التفاسير

< >
عرض

ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
٥٥
وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٦
-الأعراف

تفسير المنار

بعد أن بين تعالى لأمة الدعوة توحيد الربوبية وذكرهم بالآيات والدلائل عليها أمرهم بما يجب أن يكون لازما لها من توحيد الإلهية وهو إفراده تعالى بالعبادة روحها ومخها الدعاء فقال:
{ادعوا ربكم تضرعا وخفية} التضرع تفعل من الضراعة معناه تكلفها أو المبالغة فيها أو إظهارها واختاره الراغب، وهي مصدر ضرع كخشع إذا ضعف وذل، وتلوى وتململ، ومأخذها من قولهم ضرع إليهم إذا تناول ضرع أمه، وإن حاجة الصغير من الحيوان والإنسان إلى الرضاع من أمه لمن أشد مظاهر الحاجة والافتقار بشعور الوجدان إلى شيء واحد لا يتوجه إلى غيره معه، ولذلك خص استعمال التضرع في التنزيل بمواطن الشدة كما تقدم في الآيات 42، 43، 63 من سورة الأنعام، ومثله في سورة " المؤمنون "
{ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } [المؤمنون: 76] وذلك أن دعاء الله عند الحاجة ولا سيما في حال الشدة هو مخ العبادة وروحها، وله مظهران: التضرع والابتهال، والخفية والإسرار. أي ادعوا ربكم ومدبر أموركم متضرعين مبتهلين إليه تارة، ومسرين مستخفين تارة أخرى، أو دعاء تضرع وتذلل وابتهال، ودعاء مناجاة وإسرار ووقار، ولكل من الدعاءين وقت، وداعية من النفس، فالتضرع بالجهر المعتدل تحسن في حال الخلوة والأمن من رؤية الناس الداعي ومن سماعهم لصوته، فلا جهره يؤذيهم ولا الفكر فيهم يشغله عن التوجه إلى الرب وحده، أو يفسد عليه دعاءه بحب الرياء والسمعة. والإسرار يحسن في حال اجتماع الناس في المساجد والمشاعر وغيرها إلا ما ورد رفع الصوت فيه من الجميع، كالتلبية في الحج وتكبير العيدين، وهو مشترك لا رياء فيه، ولما كان الليل سترا ولباسا شرع فيه الجهر في قراءة الصلاة، وهو للمجتهد في خلوته يطرد الوسواس، ويقاوم فتور النعاس، ويعين على تدبر القرآن، وبكاء الخشوع للرحمن.
هذا هو المتبادر من اللفظ عندنا. ومن مفسري السلف من جعل التضرع والخفية متفقين غير متقابلين، بتفسير التضرع بالتخشع والتذلل، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم" هذا لفظ مسلم. قال النووي: ففيه خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه، فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه، فإذا دعت حاجة إلى الرفع رفع كما جاءت به أحاديث اهـ. والمتبادر من العبارة أن الإنكار إنما كان على المبالغة في الجهر وناهيك بكونه من جماعة كثيرين، وربما كان بعضهم يظن أن الجهر بتلك الصفة أرضى للرب وأرجى للقبول، وقال تعالى: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } [الإسراء: 110].
وروي عن الحسن البصري أنه قال: "إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال:
{ إذ نادى ربه نداء خفيا } [مريم: 3] اهـ. وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء ويؤمر بالتضرع والاستكانة.
{إنه لا يحب المعتدين} في الدعاء، كما لا يحب ذلك في سائر الأشياء. والاعتداء تجاوز الحدود فيها، وقد نهي عنه مطلقا ومقيدا، إلا ما كان انتصافا من معتد ظالم بمثل ظلمه، والعفو عنه أفضل، والاعتداء في كل شيء يكون بحسبه وذلك أن لكل شيء حدا من تجاوزه كان معتديا
{ تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } [البقرة: 229].
وشر أنواع الاعتداء في الدعاء التوجه فيه إلى غير الله ولو ليشفع له عنده؛ لأن الحنيف من يدعو الله تعالى وحده، فلا يدعو معه غيره، كما قال:
{ فلا تدعوا مع الله أحدا } [الجن: 18] أي لا ملكا ولا نبيا ولا وليا. ومن دعا غير الله فيما يعجز هو وأمثاله عنه من طريق الأسباب كالشفاء من المرض بغير التداوي وتسخير قلوب الأعداء والإنقاذ من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك من المنافع ودفع المضار - فقد اتخذه إلها لأن الإله هو المعبود، و " الدعاء هو العبادة " كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن النعمان بن بشير وأبو يعلى عن البراء رضي الله عنه، والمعنى: أنه الركن الأعظم في العبادة على نحو "الحج عرفة" وفي معنى هذا التفسير حديث أنس عند الترمذي مرفوعا "الدعاء مخ العبادة" وإسناده ضعيف يقويه تفسيره للصحيح، وقد يفسرونه بالعبادة في جملتها دون أفرادها.
وقال تعالى:
{ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } [الإسراء: 56، 57] جاء في روايات عن ابن عباس رضي الله عنه أن هذا نزل فيمن عبدوا الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والشمس والقمر، أي كلهم عاجز عن دفع الضر أو تحويله عنكم، ومعنى الآية الثانية أن أولئك الذين يدعونهم هم عبيد الله يبتغون إليه الوسيلة والزلفى - أيهم أقرب - أي أقربهم وأفضلهم كالملائكة والمسيح يعبد الله ويدعوه طلبا للوسيلة عنده، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، فكيف يدعون معه أو من دونه؟
وروى الترمذي وابن مردويه واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"سلوا الله لي الوسيلة قالوا: وما الوسيلة؟ قال القرب من الله عز وجل" ثم قرأ: {يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} وابتغاء ذلك يكون بدعائه وعبادته بما شرعه على لسان رسوله دون غيره، والآيات المنكرة على المشركين دعاء غير الله وكونه عبادة لهم وشركا من الله كثيرة، ولكن المضلين للعوام من المسلمين يقولون لهم لا بأس بدعائكم للأولياء والصالحين عند قبورهم، والتضرع والخشوع عندهم، فإن هذا توسل بهم إلى الله ليقربوكم منه بشفاعتهم لكم عنده لا عبادة لهم.
وهذا تحكم في اللغة وجهل بها، فأهل اللغة كانوا يسمون ذلك عبادة، والوسيلة في الدين هي غاية للعبادة، فإن معناها القرب منه تعالى، والتوسل طلب ذلك، فهو التقرب منه بما يرتضيه، وإنما يكون بما شرعه من عبادتك له دون عبادة غيرك
{ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } [النجم: 39] والذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء كانوا يقصدون بدعائهم أن يقربوهم إلى الله زلفى وأن يشفعوا لهم عنده، ويعتقدون أنهم لا يملكون نفعهم ولا كشف الضر عنهم بأنفسهم، بل ذلك هو الله الذي يجير ولا يجار عليه. وآيات القرآن صريحة في ذلك.
نعم إن طلب الدعاء من المؤمنين مشروع من الأحياء دون الأموات، ويسمى في اللغة توسلا إلى الله لأنه قد شرعه، ومنه توسل عمر والصحابة بالعباس، بدلا من النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وإنما كان ذلك بصلاة الاستسقاء وما يشرع بعدها من الدعاء. فإذا قيل لهم هذا قالوا: إن ما ورد من ذم دعاء غير الله والتقرب به إلى الله خاص بالمشركين، وما يعاب من المشركين لا يعاب من المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فأنتم تحملون الآيات في المشركين على المؤمنين!! وهذا القول جهل فاضح منهم، فإن الله تعالى ما ذم الشرك إلا لذاته، وما ذم المشركين إلا لأنهم تلبسوا به، وإن الذين أشركوا من أهل الكتاب ما كانوا إلا مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولكن ما طرأ عليهم من الشرك أحبط إيمانهم،
وكذلك يحبط إيمان من أشرك من المسلمين بدعاء غير الله، أو بغير ذلك من عبادة سواه، وإن لم يشرك بربوبيته، بأن كان يعتقد أنه هو الخالق المدبر لأمر العباد وحده، فهذا الإيمان عام قل من أشرك فيه، فتوحيد الإلهية هو إخلاص العبادة لله والتوجه فيها له وحده دون غيره من الأولياء والشفعاء المسخرين بأمره
{ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } [البينة: 5].
ومن الاعتداء في الدعاء ما هو خاص باللفظ كالتكلف والسجع والمبالغة في رفع الصوت، فقد صح النهي عن ذلك، ومنها ما هو خاص بالمعنى وهو طلب غير المشروع من وسائل المعاصي ومقاصدها كضرر العباد، وأسباب الفساد، وطلب المحال الشرعي أو العقلي كطلب إبطال سنن الله في الخلق وتبديلها أو تحويلها، ومنه طلب النصر على الأعداء، مع ترك وسائله كأنواع السلاح والنظام، والغنى بدون كسب، والمغفرة مع الإصرار على الذنب. والله تعالى يقول:
{ فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا } [فاطر: 43].
روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {إنه لا يحب المعتدين} قال: في الدعاء ولا في غيره. وقال أبو مجلز: لا يسأل منازل الأنبياء. وروى أحمد وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع ابنا له وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها - ونحوا من هذا - وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"سيكون قوم يعتدون في الدعاء - وفي لفظ - يعتدون في الطهور والدعاء" وقرأ هذه الآية.
{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي ولا تفسدوا في الأرض بعمل ضائر ولا بحكم جائر، مما ينافي صلاح الناس في أنفسهم كعقولهم وعقائدهم وآدابهم الشخصية والاجتماعية، أو في معايشهم ومرافقهم من زراعة وصناعة وتجارة وطرق مواصلة ووسائل تعاون - لا تفسدوا فيها بعد إصلاح الله تعالى لها بما خلق فيها من المنافع، وما هدى الناس إليه من استغلالها والانتفاع بتسخيرها لهم، وامتنانه بها عليهم، بمثل قوله:
{ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } [البقرة: 29] وقوله: { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } [الجاثية: 13] ومن إقامة الحق والعدل والفضيلة فيها، فالإصلاح الأعظم إنما هو إصلاحه تعالى لحال البشر، بهداية الدين وإرسال الرسل، وإكمال ذلك ببعثة خاتم النبيين والمرسلين، الرحمة العامة للعالمين، فأصلح به عقائد البشر ببنائها على البرهان، وأصلح به أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها بين مصالح الروح والجسد وما شرع لهم من التعاون والتراحم، وأصلح سياستهم ونوع الحكم بينهم بشرع حكومة الشورى المقيدة بأصول درء المفاسد وحفظ المصالح والعدل والمساواة.
والبشر سادة هذه الأرض، وهم منها كالقلب من الجسد والعقل من النفس، فإذا صلحوا صلح كل شيء، وإذا فسدوا فسد كل شيء. وأشد الفساد الكبر والعتو، الداعيان إلى الظلم والعلو، ألم تر إلى هؤلاء الإفرنج كيف أصلحوا كل ما في الأرض من معدن ونبات وحيوان، وعجزوا عن إصلاح نفس الإنسان، بمعاداتهم أكمل الأديان، فحولت دولهم كل ما اهتدى إليه علماؤهم من وسائل العمران، إلى إفساد نوع الإنسان، وتعادى شعوبه بالتنازع على الملك والسلطان، وإباحة الكفر والفسوق والعصيان، وبذل ثروة العاملين من شعوبهم، في سبيل التنكيل بالمخالفين لهم، والجناية على أعدائهم ولو بالجناية على أنفسهم.
وروى أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش أنه سئل عن قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} (56، 85) فقال: إن الله بعث محمدا إلى أهل الأرض وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض اهـ. والإفساد بعد الإصلاح أظهر قبحا من الإفساد على الإفساد، فإن وجود الإصلاح أكبر حجة على المفسد إذا هو لم يحفظه ويجري على سننه.
فكيف إذا هو أفسد وأخرجه عن وضعه؟ ولذلك خصه بالذكر، وإلا فالإفساد مذموم ومنهي عنه في كل حال، فحجة الله على الخلوف والخلائف من المسلمين المفسدين، لما كان من إصلاح السلف الصالحين، أظهر من حجته على الكافرين، الذين هم أحسن حالا من سلفهم الغابرين.
{وادعوه خوفا وطمعا} أعاد الأمر بالدعاء بقيد آخر بعد أن وسط بينهما النهي عن الإفساد، للإيذان بأن من لا يعرف نفسه بالحاجة والافتقار إلى رحمة ربه الغني القدير وفضله وإحسانه، ولا يدعوه تضرعا وخفية ولا خوفا من عقابه وطمعا في غفرانه، فإنه يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح، إلا أن يعجز. والمعنى: وادعوه خائفين أو ذوي خوف من عقابه إياكم على مخالفتكم لشرعه المصلح لأنفسكم ولذات بينكم، وتنكبكم لسننه المطردة في صحة أجسامكم وشئون معايشكم - وهذا العقاب يكون بعضه في الدنيا وباقيه في الآخرة - وطامعين في رحمته وإحسانه في الدنيا والآخرة.
والقول الجامع في حال النفس عند الدعاء أن تكون غارقة في الشعوب بالعجز والافتقار إلى الرب القديم الرحيم، الذي بيده ملكوت كل شيء. يصرف الأسباب، ويعطي بحساب وغير حساب، فإن دعاء الرب الكريم بهذا الشعور، يقوي أمل النفس، ويحول بينها وبين اليأس، عند تقطع الأسباب، والجهل بوسائل النجاح، ولو لم يكن للدعاء فائدة إلا هذا لكفى، فكيف وهو مخ العبادة ولبابها، وإجابته مرجوة بعد استكمال شروطه وآدابه، وأولها عدم الاعتداء فيه، فإن لم تكن بإعطاء الداعي ما طلبه، كانت بما يعلم الله أنه خير له منه. ولا أرى بأسا بأن أقول غير مبال بإنكار المحرومين: إنني قلما دعوت الله دعاء خفيا شرعيا رغبة ورهبة إلا استجاب لي، أو ظهر لي ولو بعد حين أن عدم الإجابة كان خيرا منها.
{إن رحمة الله قريب من المحسنين} أي إن رحمته تعالى الفعلية التي يعبر عنها بالإحسان قريبة من المحسنين في أعمالهم المتقنين لها لأن الجزاء من جنس العمل. فمن أحسن في العبادة نال حسن الثواب، ومن أحسن في أمور الدنيا نال حسن النجاح، ومن أحسن في الدعاء استجيب له، أو أعطي خيرا مما طلبه، والجملة تعليل للأمر بالدعاء قبلها، مبينة لفائدة الدعاء العامة كما قررنا. فهي أعم من قوله تعالى:
{ ادعوني أستجب لكم } [غافر: 60].
والإحسان مطلوب في كل شيء بهدي دين الفطرة، الداعي لحسنتي الدنيا والآخرة، وجزاء الإحسان في كل شيء بحسبه. قال عز وجل:
{ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } [الرحمن: 60] كما أن الإساءة محرمة في كل شيء وجزاءها من جنسها. قال عز وجل: { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } [النجم: 31] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" رواه مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه فالإحسان واجب في دين الإسلام حتى في قتال الأعداء؛ لأنه في حكمه من الضرورات التي تقدر بقدرها، ويتقى ما يمكن الاستغناء عنه من شرها، ومنه قوله تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } [محمد: 4]
أي فإذا لقيتم أعداءكم الكفار في المعركة فقاتلوهم بضرب الرقاب لأنه أسرع إلى القتل وأبعد عن التعذيب بمثل ضرب الرأس مثلا - وناهيك بتهشيم الرءوس وتقطيع الأعضاء في عهد التنزيل الذي لم يكن فيه أطباء جراحة يخففون آلامها - حتى إذا ظهر لكم الغلب عليهم بالإثخان فيهم فاتركوا القتل واعمدوا إلى الأسر، ثم إما أن تمنوا على الأسرى بالعتق منا، وإما أن تفدوا بهم من أسر منكم فداء.
وكذلك الإحسان في الحيوان والرفق به، ومنه ذبح البهائم للأكل يجب أن يحسن فيها بقدر الطاقة حتى لا يتعذب الحيوان، ولهذا حرم الله الموقوذة وهي التي تضرب بغير محدد حتى تنحل قواها وتموت.
ومن العبرة في الآية أن الماديين من البشر يعدون الرحمة ضعفا في النفس تجب مقاومته بالتعليم والتربية، أي بإفساد الفطرة الإلهية التي أودع فيها الرب الرحيم جزءا من مائة جزء من رحمته يتراحم بها خلقه ويتعاطفون، وقاعدة التربية المادية أن أمور الحياة كلها تجارة يقصد بها الربح العاجل، فإذا رأيت امرأ أو طفلا أو عشيرة أو أمة عرضة للآلام والهلاك، ولم يكن لك ربح وفائدة خاصة من دفع الهلاك عنهم فلا تكلف نفسك ذلك، وإذا كان لك أو لقومك ربح من ظلم فرد من الأفراد أو شعب من الشعوب وإشقائه بالاستعباد، وإفساد الأخلاق وإرهاق الأجساد، فافعل ذلك وتوسل إليه بكل الوسائل التي يدلك عليها العلم وتمكنك منها القوة، بل هم يربون أولادهم على ألا ينالوا منهم شيئا إلا بعمل يعملونه لهم، ليطبعوا في أنفسهم ملكة طلب الربح من كل عمل، وهذا حسن إذا لم ينزعوا منها عواطف الرحمة وحب الإحسان بمراغمة الفطرة وإفسادها.
على هذه القاعدة قام بناء الاستعمار الإفرنجي في العالم، فكل دولة أوربية تستولي على شعب من الشعوب تعني أشد العناية بإفساد أخلاقه وإذلال نفسه واستنزاف ثروته، وكل ما تعمله في بلاده من عمل عمراني كتعبيد الطرق وإصلاح ري الأرض فلأجل توفير ربحها منها، وتمكينها من سوق جيوشها التي تستعبد بها أهلها، وقد قرأنا في هذا العام مقالات لسائحة أميركانية طافت كثيرا من المستعمرات الأوربية في الشرق الأقصى، وصفت إذلال المستعمرين فيها للأهالي بنحو جرهم لعرباتهم، والدوس على رقابهم وظهورهم، وإفساد أنفسهم وأجسادهم بإباحة شرب سموم الأفيون والكحول (الخمور الشديدة السم)، وسلب أموالهم بوسائل نظامية - فذكرت ما تقشعر منه جلود المؤمنين، وتشمئز نفوس الرحماء المهذبين، ومن ذا الذي يستغرب منهم هذا بعد أن علم ما أقدموا عليه في حرب بعضهم لبعض في بلادهم (أوربة) من القسوة والتخريب والتدمير؟ فهم يروون أن قتلى هذه الحرب بلغت عشرة ملايين شاب، والمشوهين المعطلين من الجراح زهاء ثلاثين مليونا، وأن نفقات التدمير قدرت بخمسمائة ألف مليون جنيه إنكليزي، وهي لو أنفقت على إصلاح كل ممالك المعمورة لكفت، ولا تزال الدول الظافرة المسلحة ترهق الذين لا سلاح بأيديهم وتحاول الإجهاز عليهم. فأين هذا من قتال الإسلام وفتوحه المبني على قاعدة كون الحرب ضرورة تقدر بقدرها، ويفترض الإحسان والرحمة بقدر الإمكان فيها؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن مر بامرأتين من اليهود على قتلاهما
"أنزعت الرحمة من قلبك حتى مررت بالمرأتين على قتلاهما؟" وقد شهد لنا المؤرخون المنصفون من الإفرنج بذلك حتى قال بعضهم: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب - يعني المسلمين منهم. اللهم ارحمنا واجعلنا من الراحمين، وأجرنا من شر المفسدين القساة الظالمين.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن كلمة {قريب} وقعت خبرا للرحمة، ومن قواعد النحو أن يكون الخبر مطابقا للمبتدإ في التذكير والتأنيث بأن يقال هنا " قريبة "وقد ذكروا في تعليل هذا التذكير هنا وتوجيهه بضعة عشر وجها ما بين لفظي ومعنوي، بعضها قريب من ذوق اللغة وبعضها تكلف ظاهر. (منها) أن التذكير والتأنيث هنا لفظي لا حقيقي فلا تجب فيه المطابقة، وفيه أن الأصل فيه المطابقة فلا تترك في الكلام الفصيح إلا لنكتة. (ومنها). ولك أن تجعله نكتة جامعة بين التوجيه اللفظي والمعنوي - أن معنى الرحمة هنا مذكر. قيل: هو المطر. وهو ضعيف. والصواب أن معناها الإحسان العام لأنها في هذا المقام صفة فعل لا صفة ذات، إذ لا معنى لقرب الصفات الإلهية الذاتية من المخلوقين، فيكون المعنى: أن إحسان الله قريب من المحسنين، ويؤكده ما فيه من التناسب بين الجزاء والعمل كما قلنا في تفسير الجملة، ويؤيده حديث
"الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمر، ووقع لنا مسلسلا عن شيخنا القاوقجي على أنه قد ورد في التنزيل { لعل الساعة قريب } [الشورى: 17] و { لعل الساعة تكون قريبا } [الأحزاب: 63] وقد يعلله فيهما برعاية الفاصلة من يقول بها وهم الجمهور. (ومنها) أن {قريب} في هذه الآيات بمعنى اسم المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث.
وقد يقال: إن المراد أنه تعالى قريب برحمته من المحسنين، كما أنه قريب بعلمه وإجابته من الداعين. وكثيرا ما يعطى المضاف صفة المضاف إليه وضميره، ومهما يقل فالاستعمال قد ورد في أفصح الكلام العربي وأعلاه، فمن أعجبه شيء مما عللوه به لطرد قواعدهم قال به، ومن لم يعجبه منها شيء فليقل إن هذا من السماعي، وما هو ببدع في هذه اللغة ولا في غيرها.