التفاسير

< >
عرض

وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ
٤٤
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ
٤٥
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ
٤٦
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٤٧
-الأعراف

تفسير المنار

بعد أن ذكر سبحانه النار وأهلها، والجنة وأهلها، بين لنا في هذه الآيات وما بعدها بعض ما يكون بين الفريقين - فريق الجنة وفريق السعير - من الحوار بعد استقرار كل منهما في داره، وتمكنه في قراره، وهي تدل على أن الدارين في عالم واحد، أو أرض واحدة، يفصل بينهما حجاب هو سور واحد لا يمنع من إشراف أهل الجنة وهم في عليين؛ على أهل النار وهم في سجين من هاوية الجحيم، فيخاطب بعضهم بعضا بما يزيد أهل الجنة عرفانا بقيمة نعمة الله عليهم، ويزيد أهل النار حسرة على تفريطهم وشقاء على شقائهم،
ولا يقتضي هذا النوع من الاتصال القرب المعهود عندنا في الدنيا بين المتخاطبين، وهو كون المسافة بينهما تقاس بالذراع أو الباع، بل يجوز أن تكون بحيث تحدد بما عندنا من الأشهر أو الأيام؛ لأن شأن الآخرة أن تغلب فيه الروحانية على المادة الجسدية، فيمكن للإنسان أن يسمع من هو على بعد شاسع منه ويراه، وقد كان هذا المعنى غريبا بعيدا عن المألوف عند أجدادنا الأولين، ولا يكاد يوجد الآن في العالم المدني من يستبعده بعد اختراع البشر للآلات التي يتخاطبون بها من أبعاد ألوف الأميال، إما بالإشارات الكاتبة كالتلغراف السلكي واللاسلكي، أو بالكلام اللساني كالتليفون السلكي واللاسلكي، وقد نبأتنا أخبار الاختراعات في الشمال بصنع آلة تجمع بين الرؤية والخطاب، إن كان لما يتم صنعها فقد كاد. قال عز وجل:
{ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} التعبير بالماضي عن المستقبل معهود في الأساليب العربية البليغة، وأشهر نكته جعل المستقبل في تحقق وقوعه كالذي وقع بالفعل، والمعنى: أن أصحاب الجنة سوف ينادون أصحاب النار حتى إذا ما وجهوا أبصارهم إليهم سألوهم سؤال تبجح وافتخار بحسن حالهم، وتهكم وتذكير بما كان من جناية أهل النار على أنفسهم بتكذيب الرسل، وتقرير لهم بصدق ما بلغوهم من وعد ربهم لمن آمن وأصلح بنعيم الجنة قائلين. قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وها نحن أولاء فيه، فهل وجدتم ما وعد ربكم من آمن به وبما جاءت به رسله حقا؟.
قالوا: {وعدنا ربنا} ولم يقولوا لأهل النار: {وعدكم ربكم} بل حذفوا المفعول - لأنه قد عرف حينئذ أن أهل الجنة محل لذلك الوعد بالجنة، وأن أهل النار ليسوا محلا له، فسألوهم عن الوعد المطلق كما وجه إلى الناس كافة في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام معلقا على الإيمان والتقوى والعمل الصالح في مثل قوله:
{ مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار } [الرعد: 35] إلخ. وقوله: { مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن } [محمد: 15] إلخ. وقوله تعالى في حكاية دعاء الملائكة للذين تابوا واتبعوا سبيله: { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } [غافر: 8] وقوله: { جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب } [مريم: 61]
وهذا ظاهر على القول بأن الوعد خاص بما كان في الخير، وكذا على القول بأنه يشمل الخير والشر وهو الصحيح. ولكن الوعيد خاص بالشر أو السوء، والمعنى حينئذ: فهل وجدتم ما وعد ربكم من آمن به واتقاه، وما وعد به من كفر به وعصاه حقا بدخولنا الجنة ودخولكم النار؟ وهذا يوافق قاعدة حذف المعمول لإفادة العموم، والجمهور على أنه لا يكاد يطلق الوعد في الشر غير متعلق بالموعود به صراحة ولا ضمنا؛ لأنه إذا أطلق ينصرف إلى الخير، وأما إذا قيد بتعلقه بالشر فيجوز أن تكون تسميته توعدا للتهكم أو للمشاكلة إذا كان في مقابلة وعد الخير أو للتغليب،
فالأول: كقوله تعالى:
{ قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } [الحج: 72]
والثاني: كقوله تعالى:
{ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } [البقرة: 268] على أن لوعد الشيطان هنا نكتة أخرى، وهو أنه شر في صورة الخير على سبيل الخداع، فإنه عبارة عن الوسوسة للمرء بترك الصدقة وعمل البر اتقاء للفقر بذهاب ماله،
وتظهر مقابلة المشاكلة في وعد الله للمنافقين والمؤمنين في سورة التوبة [التوبة: 68 و72] والثالث:
{ هذا ما وعد الرحمن } [يس: 52] أشار إلى البعث. ولكن في التنزيل ما لا يظهر فيه شيء من الثلاثة، كقوله في وعيد قوم صالح: { ذلك وعد غير مكذوب } [هود: 65] وله نظائر، على أن المتكلمين قد صرحوا بجواز تخلف الوعيد وعدم جواز تخلف الوعد بناء على أن العرب تتمدح بذلك، والعقلاء يعدونه فضلا، وكيف يقبل هذا مع قول الله تعالى في الوعيد: { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده } [الحج: 47] وما في معناه من الآيات. نعم قد يصح قولهم في الوعيد المقيد ولو في نصوص أخرى بجواز العفو عنه كبعض المعاصي، دون المؤكد أو المطلق الذي لا يقيده شيء.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الوعد هنا بمعنى الوعيد ولو للمشاكلة، وأن المفعول حذف تخفيفا للإيجاز أو للعلم به مما قبله، والمعنى: فهل وجدتم ما أوعدكم ربكم من الخزي والهوان والعذاب حقا؟ وقيل: بل المعنى فهل وجدتم ما وعدنا ربنا حقا؟ وهذا ضعيف جدا، وما قبله قد رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس و {أن} في قوله: {أن قد وجدنا} هي المفسرة.
{قالوا نعم} أي قال أهل النار: نعم قد وجدنا ما وعد ربنا حقا. قرأ الكسائي نعم بكسر العين، وهي لغة فصيحة نسبت إلى كنانة وهذيل {فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين} التأذين رفع الصوت بالإعلام بالشيء، واللعنة عبارة عن الطرد والإبعاد مع الخزي والإهانة. أي فكان عقب هذا السؤال والجواب الذي قامت به الحجة على الكافرين أن أذن مؤذن قائلا: لعنة الله على الظالمين لأنفسهم، الجانين عليها بما أوجب حرمانها من النعيم المقيم، وارتكاسها في عذاب الجحيم، والظالمين للناس بما يصفهم به في الآية التالية، ونكر المؤذن لأن معرفته غير مقصودة، بل المقصود الإعلام بما يقوله هنالك للتخويف منه هنا، ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء، وهو من أمور الغيب التي لا تعلم علما صحيحا إلا بالتوقيف المستند إلى الوحي. ولكن المعهود في أمور عالم الغيب ولا سيما الآخرة أن يتولى مثل ذلك فيها ملائكة الله عز وجل.
قال الآلوسي: هو على ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه صاحب الصور عليه السلام، وقيل: مالك خازن النار، وقيل: ملك من الملائكة غيرهما يأمره الله بذلك. ورواية الإمامية عن الرضا وابن عباس أنه علي كرم الله وجهه مما لم يثبت من طريق أهل السنة، وبعيد عن هذا الإمام أن يكون مؤذنا وهو إذ ذاك في حظائر القدس اهـ. وأقول: إن واضعي كتب الجرح والتعديل لرواة الآثار لم يضعوها على قواعد المذاهب وقد كان في أئمتهم من يعد من شيعة علي وآله كعبد الرزاق والحاكم، وما منهم أحد إلا وقد عدل كثيرا من الشيعة في روايتهم، فإذا ثبتت هذه الرواية بسند صحيح قبلناها، ولا نرى كونه في حظائر القدس مانعا منها، ولو كنا نعقل لإسناد هذا التأذين إليه كرم الله وجهه معنى يعد به فضيلة أو مثوبة عند الله تعالى لقبلنا الرواية بما دون السند الصحيح، ما لم يكن موضوعا أو معارضا برواية أقوى سندا أو أصح متنا.
قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي {أن لعنة الله} بفتح الهمزة وتشديد النون ونصب لعنة، وقرأ الأعمش بكسر الهمزة على تقدير القول، والباقون بفتح الهمزة وتخفيف النون على أنها المفسرة، أو المخففة من الثقيلة ورفع لعنة.
ثم وصف هؤلاء الظالمين بقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} تقدم أن صد يصد يجيء لازما بمعنى يعرض ويمتنع عن الشيء، ومتعديا بمعنى يصد غيره ويصرفه عنه، وأن الإيجاز في مثل هذا التعبير يقتضي الجمع بينهما - أي الذين يعرضون عن سلوك سبيل الله الموصلة إلى مرضاته وكرامته وثوابه ويضلون الناس عنها، ويمنعونهم من سلوكها، ويبغونها معوجة أو ذات عوج، أي غير مستوية ولا مستقيمة حتى لا يسلكها أحد. قال في اللسان: والعوج بالتحريك مصدر قولك عوج الشيء بالكسر فهو أعوج، والاسم العوج بكسر العين، وعاج يعوج إذا عطف، والعوج في الأرض ألا تستوي، وفي التنزيل:
{ لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } [طه: 107]
قال ابن الأثير: قد تكرر ذكر العوج في الحديث اسما وفعلا ومصدرا وفاعلا ومفعولا، وهو بفتح العين مختص بكل شكل مرئي كالأجسام، وبالكسر بما ليس بمرئي كالرأي والقول، وقيل: الكسر يقال فيهما معا، والأول أكثر. (ثم قال) وعوج الطريق وعوجه زيغه، وعوج الدين والخلق فساده وميله على المثل اهـ. وقال الراغب: إن العوج (بالتحريك) يقال فيما يدرك بالبصر، والعوج {بكسر ففتح} يقال فيما يدرك بالفكر والبصيرة كالدين والمعاش.
وأما بغي الظالمين - أي طلبهم - أن تكون سبيل الله عوجا، أي غير مستوية ولا مستقيمة فيكون على صور شتى، فأصحاب الظلم العظيم - وهو الشرك - يشوبون التوحيد بشوائب كثيرة من الوثنية، أعمها الشرك في العبادة ومخها الدعاء، فلا يتوجهون فيه إلى الله وحده بل يشركون معه في التوجه والدعاء غيره على أنه شفيع عنده وواسطة لديه أو وسيلة إليه
{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } [البينة: 5] { حنفاء لله غير مشركين به } [الحج: 31] { دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا } [الأنعام: 161] { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } [الأنعام: 79] بل منهم من يتوجهون إلى غيره توا ويدعونه من دونه ولا سيما عند الضيق والشدة، فلا يخطر ببالهم ربهم ولا يذكرونه، ولكنهم إذا أنكر عليهم منكر يتأولون فيقول العامي: المحسوب كالمنسوب، الواسطة لا تنكر. ويقول المعمم دعي العلم: هذا توسل واستشفاع، لا عبادة ولا دعاء، وكرامات الأولياء حتى خلافا للمعتزلة والأولياء أحياء في قبورهم كالشهداء. وقد فندنا دعواهم مرارا.
والظالمون بالابتداع يبغونها عوجا بما يزيدون في الدين من البدع والمحدثات، التي لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا سنة الخلفاء الراشدين وجمهور الصحابة، ومستندهم في هذه البدع النظريات الفكرية، والتأويلات الجدلية، ومحاولة التوفيق بين الدين والفلسفة العقلية، هذا إذا كان الابتداع في المسائل الاعتقادية، وأما الابتداع بالزيادة في العبادات الواردة والشعائر المشروعة، فمنه ما كان كاحتفالات الموالد وترتيلات الجنائز وأذكار المآذن - كالزيادة في الأذان - وما كان في تحريم ما لم يحرم الله من الزينة والطيبات من الرزق أو في إحلال ما حرمه، كبناء المساجد على القبور واتخاذها أعيادا وتشريفها وإيقاد المصابيح والسرج من الشموع وغيرها عليها، فإن خواصهم يحتجون بآراء سقيمة، وأقيسة مؤلفة من مقدمات عقيمة، واستحسانات ينكرون أصولها ويأخذون بفروعها.
وعوامهم يقولون: قال فلان من المؤلفين، وفعل فلان من الصوفية الصالحين، ونحن لا نفهم كلام الله ولا كلام الرسول، وإنما نفهم كلام هؤلاء الفحول، بل وجد ولا يزال يوجد من المعممين المدرسين من يصرحون في دروسهم بأنه لا يجوز لمسلم في زمانهم أن يعمل بكتاب الله ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بما نقله المحدثون عن سلف الأمة الصالح، بل على كل مسلم أن يأخذ بما يلقنه إياه أي عالم ينتمي إلى مذهب من المذاهب المعروفة، وإن لم يرو ما يلقنه عن إمام المذهب ولم يستدل عليه بدليل مبني على أصول المذهب التي كان بها مذهبا كعمل أهل المدينة عند مالك بشرطه، وكون الإجماع الذي يحتج به هو إجماع الصحابة دون من بعدهم، وهو مذهب داود والمشهور عن أحمد وروي عن أبي حنيفة وكالخلاف في الاحتجاج بالحديث المرسل.
والظالمون بالزندقة والنفاق يبغونها عوجا بالتشكيك فيها بضروب من التأويل يقصد بها بطلان الثقة بها والصد عنها، ومذاهب الباطنية التي أدخلت في الإسلام من منافذ التشيع والتصوف معروفة، وقد كان لواضعي تلك التأويلات من الفرس غرض سياسي من إفساد الإسلام على أهله وإحداث الشقاق بينهم فيه، وهو إضعاف العرب وإزالة ملكهم للتمكن من إعادة ملك فارس وسلطان الملة المجوسية، ثم رسخ بالتقليد في طوائف من أجناس أخرى حتى العرب جهلوا أصله، ومن الأفراد من يحاول إفساد دين قومه عليهم ليكونوا مثله، فلا يكون محتقرا بينهم، ومن زنادقة عصرنا من يحاولون هذا لظنهم أن قومهم لا يمكن أن يكونوا كالإفرنج في حضارتهم المادية الشهوانية إلا إذا تركوا دينهم، وهم يرون الإفرنج يتعصبون لدينهم وينفقون الملايين في سبيل نشره.
والظالمون في الأحكام يبغونها عوجا بترك تحري ما أمر الله تعالى به من التزام الحق وإقامة ميزان العدل، والمساواة فيهما بين الناس بالقسط، بألا يحابي أحد لعقيدته أو مذهبه، ولا لغناه أو قوته، ولا يهضم حق أحد لضعفه أو فقره، ولا لفسقه أو كفره
{ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } [المائدة: 8] بل منهم من بغى هذه الشريعة العادلة المعتدلة عوجا في أساس نظامها وأصول أحكامها، فجعل حكومتها من قبيل الحكومات الشخصية، ذات السلطة الاستبدادية.
والظالمون بالغوا فيها جعلوا يسرها عسرا، وسعتها ضيقا وحرجا، وزادوا على ما شرعه الله من أحكام العبادات، والمحظورات والمباحات، أضعاف ما أنزله الله في كتابه وما صح من سنة رسوله، مما ضاقت به مطولات الأسفار، التي تنقضي دون تحصيلها الأعمار، ومنهم من جعل غاية الاهتداء بها الفقر والمهانة، والذلة والاستكانة، خلافا لما نطق به الكتاب من عزة المؤمنين، وكونهم أولى بزينة الدنيا وطيباتها من الكافرين.
فهذه أمثلة لمن يبغونها عوجا من المنتمين إليها والمدعين لهدايتها، وأما أعداؤها الصرحاء فهم يطعنون في كتاب الله وفي خاتم رسله جهرا بما يخلقون من الإفك، وما يحرفون من الكلم، وما يخترعون من الشبهات، وما ينمقون من المشككات وأمرهم معروف، وأجرؤهم على البهتان والزور وتعمد قلب الحقائق فريقان - دعاة النصرانية الطامعون في تنصير المسلمين الذين اتخذوا هذه الدعوة حرفة عليها مدار رزقهم، ورجال السياسة الاستعماريون الطامعون في استعباد المسلمين واستعمار بلادهم، وكل من الفريقين ظهير للآخر، فالحكومة السودانية الإنكليزية حرمت مجلة المنار على مسلمي السودان بسعي دعاة النصرانية وسعايتهم لأن دعوتهم لا تروج في قوم يقرءون المنار.
وأما قوله تعالى: {وهم بالآخرة كافرون} فهو خاص بمنكري البعث من أولئك الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، وهم شر تلك الفرق كلها - أي وهم على ضلالتهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرا راسخا قد صار صفة من صفاتهم فلا يخافون عقابا على إجرامهم فيتوبوا منه، وتقديم الجار والمجرور {بالآخرة} على متعلقه للاهتمام به فإن أصل كفرهم قد علم مما قبله وهذا النوع منه له تأثير خاص في إصرارهم على ما أسند إليهم، وقد غفل عن هذا من قال إن التقديم لأجل رعاية الفاصلة.
ومن المعلوم أن المؤذن بلعن هؤلاء في الآخرة يصفهم بالظلم، ويسند إليهم الصد عن سبيل الله وبغيها عوجا بصيغة المضارع، ويصفهم بالكفر بالآخرة في الآخرة بعد أن زال الكفر بها، بعين اليقين فيها، وفات زمن الصد عنها، وبغيها عوجا والنكتة في هذا تصوير حالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وترتب عليها ما صاروا إليه في الآخرة، ليتذكروها هم وكل من سمع التأذين بها، ويعلموا عدل الله بعقابهم عليها. وليعتبر بها في الدنيا من يتصور حالهم هذه فكانت البلاغة أن يعدل هنا عن صيغة الماضي إلى صيغة الحال حتى يخيل أنه هو الواقع عند إطلاق الكلام. كما كانت البلاغة في العدول عن صيغة الاستقبال في تحاور أهل الجنة وأهل النار إلى صيغة الماضي لإثبات القطع به وتحقق وقوعه. ويجوز أن يكون وصفهم بما ذكر مستأنف من كلام الله تعالى لا من كلام المؤذن.
{وبينهما حجاب} أي وبين الفريقين حجاب يفصل كلا منهما عن الآخر ويمنعه من الاستطراق إليه. والحجاب من الحجب بمعنى المنع - كالكفاف من الكف والصوان من الصون - وهو حسي ومعنوي. والحسي منه ما يمنع الاستطراق دون الرؤية كالزجاج وما يمنع الرؤية وحدها كالستور، وما يمنعهما جميعا كالأسوار والحيطان. ومن الحجب المعنوي منع الإرث حرمانا أو نقصانا، وهو الحجاب بين الجنة والنار هو السور في قوله تعالى في سورة الحديد:
{ يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } [الحديد: 13] الآية. فإن الجنة في باطنه والنار من قبل ظاهره، أي بالنسبة إلى ما يكون الناس عليه في موقف الحساب. روى البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله: {فضرب بينهم بسور له باب} قال: يعني بالسور حائطا بين أهل الجنة وأهل النار له باب باطنه - يعني باطن السور - فيه الرحمة مما يلي الجنة، وظاهره من قبله العذاب يعني جهنم، وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار. وروى هو ورواه التفسير المأثور قبله عن مجاهد في آية الحديد قال: إن المنافقين كانوا مع المؤمنين أحياء في الدنيا يناكحونهم ويعاشرونهم وكانوا معهم أمواتا، ويعطون النور جميعا يوم القيامة فيطفأ نور المنافقين إذا بلغوا السور يماز بينهم يومئذ، والسور كالحجاب في الأعراف فيقولون: {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا}.
{وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم} الأعراف بصيغة الجمع ضرب من النخل، وجمع لكلمتي الأعرف والعرف (بوزن قفل) ويطلق على أعالي الأشياء وأوائلها وكل مرتفع من الأرض وغيرها، ومنه عرف الديك وعرف الفرس وهو الشعر على أعلى الرقبة، وعرف السحاب، روي عن حذيفة رضي الله عنه قال: الأعراف سور بين الجنة والنار. وعن ابن عباس رضي الله عنه روايات: (1) الأعراف هو الشيء المشرف: (2) سور له عرف كعرف الديك: (3) تل بين الجنة والنار جلس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار. (4) السور الذي ذكر الله في القرآن بين الجنة والنار.
والتحقيق أن الأعراف هو ذلك السور والحجاب بين الدارين وأهلهما، أو أعاليه التي يكون عليها أولئك الرجال الذين يرون أهل الجنة وأهل النار جميعا قبل الدخول فيهما - فيما يظهر - فيعرفون كلا منهما بسيماهم التي وصفهم الله تعالى بها في مثل قوله:
{ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة } [عبس: 38 - 41] وأما بعد الدخول فيها فالتمييز بين الفريقين من تحصيل الحاصل وذكره عبث ينزه عنه التنزيل، إلا إذا أريد معرفة أشخاص معينين وهو لا يظهر هنا وإنما يظهر في قوله: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم } [الأعراف: 48] فهذه سيما خاصة لأنها لأفراد مخصوصين، وتلك سيما عامة لأنها لفريقين أفرادهما غير محصورين.
وقد اختلف المفسرون فيهم على أقوال عدها القرطبي وغيره اثني عشر قولا. وهي على ثلاث مراتب:
الأولى أنهم بعض أشراف الخلق الممتازين.
والثانية أنهم الذين ليسوا من الأخيار الذين رجحت حسناتهم فاستحقوا الجنة ولا من الأشرار الذين رجحت سيئاتهم فاستحقوا النار، بل تساوت حسناتهم وسيئاتهم. وفي بعض الأحاديث الضعيفة أنهم قوم خرجوا للجهاد في سبيل الله بدون إذن آبائهم واستشهدوا، فمنعهم من دخول النار قتلهم في سبيل الله، ومن دخول الجنة معصية آبائهم - وهذا خاص يدخل في العام الذي قبله.
والثالثة أنهم أصحاب صفة خاصة ليسوا من أهل الجنة ولا من أهل النار بل منزلة بينهما هي الأعراف، وفي هؤلاء أقوال: (1) أهل الفترة: (2) مؤمنو الجن، وروى ابن عساكر فيه حديثا مرفوعا عن أنس بن مالك من طريق الوليد بن موسى الدمشقي وهو منكر الحديث في أعدل الأقوال، ورماه بعضهم بالوضع: (3) أولاد المشركين، أي الكفار الذين ماتوا قبل سن التكليف: (4) أولاد الزنا: (5) أهل العجب بأنفسهم وهذان القولان لا وجه لهما البتة. (6) آخر من يفصل الله بينهم وهم عتقاؤه من النار، وفيه حديث مرسل حسن الإسناد، ويرى بعضهم أن هؤلاء هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ولكن ورد في الصحاح أن آخر من يدخل الجنة
"أقوام كانوا قد امتحشوا في النار لم يعملوا خيرا قط، فيخرجهم الله منها ويدخلهم الجنة فيقول فيهم أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه" وذلك بعد إخراج من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان من النار، كما في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين.
وأما القائلون بالمرتبة الأولى فلهم أقوال:
1 أنهم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار، رواه ابن جرير عن أبي مجلز قال الحافظ ابن كثير بعد إيراد الرواية عنه: وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين وهو غريب من قوله وخلاف الظاهر من السياق اهـ. وإنما عده غريبا عنه لمخالفته لقول الجمهور ولتسميته الملائكة رجالا وهم لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، وأولوه بأنهم في صورة الرجال، وقد اختار هذا القول أبو مسلم الأصفهاني.
2 أنهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يجعلهم الله تعالى على أعالي ذلك السور تمييزا لهم على الناس، ولأنهم شهداؤه على الأمم، ورجح هذا القول الرازي. 3 أنهم عدول الأمم الشهداء على الناس من كل أمة حكاه الزهري، فكما ثبت أن كل رسول يشهد على أمته وثبت أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على جملة من الأمم بعده - ثبت أيضا أن في الأمم شهداء غير الأنبياء عليهم السلام قال الله تعالى:
{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [النساء: 41] وقال في خطاب هذه الأمة: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143] وقال في صفة يوم القيامة: { وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون } [الزمر: 69] إلخ. وهؤلاء الشهداء هم حجة الله على الناس في كل زمان بفضائلهم واستقامتهم على الحق، والتزامهم للخير وأعمال البر ولولاهم لفقدت القدوة الصالحة.
4 أنهم العباس وحمزة وعلي وجعفر ذو الجناحين رضي الله عنهم يجلسون على موضع من الصراط يعرفون ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها. وهذا القول ذكر الآلوسي أن الضحاك رواه عن ابن عباس ولم نره في شيء من كتب التفسير المأثور، والظاهر أنه نقله عن تفاسير الشيعة، وفيه أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، أي فيميزون بينهم أو يشهدون عليهم، وأي فائدة في تمييز هؤلاء السادة على الصراط لمن كان يبغضهم من الأمويين، ومن يبغضون عليا خاصة من المنافقين والنواصب وأين الأعراف من الصراط؟ هذا بعيد عن نظم الكلام وسياقه جدا.
5 قول مجاهد: إنهم قوم صالحون فقهاء علماء. وهذا القول إنما تعقل حكمته إذا رد إلى القول الثالث؛ ولذلك قال ابن كثير: إن فيه غرابة.
ورجح الجمهور - بكثرة الروايات أنهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وفيه أن هؤلاء ليسوا من الرجال وحدهم، والتعبير برجال يمنع أن يكون فيهم نساء والتغليب لا يظهر هنا، كما يمنع أن يكونوا من الملائكة خلافا لأبي مجلز إذ لو أريد هذا أو ذاك لعبر عنه بلفظ يقبله كأن يقول: " عباد يعرفون كلا بسيماهم " وينافي كونهم من الملائكة أيضا آخر هذه الآية على القول بأن الضمير فيه لأصحاب الأعراف، كما ينافي كونهم الأنبياء أو الشهداء وكذا الآية التي بعدها. فقد قال تعالى: {ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم} أي نادوهم بقولهم سلام عليكم قيل: إن هذا السلام يراد به الإخبار بالسلامة من العذاب والبشارة بالنجاة إن كان قبل دخول الجنة كما هو المتبادر من تمييزهم بين أهل الجنة وأهل النار بسيماهم فإن هذا التمييز بالسيما إنما يكون قبل دخول كل في داره، وهو المروي عن أبي مجلز، وحينئذ يترجح أن يكون أهل الأعراف الأنبياء أو الشهداء على الناس منهم ومن غيرهم، وأما إن كان بعد دخولهم الجنة فهو تحية محضة داخلة في عموم قوله تعالى:
{ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } [الواقعة: 25، 26]
ولا يمنع هذا الوجه ولا ذاك أن يكونوا من الملائكة، بل ورد التنزيل والحديث الصحيح بتسليم الملائكة على أهل الجنة:
{ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } [الرعد: 23، 24]
وقوله: {لم يدخلوها وهم يطمعون} فيه وجهان. أحدهما: أنه في أصحاب الأعراف وسيأتي ما روي فيه. والثاني: أنه في أهل الجنة. والجملة حالية على الوجهين، أي نادوهم مسلمين عليهم حال كونهم لم يدخلوها معهم وهم طامعون في ذلك، أو حال كون أهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها لما بدا لهم من يسر الحساب، ولا سيما إذا كان ذلك بعد المرور على الصراط، وقد ورد في الآثار أن الناس يكونون في الموقف بين الخوف والرجاء، لا تطمئن قلوب أهل الجنة حتى يدخلوها، ومن ذلك ما رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو نادى مناد: يا أهل الموقف ادخلوا النار إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى: ادخلوا الجنة إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الرجل انتهى بالمعنى لا أذكر أي المكانين قدم. وهذا الوجه هو المتبادر من نظم الكلام.
{وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} أفاد هذا التعبير بالفعل المبني للمجهول أنهم يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السلام، وأنهم يكرهون رؤية أصحاب النار. فإذا صرفت أبصارهم تلقاءهم، أي حولت إلى الجهة التي تلقاهم وتبصرهم فيها - وإنما يكون ذلك عن غير توخ ولا رغبة، بل بصارف يصرفهم إليها أو بمقتضى سرعة تحولها من جهة إلى جهة - قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين حيث هم ولا حيث يكونون. وهذا الدعاء لا يظهر صدوره من الملائكة إلا بتأويل أن المراد به استعظام حال الظالمين واستفظاع مآلهم، لا حقيقة الدعاء، ويجاب بهذا الأخير من أنكر أن يكون الأنبياء هم أصحاب الأعراف.
والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم وسيئاتهم وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم. روى ابن جرير عن شعبة أن حذيفة رضي الله عنه ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم: فاذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم.
وعن سعيد بن جبير أن ابن مسعود رضي الله عنه قال يحاسب الله الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: {فمن ثقلت موازينه} الآيتين ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرض أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة قالوا: سلام عليكم، وإذا صرفت أبصارهم إلى يسارهم رأوا أهل النار فقالوا: {ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} تعوذوا بالله من منازلهم {قال}: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورا، وكل أمة نورا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون
{ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا } [التحريم: 8] وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم فهنالك يقول الله تعالى: {لم يدخلوها وهم يطمعون} فكان الطمع دخولا (قال سعيد) فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة. ثم يقول: هلك من غلب وحدانه أعشاره اهـ.
فهذا أوضح بيان مفصل للقول الذي اعتمده الجمهور، وللأثرين الموقوفين فيه قوة الحديث المرفوع، وظاهره أن هذا كله يقع بعد الموقف وقيل أن يجعل هؤلاء الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم على الأعراف، فإن السور الذي فسرت الأعراف به أو بأعياله يضرب بعد ذهابهم من الموقف يسيرون بنورهم إلى الجنة كما هو ظاهر آية سورة الحديد، وقد ذكرناها عند تفسير كلمة الأعراف، وفيه أنه تعالى ذكر معرفتهم لأصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماهم ونداءهم بالسلام على أهل الجنة بعنوان أنهم أصحاب الأعراف، ولا يصح هذا العنوان قبل وجودهم عليها إلا إذا ثبت أنهم يسمون أصحابها قبل ذلك، أو على التأويل بجعله من مجاز الأول كقوله:
{ أعصر خمرا } [يوسف: 36] ويجاب عن تخصيص الرجال بالذكر بأنهم هم الذين يخاطبون أهل الجنة وأهل النار دون من معهم من النساء.