض عنها، وتثبت أن الإسلام دين مبني على أساس الدليل والبرهان، لا كالأديان المبنية على وعث التقليد للأحبار والرهبان أو الرؤساء والكهان، وماذا فعل المسلمون بعد هذا التبيان؟ تبع جماهيرهم سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع وأضاعوا حجة دينهم بتقليد فلان وعلان، وعكسوا القاعدة المأثورة عن سلفهم وهي " اعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال " ولولا حفظ الله جل وعلا لهذا القرآن وتوفيقه سلف الأمة للعناية بتدوين سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأخذ طائفة من أهل النظر بهديهما في كل زمان، لضاع من الوجود هذا الإسلام كما ضاعت من قبله سائر الأديان، ولم يغن عن ذلك وجود الألوف المؤلفة من كتب الفقه وكتب الكلام.
كان عاقبة ذلك أن الحق صار مجهولا في نفسه عند الأكثرين، فاتخذ الناس رؤساء جهالا للدنيا وللدين، فتواطأ الفريقان على اضطهاد حملة الحجة من العلماء المستقلين، وظنوا أن ذلك من الكياسة التي تقتضيها السياسة، ويحفظ بها أمر الملك والرياسة، وما كان إلا فتنة لهم، أضاعوا بها دينهم وملكهم على أيدي أقوام من أمم الشمال، اقتبسوا من الإسلام وأهله الأولين ذلك الاستقلال فنسخوا ما كانوا فيه من ظلمات التقليد بنور الاستدلال، فبلغوا من العزة والسيادة أوج الكمال.
ثم استدار الزمان فافتتن بعض المسلمين بما رأوا عليه هؤلاء المستقلين، ولكن داء التقليد العضال لم يفارقهم في هذه الحال، فطفقوا يقلدونهم في الأزياء والعادات وظواهر الأحكام والأعمال فازدادوا بذلك خزيا على خزي وضلالا على ضلال; إذ هدموا مقومات أمتهم ومشخصاتها ولم يستطيعوا أن يكونوها بمقومات ومشخصات غيرها.
فهذه الآيات الكريمة حجة على مقلدة المسلمين وعلى مقلدة الأوربيين، فإنهم هم الذين أضاعوا الدنيا والدين، وأعجب أمر هؤلاء المتفرنجين أنهم يدعون الاستقلال، ويظنون أن ما يهذون به من الشبهات الدينية والاجتماعية ضرب من الاستدلال، فهلم دلائلكم على ما تركتم من هداية، وما استحدثتم من غواية فإننا لمناظرتكم مستعدون، وكم دعوناكم إليه وأنتم لا تجيبون؟.
{ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} الرؤية هنا علمية و (القرن) من الناس القوم المقترنون في زمن واحد، جمعه قرون، وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى مفردا وجمعا، واختلف في الزمن المحدد للقرن، فأوسط الأقوال أنه سبعون أو ثمانون سنة، وقيل: مائة أو أكثر، وقيل ستون أو أربعون، والمعقول أنه مقدار متوسط أعمار الناس في كل زمن. وذهب بعضهم إلى تحديد القرن بالحالة الاجتماعية التي يكون عليها القوم. فقال الزجاج: أنه عبارة عن أهل عصر فيهم نبي أو فائق في العلم أو ملك من الملوك، وهذا أقرب إلى استعمال القرآن، فالظاهر أن قوم نوح قرن وإن امتد زمنه فيهم زهاء ألف سنة وقوم عاد قرن وقوم صالح قرن، ويطلق القرن على الزمان نفسه، والمشهور في عرف الكتاب اليوم أن القرن مائة سنة.
و (التمكين) يستعمل باللام وفي، يقال: مكن له في الأرض جعل له مكانا فيها ونحوه أرض له، ومنه
{ إنا مكنا له في الأرض } [الكهف: 84] ويقال: مكنه في الأرض أي أثبته فيها، ومنه { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } [الأحقاف: 26] كذا في الكشاف. قال ولتقارب المعنيين جمع بينهما في هذه الآية. وقيل إن " مكنه ومكن له كوهبه ووهب له "، وقال أبو علي اللام زائدة كردف له، وسيأتي تحقيق معنى الاستعمالين.
والسماء المطر، والمدرار المغزار فهو صيغة مبالغة من الدر، وهو مصدر در اللبن درا أي كثر وغزر، ويسمى اللبن الحليب درا كالمصدر.
والإرسال والإنزال متقاربان في المعنى لأن اشتقاق الإرسال من رسل اللبن وهو ما ينزل من الضرع متتابعا، وقال الراغب: أصل الرسل الانبعاث على التؤدة ويقال ناقة رسلة سهلة السير، وإبل مراسيل منبعثة انبعاثا سهلا، ومنه الرسول المنبعث،
ثم ذكر أن الإرسال يكون ببعث من له اختيار كإرسال الرسل وبالتسخير كإرسال الريح والمطر وبترك المنع نحو قوله:
{ أرسلنا الشياطين على الكافرين } [مريم: 83] ويستعمل فيما يقابل الإمساك نحو { وما يمسك فلا مرسل له } [فاطر: 2]. والكلام استئناف لبيان ما توعدهم به وكونه مما سبقت به سنته في المكذبين من أقوام الأنبياء،
والمعنى ألم يعلم هؤلاء الكفار المكذبون بالحق كم أهلكنا من قبلهم من قوم أعطيناهم من التمكين والاستقلال في الأرض وأسباب التصرف فيها ما لم نعطهم هم مثله، ثم لم تكن تلك المواهب والنعم بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بذنوبهم
{ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر } [القمر: 43]؟ لا هذا ولا ذاك، فإما الإيمان وإما الهلاك.
وكان الظاهر أن يقال: مكناهم في الأرض أي القرون ما لم نمكنهم أي الكفار المحكي عنهم المستفهم عن حالهم، فعدل عن ذلك بالالتفات عن الغيبة إلى الخطاب لما في إيراد الفعلين بضميري الغيبة من إيهام اتحاد مرجعهما وكون المثبت عين المنفي. فقيل: ما لم نمكن لكم: وإنما لم يقل: " ما لم نمكنكم " أو: " ومكنا لهم ما لم نمكن لكم " وهو مقتضى المطابقة لنكتة دقيقة لا يدركها إلا من فقه الفرق بين مكنه ومكن له، وقد غفل عنه جماهير أهل اللغة والتفسير "
والتحقيق أن معنى مكنه في الأرض أو في الشيء: جعله متمكنا من التصرف تام الاستقلال فيه. وأما مكن له فقد استعمل في القرآن مع التصريح بالمفعول به ومع حذفه، فالأول كقوله تعالى:
{ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم } [النور: 55] وقوله: { أولم نمكن لهم حرما آمنا } [القصص: 57] والثاني كقوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } [يوسف: 21] وقوله في ذي القرنين: { إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا } [الكهف: 84] فلا بد في مثل هذا من تقدير المفعول المحذوف مع مراعاة ما يناسب ذلك من نكت الحذف، ككون المفعول في هاتين الآيتين عاما يتناول كل ما يصلح للمقام، كأن يقال: مكنا ليوسف ولذي القرنين في الأرض جميع أسباب الاستقلال في التصرف.
إذا فقهت هذا فاعلم أن في هذه الآية احتباكا تقديره " مكناهم في الأرض ما لم نمكنكم، ومكنا لهم ما لم نمكن لكم " ومعنى الأول أنهم كانوا أشد منكم قوة وتمكنا في أرضهم، فلم يكن يوجد حولهم من يضارعهم في قوتهم، ويقدر على سلب استقلالهم، ومعنى الثاني أننا أعطيناهم من أسباب التمكن في الأرض وضروب التصرف وأنواع النعم ما لم نعطكم. فحذف من كل من المتقابلين ما أثبت نظيره في الآخر، وهذا من أعلى فنون الإيجاز، الذي وصل في القرآن إلى أوج الإعجاز، ويصدق كل من التمكينين على قوم عاد وثمود وقوم فرعون وغيرهم، كما يعلم من قصص الرسل في القرآن ومن التاريخ العام.
ثم عطف على هذا ما امتازت به القرون على كفار قريش من النعم الإلهية الخاصة بمواقع بلادهم من الأرض فقال: {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} إرسال السماء عبارة عن إنزال المطر، والمدرار الغزير كما تقدم {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي وسخرنا لهم الأنهار وهي مجاري المياه الفائضة وهديناهم إلى الاستمتاع بها بجعلها تجري دائما من تحت مساكنهم التي يبنونها على ضفافه، أو في الجنات والحدائق التي تتفجر خلالها، فيتمتعون بالنظر إلى جمالها، وبسائر ضروب الانتفاع من أمواهها.
{فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} (أي فكان عاقبة أمرهم لما كفروا بتلك النعم وكذبوا الرسل أن أهلكنا كل قرن منهم بسبب ذنوبهم التي كانوا يقترفونها. وأنشأنا أي أوجدنا من بعد الهالكين من كل منهم قرنا آخرين يعمرون البلاد ويكونون أجدر بشكر نعم الله عليهم فيها. والذنوب التي يهلك الله بها القرون ويعذب بها الأمم قسمان:
(أحدهما) معاندة الرسل والكفر بما جاءوا به. (وثانيهما) كفر النعم بالبطر والأشر وغمط الحق واحتقار الناس وظلم الضعفاء، ومحاباة الأقوياء، والإسراف في الفسق والفجور، والغرور بالغنى والثروة، فهذا كله من الكفر بنعم الله واستعمالها في غير ما يرضيه من نفع الناس والعدل العام، والأيام الناطقة بتلك الذنوب مجتمعة ومتفرقة كثيرة كقوله تعالى:
{ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } [القصص: 58-59] { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } [هود: 102] { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } [النحل: 112] { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا } [الإسراء: 16] والعذاب الذي يعذب الله به الأمم ويهلك القرون ويديل الدول قسمان أيضا. الجوائح والاستئصال، وفقد الاستقلال، وقد بينا هذا وذاك في مواضع من هذا التفسير.
وفي هذه الآية رد على كفار مكة وهدم لغرورهم بقوتهم وثروتهم بإزاء ضعف عصبية النبي صلى الله عليه وسلم وفقره، وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله:
{ وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } [سبأ: 35].
أما القوم أو القرن الآخرون الذين يخلفون من نزل بهم عذاب الله تعالى، فهم لا بد أن يكونوا مخالفين لهم في صفاتهم، وإن كانوا من جبلتهم وأبناء جيلهم، فالشعوب التي نكبت بالحرب المشتعلة الآن في أوربا لا بد أن يخلف الهالكين فيها خلف يتركون كثيرا مما كانت عليه من الكفر بالله وكفر نعمه، ويكونوا أقل منهم بطرا وقسوة وانغماسا في الترف والسرف وما ينشأ عنهما من الفسق والفجور، قال تعالى في آخر سورة القتال:
{ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } [محمد: 38].