التفاسير

< >
عرض

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٣
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ
٣٤
-الأعراف

تفسير المنار

هذه الآية الثالثة مما قفى به على النداء الثالث لبني آدم، ووجه وصلها بما قبلها أنه تعالى قد بين في الثانية مجامع المحرمات على بني آدم، وهي أصول المفاسد والمضار الشخصية والاجتماعية، في إثر إباحة أصول المنافع من الزينة والطيبات النافعة لهم، أو إيجابها بشرط عدم الإسراف فيها - وسبق هذه وتلك ما قفى به على النداء الثاني من بيان أصل الأصول لما أمر الله تعالى به عباده على ألسنة رسله، وهو القسط والعدل في الآداب والأعمال، وعبادة الله وحده بالإخلاص له في الدين وعقيدة البعث - ولما وصل ما هنالك بقسم الناس إلى فريقين مهتدين وضالين - وصل ما هنا ببيان عاقبة الأمم في قبول هذه الأصول أو ردها، والاستقامة على طريقتها بعد القبول أو الزيغ عنها، فقال عز وجل:
{ولكل أمة أجل} هذا معطوف على مقول القول في الآية السابقة، أي قل أيها الرسول: {إنما حرم ربي الفواحش} إلخ دون ما حرمتم من النعم والمنافع بأهوائكم وجهالاتكم - وقل: {ولكل أمة أجل} أي أمد مضروب لحياتها، مقدر فيما وضع الخالق سبحانه من السنن لوجودها، وهو على نوعين: أحدهما: أجل من يبعث الله فيهم رسلا لهدايتهم فيردون دعوتهم كبرا وعنادا في الجحود، ويقترحون عليهم الآيات فيعطونها مع إنذارهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا بها فيكذبون فيهلكون، وبهذا هلك أقوام نوح وعاد وثمود وفرعون وإخوان لوط وغيرهم.
وهذا النوع من الهلاك كان خاصا بأقوام الرسل أولي الدعوة الخاصة لأقوامهم، وقد انتهى ببعثة صاحب الدعوة العامة خاتم النبيين المخاطب بقوله تعالى:
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107] لكن انتهاءه عند الله لا يمنع جعله إنذارا لقومه خاصة بهلاكهم إن أعطوا ما اقترحوه من الآيات إرضاء لعنادهم، ليعلم أهل البصيرة بعد ذلك أن منعهم إياه إنما كان رحمة بهم وبغيرهم.
وقد مضت سنة الله في الأمم أن الجاحدين الذين يقترحون الآيات لا يؤمنون بها، ولأجل هذا لم يعط الله تعالى رسوله شيئا مما كانوا يقترحونه عليه منها، كما تقدم بيانه في سورة الأنعام وتفسيرها، وهذا الأجل لم يكن يعلمه أحد إلا بعد أن يبينه تعالى على ألسنة الرسل.
والنوع الثاني: الأجل المقدر لحياة الأمم سعيدة عزيزة بالاستقلال، التي تنتهي بالشقاء والمهانة أو الاستعباد والاستذلال، إن لم تنته بالفناء والزوال، وهذا النوع منوط بسنن الله تعالى في الاجتماع البشري والعمران، وأسبابه محصورة في مخالفة هدي الآيات التي قبل هذه الآية، بالإسراف في الزينة والتمتع بالطيبات، وباقتراف الفواحش والآثام والبغي على الناس، وبخرافات الشرك والوثنية التي ما أنزل بها من سلطان، وبالكذب على الله بإرهاق الأمة بما لم يشرعه لها من الأحكام، تحكما من رؤساء الدين عن تقليد أو اجتهاد. وذلك قوله تعالى:
{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الرعد: 11].
فما من أمة من الأمم العزيزة السعيدة، ارتكبت هذه الضلالات والمفاسد المبيدة، إلا سلبها الله سعادتها وعزها، وسلط عليها من استذلها وسلب ملكها
{ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } [هود: 102]. وأمامنا تاريخ اليهود والرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم، منهم من سلب ملكه كله، ومنهم من سلب بعضه أو أكثره، ومن لم يرجع إلى رشده، فإنه يسلب ما بقي له منه.
وهذا النوع من آجال الأمم - وإن عرفت أسبابه وسننه - لا يمكن لأحد أن يحدده بالسنين والأيام، وهو محدد في علم الله تعالى بالساعات، ولذلك قال: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} الساعة: في اللغة عبارة عن أقل مدة من الزمن، والساعة الفلكية اصطلاح، وهي جزء من 24 جزء من مجموع الليل والنهار. أي فإذا جاء أجل كل أمة كان عقابهم فيه لا يتأخرون عنه أقل تأخر، كما أنهم لا يتقدمون عنه إذا لم يجيء، أو لا يملكون طلب تأخيره كما أنهم لا يملكون طلب تقديمه، وقد قالوا: إن " استقدم " ورد بمعنى قدم وأقدم وتقدم كما ورد " استجاب " بمعنى أجاب، ومثله " استأخر "،
ولا يمنع هذا كون الأصل في السين والتاء للطلب أو مظنة للطلب، والطلب قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل،
فمن أتى سبب الشيء كان طالبا له بالفعل، وإن كان غافلا عن استتباعه له، فالأمة التي ترتكب أسباب الهلاك تكون طالبة له بلسان حالها واستعدادها ولابد أن يأتيها؛ لأن هذا الطلب هو الذي لا يرد. ومفهوم الشرط هنا أن الأمة قد تملك طلب تأخير الهلاك قبل مجيء أجله، أي قبل أن تغلبها على نفسها وعلى إرادتها أسباب الهلاك، ذلك بأن تترك الفواحش والآثام، والظلم والبغي، والفساد في الأرض، والإسراف في الترف المفسد للأخلاق، وخرافات الشرك المفسدة للعقول والأعمال، وكذا التكاليف التقليدية بتكثير ما ابتدع من العبادات والمحرمات، التي لم يخاطب الرب بها العباد. والمراد: أن يكون الغالب على الأمة الصلاح لإصلاح جميع الأفراد.
فإن قيل: إنه قد جاء معنى هذه الآية بالجزم، وغير مشروط بهذا الشرط، في قوله تعالى من سورة الحجر:
{ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } [الحجر: 4، 5] قلنا: إن امتناع السبق والتأخر أو طلبه والسعي له هنا إنما هو بالنسبة إلى ما علمه الله تعالى وأثبته في كتاب مقادير العالم، فإن علمه تعالى لا يتغير، وسننه لا تتبدل ولا تتحول، ولذلك يمتنع التأخير أو طلبه من طريق أسبابه إذا جاء الأجل بالفعل،
ولهذا أمثلة كثيرة في الحسن، منها ما يمكن ضبطه بالتحديد، ومنها ما يعلم بالتقريب. كقوة الحرارة وتأثيرها في الأجسام. وقوة المواد الضاغطة وما يترتب عليها من الانفجار، كل منهما يضبط بحساب معلوم. ومنها مقدار الماء الذي يمسك وراء السدود كخزان أسوان. فقوة السد ومقادير الماء وقوة ضغطه مقدرة بحساب. وكذا الماء والوقود الذي تسير به مراكب البر والبحر. والغاز المحرك للطيارات والمناطيد في الجو، يمكن العلم بما تحتاج إليه كل مسافة منه، والجزم بوقوف هذه المراكب بعد نفاده في الوقت المقدر له،
وكل عمل منظم بعلم صحيح، يأتي فيه مثل هذا التقدير، ويكون ضبطه وتحديده بقدر إحاطة العلم به، مثل درجات الحرارة والرطوبة وسنن الضغط والجذب، ككون جاذبية الثقل على نسبة مربع البعد. ومما يكون التقدير فيه بالتقريب، فيخطئ فيه المقدر ويصيب، تقدير سير الأمراض المعروفة كالسل الرئوي، فإن له درجات يسرع قطع المسلول لها ويبطئ بقدر قوة المناعة والمقاومة في جسمه وطرق المعالجة والتغذية والرياضة وما يتعلق بها من جودة الهواء وأشعة الشمس. وكم من مرض اتفق الأطباء على إمكان الشفاء منه قبل وصوله إلى الدرجة التي لا تنفع معها المعالجة وهم مصيبون في ذلك، كالسرطان الذي يمكن استئصاله بعملية جراحية في وقت قريب ويتعذر في آخر.
وكذلك شأن الأمم، قد يبلغ فيها الفساد درجة تستعصي فيها معالجته على أطباء الاجتماع، ولكنها إذا تنبهت قبل انتشار الفساد فيها، وتبريحه بزعمائها ودهمائها، فقد يمكن أن يظهر فيها من أفراد المصلحين أو جماعاتهم من ينقذها فيرشدها إلى تغيير ما بأنفسها من الفساد فيغير الله ما بها، وهو من استئخار الهلاك أو منعه عنها قبل مجيء أجلها.
وقد سبق حكيمنا العربي ابن خلدون إلى الكلام في آجال الأمم وأعمال الدول، وبيان ما يعرض لها من الهرم، وكونه إذا وقع لا يرتفع، فأصاب في بعض قوله وأخطأ في بعض، ومما أخطأ فيه جعله عمر الدولة ثلاثة أجيال أي 120 سنة كالأجل الطبيعي للأفراد على تقدير بعض متقدمي الأطباء. ولو قال: عمر الدولة ثلاثة أيام من أيام الله. طفولية، وبلوغ أشد ورشد، وشيخوخة وهرم. ولم يقدرها بالسنين لسدد وقارب.
فإن قيل: إن ما ذكرت من أسباب هلاك الأمم بالظلم والفساد والانغماس في حمأة الرذائل والفسق قد بلغ من أمم أوربة مبلغا عظيما، فما بالها تزداد قوة وعزة وعظمة. حتى صارت الأمم المغلوبة على أمرها، ولا سيما المستذلة لها، تعتقد أن تقليدها في مدنيتها المادية وحرية الفسق المطلقة من كل قيد - إلا تعدي الفرد على حرية غيره - هو الذي يجعلها عزيزة سعيدة مثلها.
قلنا: إن تأثير الفسق والفساد في الأمم يشبه تأثيره في الأفراد، ومثله ما ذكرنا آنفا من اختلاف الأبدان والأمزجة في احتمال الأمراض، واختلاف وسائل المعيشة والعلاج، فأطباء الأبدان مجمعون على مضار السكر الكثيرة وكونها سببا للأمراض البدنية والعقلية المفضية إلى الموت، وإننا نعلم أن تأثيرها في البدن القوي دون تأثيرها في البدن الضعيف، فإن القليل منها يبطئ تأثير ضرره عن تأثير الكثير، وأن بعضها أضر من بعض،
وأطباء الاجتماع مجمعون على أن الإسراف في الفسق والترف مفسد للأمم، وأن الظلم والبغي بغير الحق، والغلو في المطامع والعلو في الأرض، والتنازع على الاستعمال، كل ذلك من أسباب الهلاك والدمار، ولكن لدى هذه الدول كثيرا من القوى المعنوية والمادية التي تقاوم بها سرعة تأثير هذه الأدواء الاجتماعية، كالأدوية وطرق الوقاية التي تقاوم بها سرعة تأثير هذه الأمراض الجسدية، والرياضة الشاقة التي يتقى بها إضعاف الترف للأبدان.
وأعظم هذه القوى الواقية للأمم النظام ومراعاة سنن الاجتماع حتى في نفس الظلم، وفي إخفائه عمن يضر الظالمين علمهم به ولو من أقوامهم، وإتقان الوسائل والأسباب في إلباس ظلمهم لباس العدل، وجعل باطلهم عين الحق، وإبراز إفسادهم في صورة الإصلاح، وإيجاد أنصار لهم عليه من المظلومين، بل إقناع الكثيرين منهم، بأن سيادتهم عليهم خير لهم من سيادتهم لأنفسهم، وغير ذلك مما لا محل لشرحه هنا، وما أحسن قول الشاعر المصري في تفريقه بين ما كان من الظلم الوطني وما هو كائن من الظلم الأجنبي في مصر وأمثالها.

لقد كان هذا الظلم فوضى فهذبت حواشيه حتى صار ظلما منظما

وقد قلت للأستاذ الإمام مرة: ما بال باطل هؤلاء الإفرنج في شئونهم السياسية والدينية ثابتا ناميا لا يدمغه الحق؟ - أو ما هذا معناه - فقال: إنه ثابت بالتبع للنظام الذي هو أقوى الحق، أي فهو يزول إذا قذف عليه بحق مؤيد بنظام مثله أو خير منه، فهذا ما ينبغي أن يعمل له المستعبدون لهم في الشرق، مع مباراتهم في العلوم والفنون دون الترف والفسق.
بيد أن هذا كله لا يمنع انتقام الله منهم، وإنما يجري على مقتضى سننه في تأخيره عنهم، فهو مثل من أمثال استئخار العذاب بأسباب تأخير الأجل، وليس من أسباب منعه. فإنما منعه بالرجوع إلى الحق والعدل والاعتدال، والصلاح والإصلاح. وإن حكماءهم وعلماءهم يعلمون ذلك وقد نقلنا بعض أقوالهم في المنار، ومنها قول بعضهم لنا في مدينة {جنيف - سويسرة} إن كثيرا من العقلاء يتوقعون قرب هلاك أوربة في حرب عاجلة شر من الحرب الأخيرة التي فقدت بها ألوف الألوف من قتلى المعارك، ومثلهم ما بين قتيل مرض أو مخمصة، ومشوه أضحى عالة على الوطن. وإنهم يرجحون ألا يعدو هلاكها هذا الجيل. ومنها ما قاله أحد ضباط الإنكليز في أثناء الحرب من حديث دار بينهم في عمر الإمبراطورية البريطانية، وهو أنه قد دب إليها الفساد الذي ذهب بإمبراطورية الرومان، وأنهم يقدرون أنها قد تعيش ثمانين عاما.
وقد كنت منذ أيام أتحدث مع بعض أذكياء اليهود في مفاسد الفرنسيس وقلة نسلهم. فقلت له: إنني أظن أن أجلهم لا يتجاوز هذا الجيل. فقال: إنهم يقدرون لأنفسهم جيلين اثنين. كل هذه التقديرات من الرجم بالغيب. وإنما الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل العلم، أو الإلمام بعلم الاجتماع وسنن العمران لا في الغرب ولا في الشرق، هو أن إسراف شعوب أوربة في الفسق، وإصرار حكوماتها على سياسة الإفراط في الطمع والمكر، والتلبيس والتنازع على الاستعمار والعلو في الأرض، وتأييد الأفراد من أصحاب المال، على الجماهير من العمال - كل ذلك من دود الفساد المفضي إلى الهلاك.
وليراجع من شاء ما دار بيني وبين ذلك السياسي السويسي في هذا الموضوع من رحلتي الأوربية في المنار (ج 8 م 23).
على أن الحرب الأخيرة قد ثلت عرش قياصرة الروس والنمسة، ومزقت ممالكهما كل ممزق، كما مزقت سلطنة آل عثمان فجعلتها في خبر كان. وأسقطت عرش عاهل الألمان، وصارت دولتهم جمهورية، وثلت عروش ملوك آخرين، وما بقي من الدول والأمم في أوربة لم يتعظوا ولم يزدجروا، ولكل أمة أجل.
فإن قيل: إذا كان علماء الاجتماع والأخلاق وفلاسفة التاريخ من هؤلاء الأقوام يعلمون أنه قد دب إليهم داء الأمم الذي هلك به من قبلهم وينذرونهم ذلك، فكيف لا يتعظون ولا يتوبون من ذنبهم، ولا يثوبون إلى رشدهم؟.
قلنا: إن أمرنا في ذلك أعجب من أمرهم، فقد أنذرنا ربنا في كتابه مثل هذا في أمر دنيانا وآخرتنا جميعا، ولكلام الله تعالى من السلطان على قلوب المؤمنين، ما ليس لكلام العلماء عند الماديين، فمنا ومنهم من لا يسمع النذر، ومن لا يعقلها إذا سمعها
{ ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } [الأنفال: 23] ومن يتمارون بها أو يتأولونها، ومن تغرهم أنفسهم بأنهم يتقونها، فتعدوهم أو يعدونها، ومن يجهلون علاج العلة أو يعجزون عنه، ومتى أزمن الداء بطل فعل الدواء، وإذا تمكنت الأهواء في الأنفس وصارت ملكات لها، ملكت عليها أمرها، وغلبتها على اختيارها، وهذا مشاهد في الأفراد والأمم أولى به منها. فإنك ترى بعض الأطباء يسكرون وهم على يقين من ضرر السكر، ولكن داعيته أرجح في النفس من وازع العقل والفكر. عذرت طبيبا على الشرب مذكرا له بما يعلم من ضره - فقال لأن أعيش عشرا بلذة آثر عندي من أن أعيش عشرين محروما منها. فقلت: لو كان هذا مضمونا لك، لجاز أن يقبل منك، ولكن علمكم يقتضي خلافه. فما يدريك لعل الخمر تحدث لك من الأسقام ما تعيش به العشرين في أشد الآلام؟ فسكت. وقد ابتلي بالصرع وغيره ولكنه لم يتب.
وها نحن أولاء قد كنا بهداية ديننا أمة عزيزة قوية متحدة، فمزقتنا الأهواء فضعفنا ثم ساعد الزمان بعض شعوبنا فاعتزت وعلت ثم انخفضت وضعفت، وقد قام منا من ينذرنا ويذكرنا بآيات ربنا ويدعونا بها إلى ما يحيينا فأعرض أمراؤنا وعلماؤنا ومن ورائهم دهماؤنا
{ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر } [القمر: 4، 5] { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } [يونس: 101].
هذا - وقد بحث المفسرون هنا في آجال الأفراد وما يتعلق بها، ولا شك في أن لكل فرد أجلا في علم الله وفي تقديره
{ ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } [الأنعام: 2] فأما الذي في علمه تعالى فلا يتغير، ولا يقتضي هذا نفي الأسباب والمسببات، ولا كون الناس مجبورين لا اختيار لهم في أمور الحياة والممات، فإن كلا من هذين حق ثابت بالحس والضرورة وبالوحي جميعا والحق الواقع مثال ومصداق لما في العلم وليس العلم فاعلا فيه وإنما هو كاشف له.
وأما الأجل المقدر بمقتضى نظام الخلق فهو الذي يعبر عنه علماء الدنيا بالعمر الطبيعي وهو مائة سنة في متوسط تقدير أطباء عصرنا. وهم يقدرون لكل فرد عمرا بعد الفحص عن قوة جسمه وأعضائه الرئيسة ووظائفها، ويشترط في صحة التقدير أن يعيش بنظام واعتدال وتقوى، فإذا أخل بذلك اختل التقدير وبعد عن الحقيقة الثابتة في علم الله تعالى وإلا كان قريبا منها بحسب ما علم من سننه تعالى. ومن قتل أو غرق مثلا قبل انتهاء العمر المقدر له يقال إنه مات قبل انتهاء عمره الطبيعي أو التقديري. ولكن بأجله الحقيقي عند الله تعالى. وكل ما ورد في نقص العمر وإطالته والإنساء فيه بالأسباب العملية والنفسية كصلة الرحم والدعاء فإنما هو بالنسبة إلى الأجل التقديري أو الطبيعي الذي هو عبارة عن مظهر سنن الله في الأسباب والمسببات، فإن صلة الرحم من أهم أسباب هناء المعيشة، وهناء المعيشة من أهم أسباب طول العمر. وكذلك الدعاء الذي منشؤه قوة الإيمان بالله والرجاء في معونته وتوفيقه للمؤمن فيما يضعف عنه أو يعجز عن أسبابه، ومن الأمور الثابتة بالتجارب المطردة أن الهموم والأكدار ولا سيما الداخلي منها كقطيعة الأرحام، واليأس من روح الله القادر على كل شيء عند تقطع الأسباب، يضعفان قوى النفس الحيوية ويهرمان الجسم قبل إبان الهرم كما قال الشاعر:

والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية الصبي ويهرم

وللهموم أسباب كثيرة تدخل في هذا الباب، ومثلها في تقصير العمر الطبيعي قلة الغذاء الذي يحتاج إليه البدن والإسراف فيه وفي كل لذة. وكذا في الراحة والتعب وكثرة التعرض للنجاسة والسكنى في الأمكنة القذرة التي لا تصيبها الشمس ولا يتخللها الهواء بالقدر الذي يكفي لامتصاص الرطوبات وقتل جراثيم الفساد فيها، والأمم العليمة بالسنن الإلهية في الصحة والسقم والقوة والضعف تحصي دائما عدد المرضى والموتى فيها، وتضع لها نسبا حسابية تعرف بها متوسط الآجال في كل منها، وقد ثبت بها ثبوتا قطعيا أن من أسباب قلة الوفيات تحسين وسائل المعيشة والاعتدال فيها، والتوقي من الأمراض باجتناب أسبابها المعروفة قبل وقوعها بقدر الإمكان ومعالجتها بعد طروئها كذلك.
وكل ما ثبت ووقع فهو دليل على أن العلم الإلهي قد سبق به، ولا شيء مما ثبت في الواقع بناقض لشيء مما ورد في نص كتاب ربنا تعالى وما صح من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم بل هو موافق له، وهذا من حجج كون هذا الدين من علم الله تعالى؛ إذ لا يمكن لبشر أن يقرر هذه المسائل الكثيرة في العلوم المختلفة على وجه الصواب الذي لا يزيده ترقي علوم البشر وتجاربها إلا تأكيدا، وناهيك بما جاء على لسان نبي أمي نشأ بين الأميين، وسنعود إلى مثل هذا البحث في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن العطف في قوله تعالى: {ولا يستقدمون} مستأنف لبيان ما تتم به الفائدة وإلا وجب أن يكون معطوفا على الجملة الشرطية لا الجزائية فيكون حاصل المعنى: ولكل أمة أجل لا يتأخرون عنه إذا جاء، وهم لا يتقدمون عليه أيضا بأن يهلكوا قبل مجيئه. ولا يظهر معنى لعطفه على {لا يستأخرون} الذي هو جزاء قوله: {فإذا جاء أجلهم} إلا بتكلف، والمعنى على هذا موافق لقوله تعالى:
{ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } [المؤمنون: 43] وأما حكمة العدول عن الترتيب الطبيعي هنا فهي إفادة أن تأخير الأجل أو تأخير الهلاك قبل حلول أجله ممكن للأمة التي تعرف أسبابه وتملك العمل بها، كترك الظلم والبغي والفجور إلى أضدادها وهو يتضح بما ضربنا لها من الأمثال آنفا.