التفاسير

< >
عرض

ويَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٩
فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ
٢٠
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢١
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٢٣
قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٢٤
قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
٢٥
-الأعراف

تفسير المنار

هذه الآيات تتمة السياق الوارد في النشأة الأولى للبشر وشياطين الجن، أنزلت تمهيدا لهداية الناس بما يتلوها من الآيات في وعظ بني آدم وإرشادهم إلى ما تكمل به فطرتهم كما بيناه في بحث التناسب بين الآيات السابقة.
{ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة - كما هو نص التعبير في سورة البقرة - فهو معطوف على قوله تعالى في أول السياق: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وهذا أظهر من جعله معطوفا على قوله تعالى في الآية السابقة لهذه: {قال اخرج منها مذءوما مدحورا} فإن إخراجه من الجنة - على قول الجمهور - كان بعد الوسوسة لآدم كما هو مبين في هذه الآيات. والنداء يفيد الاهتمام بالأمر بعده،
والأمر بالسكنى قيل: للإباحة، وقيل: للوجوب، بناء على أنه أمر تكليف، يقابله جعله أمرا تكوينيا قسريا كما تقدم مثله في أمر إبليس، واللام في الجنة للعهد الخارجي وهي الجنة التي خلق فيها أو لديها آدم، ومثله قوله تعالى في سورة ن:
{ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين } [القلم: 17]؛ لأن آدم خلق من الأرض في الأرض، ولم يرد في شيء من آيات قصته المكررة في عدة سور أن الله رفعه إلى الجنة التي هي دار الجزاء على الأعمال، وتقدم بيان الخلاف في هذه الجنة في تفسير القصة في سورة البقرة، والجمهور على أنها جنة الآخرة.
والآية تدل على أن آدم كان له زوج؛ أي امرأة. وليس في القرآن مثل ما في التوراة من أن الله تعالىألقى على آدم سباتا انتزع في أثنائه ضلعا من أضلاعه فخلق له منه حواء امرأته، وأنها سميت امرأة " لأنها من امرئ أخذت " وما روي في هذا المعنى فهو مأخوذ من الإسرائيليات، وحديث أبي هريرة في الصحيحين
"فإن المرأة خلقت من ضلع" على حد { { خلق الإنسان من عجل } [الأنبياء: 37] بدليل قوله: "فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء" أي لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة، ووثنيوا الهند يزعمون أن لآدم أما ولها في مدينتهم المقدسة {بنارس} قبر عليه قبة بجانب قبة قبره، وقيل: إن المراد بأمه عندهم الرمز إلى الطبيعة. والآية ترشد إلى أن المرأة تابعة للرجل في السكنى والمعيشة باقتضاء الفطرة، وهو الحق الواقع الذي يعد ما خالفه شذوذا.
{فكلا من حيث شئتما} أي فكلا من ثمارها حيث شئتما - وفي سورة البقرة:
{ وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35] - ومن سنة القرآن أن يتضمن التكرار للقصص فوائد في كل منها لا توجد في الأخرى من غير تعارض في المجموع.
{ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} النهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه كما بيناه في تفسير:
{ تلك حدود الله فلا تقربوها } [البقرة: 187] فهو يقتضي البعد عن موارد الشبهات التي تغري به وتفضي إليه ورعا واحتياطا، " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه " كما ورد في الحديث، وتعريف الشجرة كتعريف الجنة، وهي مشار إليها في الآية بما يعين شخصها، ولم يبين في القرآن نوعها ولا وصفها، إلا ما في الآية التالية عن إبليس، ومثله في سورة طه.
وفي الفصل الثاني من سفر التكوين أول أسفار التوراة ما نصه " 8 وغرس الرب الإله جنة من عدن شرقا ووضع هناك آدم الذي جبله 9 وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر " ثم قال " 15 وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها 16 وأوصى الرب الإله آدم قائلا من جميع شجر الجنة تأكل أكلا 17 وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت " اهـ. وقد أكل آدم من الشجرة ولم يمت يوم أكلها والقرآن قد علل النهي بأنه يترتب على مخالفته أن يكونا من الظالمين لأنفسهما، أي بفعلهما ما يعاقبان عليه ولو بالحرمان من ذلك الرغد من العيش وما يعقبه من تعب في المعيشة.
{فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} قال الراغب: الوسوسة الخطرة الرديئة وأصله من الوسواس وهو صوت الحلي، والهمس الخفي قال:
{ فوسوس إليه الشيطان } [طه: 120] وقال: { من شر الوسواس } [الناس: 4] ويقال لهمس الصائد وسواس اهـ. فوسوسة الشيطان للبشر هي ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزين لهم ما يضرهم في أبدانهم أو أرواحهم ومعاملاتهم، وقد فصلنا القول في ذلك مرارا. والظاهر هنا أن الشيطان تمثل لآدم وزوجه وكلمهما وأقسم لهما، ولا مانع منه على قول الجمهور.
ومن جعل القصة تمثيلا لبيان حال النوع البشري من الأطوار التي تنقل فيها يفسر الوسوسة بما تقدم آنفا، فإن الإنسان عندما ينتقل من طور الطفولة التي لا يعرف فيه هما ولا نصبا إلى طور التمييز الناقص يكون كثير التعرض لوسوسة الشيطان واتباعها. وقد عللت هذه الوسوسة بأن غايتها أو غرضه منها أن يظهر لهما ما غطي وستر عنهما من سوآتهما يقال: وارى الشيء إذا غطاه وستره، ووري الشيء غطي وستر، والسوءة ما يسوء الإنسان من أمر شائن وعمل قبيح. والسوءة السوآء الخلة القبيحة والمرأة المخالفة. قال في حقيقة الأساس: وسوءة لك، ووقعت في السوءة السوآء، قال أبو زبيد:

لم يهب حرمة النديم وحقت يا لقومي للسوءة السوآء

ثم قال: ومن باب الكناية بدت سوءته وبدت لهما سوآتهما اهـ. وإذا أضيفت السوءة إلى الإنسان أريد بها عورته الفاحشة؛ لأنه يسوءه ظهورها بمقتضى الحياء الفطري ما لم يفسده بتعود إظهارها مع آخرين فيرتفع الحياء بينهم، وجمعت هنا على القاعدة في إضافة المثنى إلى ضميره إذ يستثقلون الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة فيجمعون المضاف، كقوله تعالى: { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } [التحريم: 4].
وسنذكر معنى ما كان من هذا الإخفاء أو المواراة لسوآتهما عنهما في تفسير قوله تعالى:
{ فبدت لهما سوآتهما } [طه: 121] وما هو ببعيد.
{وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} أي وقال فيما وسوس به لهما: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا منها إلا لأحد أمرين: اتقاء أن تكونا بالأكل منها ملكين، أي كالملكين فيما أوتي الملائكة من الخصائص كالقوة وطول البقاء وعدم التأثر بفواعل الكون المؤلمة والمتعبة وغير ذلك،
وقرأ ابن عباس وابن كثير " ملكين " بكسر اللام واستشهد له الزجاج بما حكاه تعالى عن الشيطان في سورة طه بقوله:
{ قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } [طه: 120] وهو ضعيف والقراءة شاذة - أو اتقاء أن تكونا من الخالدين في الجنة، أو الذين لا يموتون ألبتة.
وأوهمهما أن الأكل من هذه الشجرة يعطي الآكل صفة الملائكة وغرائزهم ويقتضي الخلود في الحياة، واستدلوا به على تفضيل الملائكة على آدم، وخصه بعضهم بملائكة السماء والكرسي والعرش من العالين والمقربين دون ملائكة الأرض المسخرين لتدبير أمورها الذين كان معنى سجودهم له أن الله سخر لنوعه جميع قوى الأرض وعوالمها - وذكر الرازي في تفسير الآية أنها أحد الدلائل على كون الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض فقط، واستدل الشيخ محيي الدين بن العربي على عدم سجود جميع الملائكة له بقوله تعالى لإبليس في سورة الحجر:
{ أستكبرت أم كنت من العالين } [ص: 75] بناء على أن العالين خواص الملائكة.
{وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} ادعى اللعين أنه ناصح لهما فيما رغبهما فيه من الأكل من الشجرة. ولما كان محل الظنة في نصحه عندهما؛ لأنه تعالى أخبرهما بأنه عدو لهما. أكد دعواه بأشد المؤكدات وأغلظها، وهي القسم وإن واللام وتقديم {لكما} على متعلقه الدال على الحصر. وكان الظاهر أن يقال: وأقسم لهما؛ فإن المقاسمة تدل على المشاركة كقاسمه المال، أي أخذ كل منهما قسما، وللمفسرين في الصيغة قولان: أحدهما أن صيغة فاعل وردت للمفرد كثيرا وهذا منها فمعناه: وحلف لهما، واستشهد له ابن جرير بقول خالد بن زهير:

وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها

والقول الثاني: أنها على أصلها ووجهوه بوجوه لا دليل عليها كقولهم: إنهما أقسما له أنهما يقبلان نصيحته إذا أقسم أنه ناصح: وقولهم: إنهما طلبا منه القسم فجعل طلبهما القسم كالقسم، وإنما يعلم مثل هذا بالنقل عن المعصوم، ولو قيل إنه هو الذي عرض عليهما أن يقسم لهما وطلب منهما أن يقسما له وبنى قسمه على ذلك لكان أقرب إلى المألوف.
{فدلاهما بغرور} دلى الشيء تدلية - أرسله إلى الأسفل رويدا رويدا لأن في الصيغة معنى التدريج أو التكثير - أي فما زال يخدعهما بالترغيب في الأكل من الشجرة، والقسم على أنه ناصح بذلك لهما به حتى أسقطهما وحطهما عما كانا عليه من سلامة الفطرة وطاعة الفاطر بما غرهما به،
والغرور الخداع بالباطل، وهو مأخوذ من الغرة {بالكسر} والغرارة {بالفتح} وهم بمعنى الغفلة وعدم التجربة كما حققناه بالتفصيل في تفسير
{ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } [الأنعام: 112] واستشهدنا عليه بخداع الشيطان لآدم وحواء في مسألتنا وقيل: دلاهما حال كونهما متلبسين بغرور، والأول أظهر.
والظاهر أنهما اغترا وانخدعا بقسمه وصدقا قوله لاعتقادهما أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، واستنكر بعضهم أن يكونا صدقاه واستكبر أن يقع ذلك منهما، وزعم أن تصديقه كفر، ورجح هؤلاء أن يكون الغرور بتزيين الشهوة، فإن من غرائز البشر حب التجربة واستكشاف المجهول، والرغبة في الممنوع، فجاء الوسواس نافخا في نار هذه الشهوات الغريزية مذكيا لها، مثيرا للنفس بها إلى مخالفة النهي، حتى نسي آدم عهد ربه، ولم يكن له من العزم ما يصرفه عن متابعة امرأته، ويعتصم به من تأثير شيطانه، كما قال تعالى في سورة طه:
{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] وفي حديث أبي هريرة في الصحيح "ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها" بناء على أنها هي التي زينت له الأكل من الشجرة، والمراد أن المرأة فطرت على تزيين ما تشتهيه للرجل ولو بالخيانة له، وقيل: إن ذلك بنزع العرق أي الوراثة.
{فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي فلما ذاقا ثمرة الشجرة ظهرت لكل منهما سوءته وسوءة صاحبه وكانت مواراة عنهما، قيل: بلباس من الظفر كان يسترهما فسقط عنهما، وبقيت له بقية في رءوس أصابعهما، قيل: بلباس مجهول كان الله تعالى ألبسهما إياه، وقيل: بنور كان يحجبهما، ولا دليل على شيء من ذلك ولم يصح به أثر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم
والأقرب عندي أن معنى ظهورها لهما أن شهوة التناسل دبت فيهما بتأثير الأكل من الشجرة، فنبهتهما إلى ما كان خفيا عنهما من أمرها، فخجلا من ظهورها، وشعرا بالحاجة إلى سترها، وشرعا يخصفان أي يلزقان أو يضعان ويربطان على أبدانهما من ورق أشجار الجنة العريض ما يسترها - من خصف الإسكافي النعل إذا وضع عليها مثلها - فالمواراة كانت معنوية، فإن كانت حسية فما ثم إلا الشعر ساتر خلقي، وقد تظهر الشهوة ما أخفاه الشعر، وإن لم يسقط بتأثير ذلك الأكل. ويدل على كل من هذين الوجهين فطرة الإنسان التي نزلت الآيات في شرح حقيقتها وغرائزها والله أعلم بمراده، وخلقه وقدره أصدق شاهد لكتابه.
{وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} الاستفهام هنا للعتاب والتوبيخ، أي وقال لهما ربهما الذي يربيهما في طور المخالفة والعصيان، كما يربيهما في حال الطاعة والإذعان: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة أن تقرباها، وأقل لكما: إن الشيطان عدو لكما دون غيركما من الخلق، بين العداوة ظاهرها فلا تطيعاه يخرجكما من الجنة حيث العيش الرغد إلى حيث الشقاء في المعيشة والتعب في جهاد الحياة! وهذا القول هو ما ورد في سورة طه:
{ فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } [طه: 117] والقرآن يفسر بعضه بعضا سواء ما تقدم نزوله منه وما تأخر.
{قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} هذا بيان مستأنف لما كان من أمرهما بعد أن تذكرا نهي الرب لهما عن الأكل من الشجرة لما فيه من ظلمهما لأنفسهما به، وهو أنهما قالا: يا ربنا، إننا ظلمنا أنفسنا بطاعتنا للشيطان وعصياننا لك كما أنذرتنا، وقد عرفنا ضعفنا وعجزنا عن التزام عزائم الطاعات، وإن لم تغفر لنا ما نظلم به أنفسنا، وترحمنا بهدايتك لنا وتوفيقك إيانا إلى ترك الظلم، والاعتصام من الجهل والجهالة بالعلم والحلم، وبقبولنا إذا نحن تبنا إليك، وبإعطائك إيانا من فضلك، فوق ما نستحق بعدلك، فوحقك لنكونن إذا من الخاسرين لأنفسنا وللسعادة والفلاح بتزكيتها، وإنما ينال الفوز والفلاح بمغفرتك ورحمتك من يتوب إليك ويتبع سبيلك، دون من يصر على ذنبه ويحتج على ربه كالشيطان الرجيم. الذي أبى واستكبر، واحتج لنفسه على المعصية وأصر.
هذا ما يدل عليه المقام وتقتضيه الحال من معنى كلمات آدم التي تلقاها من ربه، وهي التي أشير إليها في سورة البقرة:
{ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37] قالها خاشعا متضرعا وتبعته زوجه بها، فحذفهما لمفعول {تغفر} - إذ لم يقولا: وإن لم تغفر لنا ذنبنا هذا أو ظلمنا - يدل على أنهما قد علقا النجاة من الخسران على المغفرة العامة المطلقة التي تشمل هذا الذنب وغيره، من كل ذنب يتوب الإنسان عنه ويرجع إلى ربه، وهو الذي يقتضيه مقام بيان حال الفطرة البشرية المبين في آيات أخرى كآية الأحزاب في حمل الإنسان للأمانة، وكونه كان بذلك ظلوما جهولا، وآية المعارج: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين } [المعارج: 19 - 22] إلخ ويؤيده أن هذا الذنب بعينه قد عوقبا عليه بالإخراج من الجنة وبالتشهير الدائم بإعلامه تعالى ذريتهما به، وهاك ما أجابهما الرب تعالى به، إذ المقام مقام السؤال عنه:
{قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو} الخطاب لآدم وحواء عليهما السلام، وللشيطان عليه اللعنة والملام، أي اهبطوا من هذه الجنة أو من هذه المكانة - على ما تقدم مثله في قصة إبليس - بعضكم وهو الشيطان، عدو لبعض وهو الإنسان، وأما الإنسان فليس عدوا للشيطان، لأنه ليس مندفعا إلى إغوائه وإيذائه، وإنما يجب عليه أن يتخذه عدوا بألا يغفل عن عداوته له ولا يأمن وسوسته وإغواءه، كما قال تعالى:
{ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [فاطر: 6] وقيل: إن الخطاب لهما بالذات ولذريتهما بالتبع وفيه خطاب المعدوم - وقيل: هو خطاب لهما فقط بدليل قوله في سورة طه: { قال اهبطا منها } [طه: 123] إلخ. وفي هذه التثنية قولان للمفسرين: أحدهما أنها لآدم وحواء. والثاني أنها لآدم وإبليس، وحواء تبع لآدم، وهذا أقوى لأنه جعل بعض المخاطبين عدوا لبعض، وإنما العداوة بين الإنسان والشيطان، لا بين المرء وزوجه التي خلقت ليسكن إليها وتكون بينهما المودة والرحمة، فعجبا لمن غفل عن هذا!
ويحتمل أن تكون التثنية للفريقين، فريقي الإنسان والشيطان. والمتبادر أن هذا الإخراج من ذلك النعيم عقاب على تلك المعصية، وتأويل لكونها ظلما منهما لأنفسهما، وهو من نوع العقاب الذي قضت سنته تعالى في طبيعة الخلق أن يكون أثرا طبيعيا للعمل السيئ، مترتبا عليه ترتب المسبب على السبب. وأما النوع الآخر من العقاب عليه من حيث هو عصيان للرب تعالى الذي يكون في الآخرة، فقد غفره تعالى لهما بالتوبة التي ذهبت بأثره من النفس وجعلتها محلا لاصطفائه تعالى كما قال في سورة طه:
{ وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } [طه: 121، 122].
{ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} أي ولكم في الأرض استقرار أو مكان تستقرون فيه، ومتاع تنتفعون به في معيشتكم إلى حين، أي زمن مقدر في علم الله تعالى، وهو الأجل الذي تنتهي فيه أعماركم وتقوم به قيامتكم، والمستقر يطلق مصدرا بمعنى الاستقرار واسم مكان منه، والمتاع ما ينتفع به، وهذا المستقر والمتاع هنا بمعنى قوله تعالى في أول هذا السياق: {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش} فهو تعالى يذكرنا فيما خاطب به آخرنا على لسان آخر رسله وخاتمهم صلى الله عليه وسلم بما قاله لأولنا.
ثم بين تعالى هذا القول المجمل بما هو جدير أن يفكر فيه ويسأل عنه فاستأنفه كسابقه وهو {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} أي في هذه الأرض التي خلقتم منها تحيون مدة العمر المقدر لكل منكم ولمجموع نوعكم - أو نوعيكم على أن إبليس داخل في الخطاب، وفيه دليل على أنه لا يبقى إلى يوم البعث، وفيها تموتون عند انتهائه، ومنها تخرجون بعد موت الجميع وعندما يريد الخالق أن يبعثكم يوم القيامة للنشأة الآخرة، كما قال في سورة طه:
{ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } [طه: 55] وهي تشبه النشأة الأولى إذ قال: { كما بدأكم تعودون } [الأعراف: 29] وقال مذكرا بها: { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } [الواقعة: 60 - 62].
مغزى القصة والعبرة فيها
قد بينا من قبل أن الله قص علينا خبر نشأتنا الأولى، بما يبين لنا سنته تعالى في فطرتنا وما يجب علينا من شكره وطاعته في تزكيتها وتهذيب غرائزها، وملخص هذه الآيات فيها مع ما يفسرها ويوضحها من السور الأخرى: أن الله تعالى خلق الإنسان ليكون خليفة له في الأرض، وجعله مستعدا لعلم كل شيء فيها، ولتسخير جميع ما فيها من القوة والمادة لمنافعه ليكون في ذلك مظهرا لأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وتعلقها بتدبير خلقه ومعاملتهم في الآخرة والأولى
وأنه كان في نشأته الأولى في جنة من النعيم وراحة البال، وأنه لاستعداده للأمور المتضادة، التي يكون بها مظهرا للصفات المتقابلة، كالضار والنافع، والمنتقم والغافر، كانت نفسه مستعدة للتأثير بالأرواح الملكية التي تجذبها إلى الحق والخير، وبالأرواح الشيطانية التي تجذبها إلى الباطل والشر، وأن عاقبة التأثر الأول سعادة الدارين بما تقبله طبيعة كل منهما، وعاقبة الثاني شقاء الدارين بقدر ما يوجد من أسباب الشقاء فيهما، ويحتاج البشر في ذلك إلى هداية الوحي الإلهي الهادية إلى اتقاء الأول والتعرض للآخر، وهو ما بينه تعالى في سورة طه بقوله:
{ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } [طه: 123 - 126] ونحوه ما تقدم في سورة البقرة، فهذا أثر الدين في الحفظ من شقاء الدنيا وهلاك الآخرة، وكتاب الله حجة على من لا يصدق عليهم ذلك في حالهم، ومن يفسرونه بما يخالف ذلك بأقوالهم.
وقد تقدم في تفسير القصة من سورة البقرة أن بعضهم جعلها تمثيلا لبيان هذه السنن والنواميس في فطرة البشر والشياطين، على أن يكون المراد بآدم نوع الإنسان الذي هو أصله، كما تسمي العرب القبيلة باسم أصلها وجدها الأشهر فنقول فعلت قريش كذا وكذا، وقالت تميم: كيت وكيت، وتكون الجنة عبارة عن نعمة الحياة،
والشجرة عبارة عن الغريزة التي تثمر المعصية والمخالفة، كما مثل كلمتي الكفر والإيمان بالشجرة الخبيثة والشجرة الطيبة، ويكون الأمر بالخروج من الجنة أمر قدر وتكوين، لا أمر تشريع وتكليف، وقد شرح الأستاذ الإمام هذا التأويل شرحا بليغا يراجع هنالك، والغرض المقصود منه لا يتوقف عليه وإنما هو أقرب إلى أذهان من يعسر إقناعهم بظواهر النصوص ولا تطمئن قلوبهم إلا بمثل هذا الضرب من البيان.
هذا ملخص مضمون القصة أو ملخص بقيتها، وأما ملخص ما فيها من العبرة فهو أنه ينبغي لنا أن نعرف أنفسنا بغرائزها واستعدادها للكمال، وما يعرض لها دونه من الموانع فيصرفها عنه إلى النقائص، وأن أنفع ما يعيننا على تربيتها عهد الله إلينا بأن نعبده وحده، وألا نعبد معه الشيطان ولا غيره، وأن نذكره ولا ننساه فننسى أنفسنا، ونغفل عن تزكيتها، وصقلها بصقال التوبة كلما عرض لها من وسواس الشيطان ما يلوثها، فإنه إن يترك صار صدأ وطبعا مفسدا لها، وما أفسد أنفس البشر ودساها إلا غفلة عقولهم وبصائرهم عنها، وتركها كالريشة في مهاب أهواء الشهوات، ووساوس شياطين الضلالات، فعلى العاقل أن يعرف قيمتها، ويحرص عليها أشد من حرصه على ما عساه يملك من نفائس الجواهر، وأعلاق الذخائر، فإن حرصه على مثل هذا إنما يكون لأجلها، وهو يبذله عند الضرورة في أحقر ما لا بد لها منه. وذلك بأن يطلب لها أقصى ما تسمو إليه همته من الكمال، ويحاسبها كل يوم مرة أو أكثر على ما بذلت من السعي لذلك، وعلى مكافحة ما يصدها عنه من الأهواء والوساوس، وينصب الميزان القسط لما يشتبه عليها من الآراء والخواطر، ليعرف كنه الحق والخير فيلتزمهما، وأضدادهما من الشر والباطل فيجتنبهما. وليتدبر ما قفى به الكتاب العزيز على القصة من الوصايا في الآيات الآتية.
الإشكالات في القصة:
قد أكثر المفسرون المتكلمون في هذه القصة من استخراج الإشكالات، والجواب عنها بأنواع من التمحلات، وهي مبنية على ما جروا عليه من أن آدم كان نبيا ورسولا، وأن الرسل معصومون من معاصي الله تعالى، فكيف وسوس له الشيطان فأغواه؟ وكيف أقسم له فصدقه فيما يخالف خبر الله؟ وكيف أطمعه في أن يكون ملكا أو خالدا فطمع وهو يستلزم إنكار البعث؟ وإذا كان لم يصدقه فكيف أطاعه؟ وهل الأمر له بالأكل من الجنة أمر وجوب أم إباحة؟ وهل النهي عن الشجرة للتحريم أو الكراهة - إلخ. ما هنالك حتى زعم بعضهم أن معصيته كانت صورية.
وزعم بعض الصوفية أن حقيقة هذه المسألة لا تعرف إلا بالكشف أو إلا في الآخرة. ولا يرد على ما أوردناه شيء من ذلك - فأما على جعل التأويل من باب التمثيل، وجعل الأمر والنهي للتكوين لا للتكليف، فالأمر ظاهر. وأما على الوجه الأول فما جليناه فيه يقربه من الوجه الآخر. وآدم لم يكن نبيا رسولا عند بدء خلقه اتفاقا، ولا موضع للرسالة في ذلك الطور، والظاهر من الآيات الواردة في الرسل ومن بعض الأحاديث الصحيحة أنه لم يكن رسولا مطلقا، وأن أول الرسل نوح عليه وعليهم السلام وعصمة الأنبياء من كل معصية قبل النبوة لم ينقل إلا عن بعض الروافض. ولا يظهر دليل العصمة ولا حكمتها فيه؛ إذ لم يكن هنالك أحد يخاف من سوء الأسوة عليه.
هذا ما ألهمه تعالى من بيان معاني هذه الآيات بما يدل عليه الأسلوب العربي مع مراعاة سنن الله تعالى في الخليقة، وما ترشد إليه الآيات الأخرى في القصة وما يناسبها. ولم ندخل فيه شيئا من تلك الروايات المأثورة، والآراء المشهورة، التي لا دليل عليها من قول الله ولا قول رسوله، ولا من سننه تعالى في خلقه؛ إذ كل ما ورد في ذلك أو جله من الإسرائيليات التي لا يوثق بها، وقد فتن كثير من المفسرين بنقلها، كقصة الحية ودخول إبليس فيها وما جرى بينها وبين حواء من الحوار.
كلمة في الإسرائيليات الواردة في قصة آدم وغيرها
ومن أراد الإسرائيليات فليرجع إلى المتفق عليه عند أهل الكتاب؛ ليعلم الفرق بين ما عندنا وما عندهم - بأن يراجع هنا سائر ما ورد في القصة بعد الذي نشرناه منها - في سفر التكوين دون غيره مما لا يعرف له أصل عندهم وهو في الفصل الثالث منه. وملخصه: أن الحية كانت أحيل حيوان البرية، وأنها قالت لحواء إنها هي وزوجها لا يموتان إذا أكلا من الشجرة كما قال لهما الرب، بل يصيران كآلهة يعرفان الخير والشر، وأن حواء رأت أن الشجرة طيبة الأكل بهجة المنظر منية للنفس، فأكلت منها وأطعمت زوجها فأكل، فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان فخاطا لأنفسهما مآزر من ورق التين " فسمعا صوت الرب الإله وهو متمش في الجنة " فاختبآ من وجهه بين الشجر. فنادى الرب آدم، فاعتذر بتواريه عنه لأنه عريان، فسأله من أعلمه أنه عريان وهل أكل من الشجرة؟ فاعتذر بأن امرأته أطعمته. وسأل الرب المرأة فاعتذرت بإغواء الحية لها
" 14 فقال الرب الإله للحية: إذ صنعت هذا فأنت ملعونة من بين جميع البهائم وجميع وحوش البرية، على صدرك تمشين وترابا تأكلين طول أيام حياتك 15 وأجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها فهو يسحق رأسك وأنت ترصدين عقبه " وقال للمرأة إنه يكثر مشقات حملها وآلام ولادتها وأنها تنقاد إلى بعلها وهو يسودها. وقال لآدم إن الأرض ملعونة بسببه، وأنه بمشقة يأكل طول أيام حياته ويعرق وجهه يأكل خبزا حتى يعود إلى التراب الذي أخذ منه.
ثم قال الرب " 22 هو ذا آدم قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر. والآن لعله يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل فيحيا إلى الدهر 3 فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليحرث الأرض التي أخذ منها " اهـ. وفي هذه القصة من الإشكالات ما ترى وليس فيما ورد في القرآن شيء مشكل فيها. وقد صرح النصارى منهم بأن إبليس دخل في الحية وتوسل بها إلى إغواء حواء، ونقل عنهم المسلمون ما نقلوا في ذلك، ونحن لا نعتد بما يخالف ما في القرآن وصحيح ما في السنة من ذلك.
إذا علمت هذا فلا يغرنك شيء مما روي في التفسير المأثور في تفصيل هذه القصة فأكثره لا يصح، وهو أيضا مأخوذ من تلك الإسرائيليات المأخوذة عن زنادقة اليهود الذين دخلوا في الإسلام للكيد له، وكذا الذين لم يدخلوا فيه.
كان الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره عنده هذه الإسرائيليات من غير بيان، فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لا بد أن يكون له أصل مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعرف بالرأي. فيعدونه من الموقوف الذي له حكم المرفوع. حتى روي أن ابن عباس رضي الله عنه كتب إلى بعض أحبار اليهود يسأله عن بعض ما ورد في القرآن ليعلم ما عندهم من العلم فيه. وكان بعض المسلمين يصدقونهم فيما لا يخالف كلام الله ورسوله. وينقلون رواياتهم وإن خالفت. فصار يعسر تمييز المخالف من الموافق إلا على أساطين العلماء الواسعي الاطلاع على السنة، الذين يفهمونها ويفهمون القرآن حق الفهم. وكلما قل هؤلاء في الأمة كثر الذين يأخذون كل ما ذكر في كتب التفسير والتاريخ والمواعظ من الإسرائيليات بالتسليم، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ذلك بأنهم قد حرفوا. وزادوا ونقصوا. كما قال الله تعالى فيهم إنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ونسوا حظا مما ذكروا به، فلا نصدق رواياتهم لئلا تكون مما حرفوه أو زادوه، ولا نكذبها لئلا تكون مما أوتوه فحفظوه، إلا أن تكون مخالفة لما صح عندنا،
وقد أكثر الرواة من التابعين ومن بعدهم من الرواية عن زنادقتهم، ويقل في صحيح المأثور عن الصحابة ما هو من الإسرائيليات وإن روى بعضهم عن كعب الأحبار كأبي هريرة رضي الله عنه الذي تروى أكثر أحاديثه عنعنة وأقلها ما يصرح فيه بالسماع وكذا ابن عباس رضي الله عنه.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب في فن التفسير نقل عنه السيوطي في الإتقان بحثا طويلا في المفسرين واختلافهم في التفسير، وقال إنه نفيس جدا. ومنه فصل فيما لا يعلم إلا من طريق النقل وهو قسمان: ما يمكن معرفة الصحيح فيه من غيره، وما لا يمكن - وهو الذي تدخل فيه الإسرائيليات - وقد قال فيه ما نصه: -
" فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل، وما لا بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب {أي كعب الأحبار ووهب بن منبه وهما من خيارهم عند الرواة ومعظم الخرافات والأكاذيب نقلت عنهما} وقف عن تصديقه وتكذيبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:
"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض،
وما نقل من ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى؛ ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟ وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثير ولله الحمد. وإن قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل، التفسير والملاحم والمغازي، وذلك لأن الغالب عليها المراسيل " اهـ