التفاسير

< >
عرض

وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ
٨٠
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ
٨١
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
٨٢
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٨٣
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ
٨٤
-الأعراف

تفسير المنار

قصة لوط عليه السلام
خير ما يعرف به لوط عليه السلام أنه ابن أخي إبراهيم خليل الرحمن (صلى الله على نبينا وعليهما وسلم) كما في كتب الأنساب وسفر التكوين، وفيه أن اسم والده (حاران) وأنه ولد في (أور الكلدانيين) وهي في طرف الجانب الشرقي من جنوب العراق الغربي من ولاية البصرة - وكانت تلك البقعة تسمى أرض بابل. وأنه بعد موت والده سافر مع عمه إبراهيم صلى الله عليهما وسلم إلى ما بين النهرين الذي كان يسمى جزيرة قورا، ومنه ما يسمى الآن بجزيرة ابن عمر وهو مكان تحيط به دجلة فقط (وهنالك كانت مملكة أشور) فإلى أرض كنعان من سورية. ثم أسكنه إبراهيم في شرق الأردن باختياره لها لجودة مراعيها، وكان في ذلك المكان - المسمى بعمق السديم بقرب البحر الميت الذي سمي ببحر لوط أيضا - القرى أو المدن الخمس: سدوم وعمورة وأدمة وصبوبيم وبالع التي سميت بعد ذلك صوغر لصغرها، فسكن لوط عليه السلام في عاصمتها سدوم التي كانت تعمل الخبائث، ولا يعلم أحد الآن أين كانت تلك القرى من جوار بحر لوط إذ لو لم يوجد من الآثار ما يدل عليها، فمن المؤرخين من يظن أن البحر غمر موضعها ولا دليل على ذلك. وكانت عمورة تلي سدوم في الكبر وفي الفساد، وهما اللتان يحفظ اسمهما الناس إلى الآن.
واسم لوط مصروف وإن كان أعجميا لكونه ثلاثيا ساكن الوسط كنوح، وقال بعض المفسرين: إنه عربي من مادة لاط الشيء بالشيء لوطا أي لصق به، ولكن بعض أهل الكتاب يقول: إن معنى كلمة لوط بالعبرانية " ستر " فهي من الكلمات التي تختلف معنى مادتها العربية عن مادتها العبرية والسريانية أختي العربية الصغريين، على أنه يقرب منه فإن اللصوق ضرب من الستر. ويراجع ما ذكرناه في لغة إبراهيم في تفسير الآية (74 س 6) [ص 445 وما بعدها ج 7 ط الهيئة] قال تعالى:
{ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة} النسق الذي قبل هذا يقتضي أن يكون المعنى: وأرسلنا لوطا - ولكن حذف هنا متعلق الإرسال وركنه الأول وهو توحيد العبادة للعلم به مما قبله ومما ذكر في غير هذه السورة، أي أرسلناه في الوقت الذي أنكر على قومه فعل الفاحشة فيما بلغهم من دعوى الرسالة، وقيل: إن لوطا منصوب بفعل مقدر، أي واذكر لوطا إذ قال لقومه موبخا لهم: أتفعلون الفعلة البالغة منتهى القبح والفحش؟ {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} بل هي من مبتدعاتكم في الفساد، فأنتم فيها قدوة سوء، فعليكم وزرها ومثل أوزار من يتبعكم فيها إلى يوم القيامة. فالجملة استئناف نحوي أو بياني يؤكد التوبيخ ببيان أنه فساد مخالف لمقتضى الفطرة ولهداية الدين معا، و " الباء " في قوله: {بها} للتعدية أو الملابسة أو الظرفية - أقوال. وقوله: {من أحد} يفيد تأكيد النفي وعمومه المستغرق لكل البشر على الظاهر المتبادر وإن كان اللفظ يصدق بعالمي زمانهم، ولكونهم هم المبتدعين لها اشتق العرب لها اسما من لوط فقالوا لاط به لواطة.
{إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} استئناف بياني مفسر للإتيان المجمل الذي قبله. والإتيان كناية عن الاستمتاع الذي عهد بمقتضى الفطرة بين الزوجين تدعو إليه الشهوة ويقصد به النسل، وتعليله هنا بالشهوة وتجنب النساء بيان لخروجهم عن مقتضى الفطرة، وما اشتملت عليه هذه الغريزة من الحكمة التي يقصدها الإنسان العاقل والحيوان الأعجم. فسجل عليهم بابتغاء الشهوة وحدها أنهم أخس من العجماوات وأضل سبيلا، فإن ذكورها تطلب إناثها بسائق الشهوة لأجل النسل الذي يحفظ به نوع كل منها، ألا ترى أن الطير والحشرات تبدأ حياتها الزوجية ببناء المساكن الصالحة لنسلها في راحته وحفظه مما يعدو عليه - من عش في أعلى شجرة أو وكنة في قلة جبل أو جحر في باطن الأرض أو غيل في داخل أجمة أو حرجة؟ - وهؤلاء المجرمون لا غرض لهم إلا إرضاء حس الشهوة وقضاء وطر اللذة.
ومن قصد الشهوات لذاتها، تمتعا بلذاتها، دون الفائدة التي خلقها الله تعالى لأجلها، جنى على نفسه غائلة الإسراف فيها، فانقلب نفعها ضرا، وصار خيرها شرا، يجعل الوسيلة مقصدا، وصيرورة الإسراف فيه خلقا؛ إذ الفعل يكون حينئذ عن داعية ثابتة لا عن علة عارضة، فلا يزال صاحبه يعاوده حتى يكون ملكة راسخة له، فتكرار العمل يكون الملكة، والملكة تدعو إلى تكرار العمل والإصرار عليه، وهذا وجه إضراب الانتقال من إسناد إتيان الفاحشة إليهم بفعل المضارع المفيد للتكرار والاستمرار إلى إسناد صفة الإسراف إليهم بقوله:
{بل أنتم قوم مسرفون} أي لستم تأتون هذه الفاحشة المرة بعد المرة بعد ندم وتوبة عقب كل مرة، بل أنتم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم لا تقفون عند حد الاعتدال في عمل من الأعمال، ففي سورة العنكبوت مكان هذه الآية - وما قبلها عين ما قبلها -
{ أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر } [العنكبوت: 29] وفي سورة الشعراء مكان هذا الإضراب هنا: { بل أنتم قوم عادون } [الشعراء: 166] أي متجاوزون لحدود الفطرة وحدود الشريعة، فهو بمعنى الإسراف، وفي سورة النمل: { بل أنتم قوم تجهلون } [النمل: 55] وهو يشمل الجهل الذي هو ضد العلم، والجهل الذي هو بمعنى السفه والطيش. ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مرزئين بفساد العقل والنفس، بجمعهم بين الإسراف والعدوان والجهل، فلا هم يعقلون ضرر هذه الفاحشة في الجناية على النسل وعلى الصحة وعلى الفضيلة والآداب العامة ولا غيرها من منكراتهم - فيجتنبوها أو يجتنبوا الإسراف فيها - ولا هم على شيء من الحياء وحسن الخلق يصرفهم عن ذلك.
وما كان العلم بالضرر وحده ليصرف عن السوء والفساد، إذا حرم صاحبه الفضائل ومكارم الأخلاق، بل الفضائل الموهوبة بسلامة الفطرة، عرضة للفساد بسوء القدوة، إلا إذا رسخت بالفضائل المكسوبة بتربية الدين، فإننا نعلم أن هذه الفاحشة فاشية بين أعرف الناس بمفاسدها ومضارها في الأبدان والأنفس ونظام الاجتماع من المتعلمين على الطريقة المدنية العصرية، حتى الباحثين في الفلسفة منهم،
فقد بلغني عن بعضهم أنه قال لأخدانه: إن هذه الفعلة لا تحدث نقصا في النفس الناطقة!! ونقول: يا لها من فلسفة فاسقة أليسوا يستخفون بها من الناس حتى أشدهم استباحة للشهوات كالإفرنج لكي لا ينتقصوهم ويمتهنوهم؟ أو ليسوا بذلك يشعرون بنقص أنفسهم الناطقة ودنسها، فإن لم يشعر الفاعل، أفلا يشعر القابل؟ بلى ولكن قد يجهل كثير من الأحداث الذين يخدعون عن أنفسهم بهذه الفاحشة أنهم يصابون بداء الأبنة، حتى إذا كبر أحدهم وصار لا يجد من الفساق من يرغب في إتيانه للاستمتاع به يبحث هو في الخفاء عمن يؤجر نفسه لهذا العمل من تحوت الفقراء وأراذل الخدم، فيجعل له جعلا أو راتبا على إتيانه، وهو لا يلبث أن يعاف هذا المنكر أو يعجز عن إرضاء صاحبه {المهين عنده المحترم عند من لا يعرف حاله} فينشد المأبون غيره، ولا يزال يذل ويخزى في مساومة أفراد هذه الطبقة السفلى على نفسه حتى يفتضح أمره في البلد، ويشتهر بل يشهر بين سائر طبقات الناس، فإن أكثر التحوت الذين يعلونه لا يخجلون من إفشاء سرهم معه؛ ولأنه كثيرا ما يعرض نفسه على من ليس منهم ويراودهم بالتصريح، إذا لم يعرضوا عنه عندما يبدأ به من التعريض والتلويح، أفنسي من ذكرنا من فلاسفة الفسق هذا الخزي؟ أم يرون أنه لا يدنس النفس الناطقة بنقص؟ فقبح اللواطة وفحشها ليس بكونها لذة بهيمية كما قيل، إذ اللذة البهيمية لا قبح فيها لذاتها لأنها مقتضى الفطرة ومبدأ حكمة بقاء النسل، بل فحشها باستعمالها بما يخالف مقتضى الفطرة وحكمتها، وبما يترتب عليها من المضار البدنية والاجتماعية والأدبية الكثيرة.
{وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} أي وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار والنصيحة شيئا مما يدخل في باب الحجة ولا الاعتذار، ولا غير ذلك مما اعتيد في الجدال، ما كان إلا الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم، وتعليل ذلك بأنهم أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتهم في رجسهم، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنهم مع هذه المباينة، فإن الناقص يستثقل معاشرة الكامل الذي يحتقره وفي سورة الشعراء أنهم أنذروه هذا الإخراج، إذا هو لم ينته عن الإنكار.
(فإن قيل): إنه لم يسبق ذكر لمن آمن معه فيعود إليهم ضمير (أخرجوهم).
(قلنا): إن هذا مما يعرف بالقرينة، وقد صرح به في آية النمل ففيها:
{ أخرجوا آل لوط } [النمل: 56] بدل أخرجوهم والباقي سواء، إلا العطف في أولها بالفاء، كآية العنكبوت التي اختلف فيها الجواب، وهي: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } [العنكبوت: 29] والقرآن يفسر بعضه بعضا، ومتى كان الكلام مفهوما كان صحيحا فصيحا وإن أشكل على جامدي النحاة وإعرابه كما سبق نظيره.
(فإن قيل): إن في حكاية الجوابين تعارضا في المعنى محكيا بصيغة النفي والإثبات فيهما، فكيف وقع هذا في كتاب الله تعالى وما الذي يدفع هذا التعارض؟ (قلنا): إنه لا تعارض ولا تنافي بين الجوابين؛ لحملهما على الوقوع في وقتين. ولا شك أنه كان ينهاهم كثيرا، فكان يسمع في كل وقت كلاما ممن حضر منهم، وقد قلنا: إن قصص القرآن لم يقصد بها سرد حوادث التاريخ بل العبرة والموعظة، فيذكر في كل سورة من القصة الواحدة من المعاني والمواعظ ما لا يذكر في الأخرى، ومجموعها هو كل ما أراد الله تعالى أن يعظ به هذه الأمة. فمن المعهود أن الرسل عليهم السلام - وكذا غيرهم من الوعاظ الذين ينهون الضالين والمجرمين عن المنكر - يكررون لهم الوعظ بمعان متقاربة،
ويسمعون منهم أجوبة متشابهة، وقد يقول بعضهم ما لا يقول غيره فيعجبهم ويقرونه عليه فيسند إليهم كلهم. كما يسند إليهم فعل الواحد منهم إذا رضوه وأقروه عليه ولو بعد فعله، كما تقدم آنفا في إسناد عقر الناقة إلى قوم صالح وإنما عقرها واحد منهم، وقد حكى الله تعالى من قول رسوله لوط عليه السلام لقومه في سورة العنكبوت ما لم يحكه في سورتي الأعراف والنمل، فزاد على إتيانهم الرجال قطع السبيل، وإتيانهم المنكر في النادي الحافل، والمجلس الحاشد. فكأنهم ضاقوا به حينئذ ذرعا واستعجلوه العذاب الذي أنذرهم إذا أصروا على عصيانه، والأظهر أن هذا كان بعد أمرهم بإخراجه. وأن التوعد بالإخراج كان قبل الأمر به والله أعلم.
فإن قيل: هذا مقبول لأن مثله معهود معروف، ولكن ما وجه بدء جملة الجواب بالواو تارة وبالفاء أخرى، وما وجه اختصاص كل منهما بموضعه؟
قلنا: إن عطف الجملة على ما قبلها بكل من " الواو " و " الفاء " جائز، إلا أن في " الفاء " زيادة معنى؛ لأنها تفيد ربط ما بعدها بما قبلها بما يقتضي وجوب تلوه له، فهو جماع معانيها العامة من التعقيب والسببية وجزاء الشرط، والأصل العام في هذا الارتباط أن يكون ما بعد الفاء أثرا لفعل وقع قبله، وكل من آيتي النمل والعنكبوت جاء بعد إسناد فعل إلى القوم، وهو قوله في الأولى:
{ بل أنتم قوم تجهلون } [النمل: 55] وفي الثانية: { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر } [العنكبوت: 29] فلذلك عطف الجواب على ما بعدهما بالفاء.
وأما آية الأعراف فقد جاءت بعد جملة اسمية وهي قوله: {بل أنتم قوم مسرفون} وإسناد صفة الإسراف إليهم فيها مقصود بالذات دون ما قبله من فعل الفاحشة الذي كان بتكراره علة لهذه الصفة، وكان الإصرار عليه معلولا لها. وثم وجه آخر لعطف هذه بالواو مبني على ما استظهرناه من كون الأمر بإخراجه عليه السلام من بعضهم قد كان بعد الإنذار والوعيد به من آخرين منهم، فكان بهذا في معنى المعطوف عليه - فكأنه قال: فما كان جواب قومه إلا أن قال بعضهم: لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين، وأن قال بعضهم: أخرجوا آل لوط من قريتكم. وردده آخرون: أخرجوهم من قريتكم. وهذه الدقة في اختلاف التعبير في المواقع المتحدة أو المتشابهة لأمثال هذه النكت لا تجدها مطردة إلا في كتاب الله تعالى، وهي من إعجازه اللفظي ولذلك يغفل عنها أكثر المفسرين. لا تجدها مطردة إلا في كتاب الله تعالى، وهي من إعجازه اللفظي ولذلك يغفل عنها أكثر المفسرين.
بعد كتابة ما تقدم راجعت (روح المعاني) فإذا هو يقول: وإنما جيء بالواو في {وما كان} إلخ. دون الفاء كما في النمل والعنكبوت لوقوع الاسم قبل الفعل هنا والفعل هناك، والتعقيب بالفعل بعد الفعل حسن دون التعقيب به بعد الاسم، وفيه تأمل اهـ ولعمري إنه جدير بالتأمل للفظه الذي أورده به أولا ولمعناه بعد فهمه ثانيا، فإن ظهر للمتأمل أن وجه الحسن في التعقيب ما بسطناه انتهى تعب التأمل بالقبول إن شاء الله ولم يكن عبثا، وإلا كان حظه منه كد الذهن وإضاعة الوقت معا، وما كتبت هذه النكتة، إلا لأقول فيها هذه الكلمة، وأنى بذكاء أصحاب الإيجاز المخل من المتعجبين، وإن قل من ينتفع بعلمهم من الصابرين، وسيقل عددهم في هذه الأمة كما قل في غيرها من الأمم التي عرفت قيمة العمر، فضنت به أن يضيع جله في حل رموز زيد وعمرو.
{فإن قيل}: إن المعهود من أهل الرذائل أن ينكروها أو يسموها بغير اسمها ويألمون ممن يعيرهم بها لما جبل الله عليه البشر من حب الكمال وكره النقص، فكيف علل قوم لوط إخراجه هو ومن آمن معه بأنهم يتطهرون ويتنزهون من أدران الفواحش، وهو شهادة لهم بالكمال وشهادة على أنفسهم بالنقص؟.
(فالجواب): ما قال الزمخشري فيه وهو أنه: سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخارهم بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: ابعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد اهـ. ومثله معهود من المجاهرين بالفسق، وللنقص والرذائل دركات، كما أن للكمال والفضائل درجات، فأولاها أن يلم بالرذيلة وهو يشعر بقبحها، ويلوم نفسه عليها، ثم يتوب إلى ربه منها، ويليها أن يعود إليها المرة بعد المرة مستترا مستخفيا، ويليها أن يصر عليها، حتى يزول شعوره بقبحها، ويليها أن يجهر بها، ويكون قدوة سيئة للمستعدين لها، ويليها أن يفاخر بها أهلها، ويحتقر من يتنزهون عنها، وهذه أسفل الدركات، وهي درجة قوم لوط، ولا يهبط إليها ولا بسف من يؤمن بالله واليوم الآخر، بل وصف الله المؤمنين بأنهم إذا عملوا السيئات يعملونها بجهالة ثم يتوبون من قريب، وأنهم لا يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.
{فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي فأنجيناه وأهل بيته الذين آمنوا معه، ولذلك استثنى منهم امرأته فإنها لم تؤمن به، بل خانته بولاية قومه الكافرين الفاسقين عليه، فكانت من جماعة الغابرين أي الهالكين، أو الباقين الذين نزل بهم العذاب في الدنيا ويليه عذاب الآخرة. يقال: غبر بمعنى بقى وبمعنى مضى وذهب وهلك. ومن قال من المفسرين إن أهله هم الذين آمنوا به سواء كانوا من ذوي قرابته أم لا، فقد غفل عن قوله تعالى في سورة الذاريات:
{ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } [الذاريات: 35، 36].
{وأمطرنا عليهم مطرا} أي أرسلنا عليهم مطرا عجيبا أمره، وهو الحجارة التي رجموا بها. قال الزمخشري في الكشاف: الفرق بين مطر وأمطر أن معنى مطرتهم السماء أصابتهم بالمطر، كقولهم غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم. ويقال: أمطرت عليهم كذا - بمعنى أرسلته عليهم إرسال المطر اهـ. وعن بعض أئمة اللغة أن مطر وأمطر بمعنى واحد كما في الصحاح. وقال آخرون: إن " مطر " لا يستعمل إلا في الرحمة و " أمطر " لا يستعمل إلا في العذاب. نقل هذا عن أبي عبيدة وتبعه الراغب والفيروزابادي في القاموس،
والتحقيق أنه يقال: مطرتهم السماء وأمطرتهم، وسماء ماطرة وممطرة - قاله الزمخشري في حقيقة المادة من أساس البلاغة، ثم قال: ومن المجاز أمطر الله عليهم الحجارة اهـ. فالأمطار حقيقة في المطر مجاز فيما يشبهه في الكثرة من خير وشر حسيين أو معنويين مما يجيء من السماء أو من الأرض. وما قال من قال: إنه خاص بالشر، إلا من تكرر الآيات في إرسال الحجارة على قوم لوط، وقوله تعالى حكاية عن بعض كفار قريش:
{ وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } [الأنفال: 32] وغفلوا عن قوله في سورة الأحقاف: { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا } [الأحقاف: 24].
نحن نؤمن بهذه الآية كما وردت في سور القرآن ولا نقول في حقيقتها وصفتها قولا جازما، ولكن يجوز عقلا أن يكون سبب إمطار الحجارة على قوم لوط إرسال إعصار من الريح حملتها وألقتها عليهم ومثل هذا معهود، وقد أخبرنا بعض أهل ساحل البحر أن السماء أمطرت عليهم مرة طينا ومرة سمكا - أي مع المطر - وسألوا: من أين جاء ذلك؟ فقلنا: أما التراب فأثارته السافياء من الريح فحملته إلى السحاب فنزل مع المطر طينا، وأما السمك فهذا الإعصار الذي يرى متدليا من السحاب إلى البحر أو مرتفعا من البحر إلى السحاب كعمود من الدخان وتسمونه التنين، هو الذي يرفع الماء من البحر إلى السحاب، فاتفق أن كان فيما رفعه سمك حملته الريح إليكم لقربكم من البحر.
ويحتمل أن تكون تلك الحجارة من بعض النجوم المحطمة التي يسميها الفلكيون الحجارة النيزكية، وهي بقايا كوكب محطم تجذبه الأرض إليها إذا صارت بالقرب منها، وهي تحترق غالبا من سرعة الجذب وشدته وهي الشهب التي ترى في الليل، فإذا سلم منها شيء من الاحتراق ووصل إلى الأرض ساخ فيها، وكان لسقوطه صوت شديد، وقد اهتدى الناس إلى بعض هذه الحجارة ووضعوها في المتاحف، ولم يعهد أن تكون كثيرة، والآيات تخالف المعهود وتخترق المعتاد وإن كانت موافقة لسنن خفية في الكون بفعل الله عز وجل. وفي سورتي هود والحجر أنها حجارة من سجيل مسومة.
واختلف رواة التفسير في تفسير السجيل، قال مجاهد: هو بالفارسية أولها حجارة وآخرها طين، وفي قوله:
{ مسومة } [هود: 83] قال: معلمة. ومثله عن شيخه ابن عباس رضي الله عنه قال: حجارة فيها طين، وقال: السوم بياض في حمرة، وقال الراغب: والسجيل حجر وطين مختلط وأصله فيما قيل فارسي معرب اهـ. وهذا يرجح الوجه الأول، وهو كون تلك الحجارة من الأرض وقلعتها الأعاصير من أرض رطبة من المطر أو غيره، وحجارة النيازك لا تكون إلا جافة، بل تسقط حامية من شدة الجذب ثم تبرد. وقال الأستاذ الإمام في تفسير سورة الفيل: السجيل طين متحجر. والصواب الأول، وأنه فارسي الأصل. وسنعود إلى هذا البحث في تفسير سورة هود إن شاء الله تعالى، وفيها أن الله تعالى جعل عالي تلك القرى سافلها، ونبين أن وقوع هذا وذاك بالسنن الإلهية الجلية أو الخفية لا ينافي كونها آية.
{فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} الخطاب لكل من يسمع القصة أو يقرؤها من أهل النظر والاعتبار، والمراد: أن يعلم أن عاقبة القوم المجرمين لا تكون إلا وبالا وعقابا، فإن الأمم تعاقب على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة باطراد. وقد بينا من قبل أن عقابها إما أن يكون أثرا طبيعيا للذنب كالترف والسرف في الفسق يفسد أخلاق الأمة ويذهب ببأسها، أو يجعله بينها شديدا بتفرق كلمتها واختلاف أحزابها وتعاديهم، فيترتب على ذلك تسلط أمة أخرى عليها تستذلها بسلب استقلالها، وتسخيرها في منافعها، حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين بذهاب مقوماتها ومشخصاتها، أو اندغامها في الأمة الغالبة أو انقراضها، وإما أن يكون بما يحدث بسنن الله تعالى في الأرض من الجوائح الطبيعية كالزلازل والخسف وإمطار النار والمواد المصطهرة التي تقذفها البراكين من الأرض والأوبئة - أو الانقلابات الاجتماعية كالحروب والثورات والفتن. وهنالك نوع ثالث وهو ما كان من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام وقد انقضى زمانه بختمهم بنبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. راجع تفسير
{ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } [الأنعام: 65] [ص408 وما بعدها ج 7 ط الهيئة].
حظر اللواطة والعقاب عليها ومفاسدها
أجمع العلماء على أن اللواطة من كبائر المعاصي لأن الله تعالى سماها فاحشة وخبيثة، وقد وردت عدة أحاديث في لعن فاعلها عند النسائي، وابن حبان، وصححه الطبراني والبيهقي وصحح بعضها الحاكم، وهي على كل حال يؤيد بعضها بعضا في أمر قطعي بالنص معلوم من الدين بالضرورة، وروى الترمذي، وابن ماجه، والحاكم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا:
"إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط" صححه الحاكم وقال الترمذي: حسن غريب. ومن حديثه عند الطبراني "إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو، وإذا كثر الزنا كثر السباء، وإذا كثر اللوطية رفع الله يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا" وإسناده ضعيف،
وروى أحمد وغير النسائي من أصحاب السنن من طريق عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " قال الحافظ ابن حجر في التلخيص واستنكره النسائي ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة وإسناده أضعف من الأول بكثير. ثم قال عن ابن الطلاع في أحكامه تصحيح الحديث ورده بأن حديث أبي هريرة لا يصح، وأن ابن ماجه رواه من طريق عاصم بن عمر العمري بلفظ
"فارجموا الأعلى والأسفل" وقال عاصم متروك وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته انتهى ملخصا.
ولكن الشوكاني قال في حديث ابن عباس إن الحافظ قال: رجاله موثوقون إلا أن فيه اختلافا، وأن الشيخين احتجا بعمرو بن أبي عمير الذي ضعف به ثم ذكر عبارة ابن الطلاع وتعقب الحافظ لها وأورد بعض الأخبار والآثار في ذلك ثم قال في أحكامها ما نصه:
" وقد اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل للواط والمفعول به بعد اتفاقهم على تحريمه وأنه من الكبائر للأحاديث المتواترة في تحريمه ولعن فاعله {أي تواترا معنويا} فذهب من ذكر من الصحابة (يعني الذين استشارهم أبو بكر في المسألة) وعلي (وهو منهم وابن عباس) إلى أن حده القتل ولو كان بكرا سواء كان فاعلا أو مفعولا، وإليه ذهب الشافعي والناصر والقاسم بن إبراهيم واستدلوا بما ذكره المصنف (يعني صاحب المنتقى) من حديث عكرمة عن ابن عباس في رجمه اللوطية، وذكرناه في هذا الباب، وهو بمجموعه ينتهض للاحتجاج به، وقد اختلفوا في كيفية قتل اللوطي فروي عن علي أنه يقتل بالسيف ثم يحرق لعظم المعصية وإلى ذلك ذهب أبو بكر كما تقدم عنه (أي عملا برأي علي في الشورى) وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط، وذهب ابن عباس إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد (أقول: والروايتان ضعيفتان وأهونهما الثانية لأن أبنيتهم كانت واطئة جدا) وقد حكى صاحب الشفاء إجماع الصحابة على القتل، وقد حكى البغوي عن الشعبي والزهري ومالك وأحمد وإسحاق أنه يرجم، ثم ذكر قول من قالوا: إن اللواطة كالزنا فحدهما واحد، وبحث في تخصيص اللوطي بعقاب. وقفى عليه بقوله:
وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم، وذهب أبو حنيفة والشافعي في قول له والمرتضى والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط. ولا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة في خصوص اللوطي، والأدلة الواردة في الزاني على العموم اهـ.
أقول: ومما قاله الحنفية في هذا التعزير أنه يكون بالجلد والحبس في أنتن بقعة، وبالسجن حتى يموت أو يتوب. وقد تقدم في تفسير
{ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } [النساء: 15] الآيتين " 15، 16 " أن أبا مسلم الأصفهاني فسر اللاتي يأتين الفاحشة من النساء بالمساحقات - واللذان يأتيانها من الرجال باللائط والملوط به، وأن الجلال قال: إنها في الزنا واللواط جميعا، وبينا أن الأستاذ الإمام رجح قول أبي مسلم في الآيتين، وهو يوافق قول من قالوا: إن عقاب اللواطة التعزير، ولكن بما فيه إيذاء لا مطلقا، فالتعزير يكون بالقول والفعل وبما فيه تعذيب وما لا تعذيب فيه، [راجع ص 355 - 360 ج 4 ط الهيئة].
ابتلاء مترفي الحضارة بهذه الفاحشة
ليس لدينا أثارة من التاريخ في سبب ابتلاء قوم لوط بهذه الفاحشة، ولكن روى ابن إسحاق عن بعض رواة ابن عباس أن إبليس تزيا لهم في صورة أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه ثم جروا على ذلك. وهذا أثر لا يثبت به شيء. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس أنه كانت لهم ثمار بعضها على ظهر الطريق، وأنه أصابهم قحط وقلة ثمار فتواطئوا على منع ثمارهم الظاهرة أن يصيب منها أبناء السبيل بأن يعاقبوا كل غريب يأخذونه في ديارهم بإتيانه وتغريمه أربعة دراهم، قالوا: فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك. ففعلوه فألفوه.
وإنا لنعلم أن العرب كانت تنزه أنفسها عن هذه الفاحشة في الجاهلية وفي أول الإسلام بالأولى، وما أشرنا إليه آنفا من تشاور الصحابة في العقاب عليها كان سببه أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن وجد رجلا في بعض ضواحي بلاد العرب ينكح كما تنكح المرأة. فجمع لذلك أبو بكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشارهم في هذا الأمر إذ لم يسبق له مثل، فأشار علي كرم الله وجهه بأن يحرق بالنار - أي بعد قتله - كما تقدم فوافقه الصحابة وكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فأمضاه. رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه بإسناد جيد، والمراد بقول خالد رضي الله عنه ضواحي بلاد العرب ما يلي بلاد فارس منها إذ كان هنالك، ولم نعلم جنس ذلك الرجل ولابد أن يكون من الأعاجم. وروى البيهقي عن عائشة: أول من اتهم بالأمر القبيح - تعنى عمل قوم لوط - رجل على عهد عمر فأمر عمر بعض شباب قريش ألا يجالسوه. أي لمجرد التهمة.
هذه الفاحشة من سيئات ترف الحضارة وهي تكثر في المسرفين في الترف، ولا سيما حيث يتعسر الاستمتاع بالنساء، كثكنات الجند، والمدارس التي لا تشتد المراقبة الدينية الأدبية فيها على التلاميذ، ومن أسباب ابتلاء بعض فساق المسلمين بها في عنفوان حضارتهم احتجاب النساء وعفتهن مع ضعف التربة الدينية، وكثرة المماليك من أبناء الأعاجم الحسان الصور والاتجار بهم. قال الفقيه ابن حجر في آخر الكلام على هذه الكبيرة من كتابه الزواجر ما نصه:
" وأجمعت الأمة على أن من فعل بمملوكه فعل قوم لوط من اللوطية المجرمين الفاسقين الملعونين، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد فشا ذلك في التجارة والمترفين، فاتخذوا حسان المماليك سودا وبيضا لذلك، فعليهم أشد اللعنة الدائمة الظاهرة، وأعظم الخزي والبوار والعذاب في الدنيا والآخرة، ما داموا على هذه القبائح الشنيعة الفظيعة، الموجبة للفقر وهلاك الأموال وانمحاق البركات، والخيانة في المعاملات والأمانات؛ ولذلك تجد أكثرهم قد افتقر من سوء ما جناه، وقبيح معاملته لمن أنعم عليه وأعطاه، ولم يرجع إلى بارئه وخالقه، وموجده ورازقه، بل بارزه بهذه المبارزة المبنية على خلع جلباب الحياء والمروءة والتخلي عن سائر صفات أهل الشهامة والفتوة، والتحلي بصفات البهائم بل بأقبح وأفظع صفة وخلة، إذ لا نجد حيوانا ذكرا ينكح مثله، فناهيك برذيلة تعف عنها الحمير، فكيف يليق فعلها بمن هو في صورة رئيس أو كبير؟ كلا بل هو أسفل من قدره، وأشأم من خبره، وأنتن من الجيف، وأحق بالشرور والسرف، وأخو الخزي والمهانة، وخائن عهد الله وماله عنده من الأمانة، فبعدا له وسحقا، وهلاكا في جهنم وحرقا اهـ.
وقال السيد الآلوسي في آخر تفسير هذه القصة من روح المعاني: وبعض الفسقة اليوم - دمرهم الله تعالى - يهونون أمرها ويتيمون بها، ويفتخرون بالإكثار منها، ومنهم من يفعلها أخذا للثأر، ولكن من أين؟ ومنهم من يحمد الله سبحانه عليها مبنية للمفعول، وذلك لأنهم نالوا الصدارة بأعجازهم نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اهـ.
وأقول: إن هذه الفتن بالمرد هي التي حملت بعض الفقهاء على تحريم النظر إلى الغلام الأمرد ولا سيما إذا كان جميل الصورة، أطلقه بعضهم وخصه آخرون بنظر الشهوة الذي هو ذريعة الفاحشة. روى ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الوضين بن عطاء عن بعض التابعين قال: كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى وجه الغلام الجميل - وعن الحسن بن ذكوان أنه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى - وعن النجيب بن السدي قال كان يقال: لا يبيت الرجل في بيت مع المرد - وعن ابن سهل قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل - وعن مجاهد قال: لو أن الذي يعمل ذلك العمل {يعني عمل قوم لوط} اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا.
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال: دخل سفيان الثوري الحمام، فدخل عليه غلام صبيح فقال: أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطانا ومع كل غلام بضعة عشر شيطانا. يعني أن الوسوسة والإغراء بالغلام الجميل يزيد على الإغراء بالمرأة بضعة عشر ضعفا لسهولة الوصول إليه وكثرة وسائله، وهل كان من الممكن أن تدخل المرأة الحمام على الرجال كما دخل ذلك الغلام وكما يدخل النساء في غير بلاد المسلمين، حتى إنهن يتولين تنظيف الرجال في الحمامات. ومن وسائل الافتتان بالمرد التعليم والانتساب إلى طريقة المتصوفة، فيجعل الخير وسيلة إلى الشر، وكم فتن أستاذ من هؤلاء وأولئك بمريده وتلميذه وأخفى هواه حتى فسدت حاله، وساء مآله، وكم تهتك متهتك ففضح سره، واشتهر أمره، كالشيخ مدرك الذي عشق عمرا النصراني أحد التلاميذ الذين كانوا يأخذون عنه علم الأدب، فكتم هواه زمنا حتى غلبه فباح به فانقطع الغلام عن مجلسه فكتب إليه قصيدته المزدوجة المشهورة التي قال فيها:

إن كان ذنبي عنده الإسلام فقد سعت في نقضه الآثام
واختلت الصلاة والصيام وجاز في الدين له الحرام

وجملة القول في هذه الفاحشة أنها: 1 جناية على الفطرة البشرية. 2 مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوة لأنها تنال بسهولة. 3 مذلة للرجال بما تحدثه فيهم من داء الأبنة، وقد أشرنا آنفا إلى ما فيه من خزي ومهانة. 4 مفسدة للنساء اللواتي تصرف أزواجهن عنهن، حتى يقصروا فيما يجب عليهم من إحصانهن، حدثني تاجر أنه دخلت دكانه مرة امرأة بارعة الجمال فأسفرت عن وجهها فقام لخدمتها دون أعوانه، فلما رأته دهش بروعة حسنها قالت له: انظر أتجد في عيبا؟ قال: إنى لم أر مثلك قط؟ قالت: ولكن زوجي فلانا يتركني عامة لياليه كالشيء اللقا (هو الذي يلقى ويرمى لعدم الانتفاع به) في غرف الدار ويلهو عني في الدور السفلي بغلمان الشوارع حتى مساحي الأحذية، وهو لا يشكو مني شيئا من خلق ولا خلق ولا تقصير في عمل ولا خيانة في مال ولا عرض على أنه يعلم أنني أعلم هذا ولا يبالي به ولا يحسب حسابا لعواقبه.
ومن البديهي أنه يقل في النساء من تصبر على هذا الظلم طويلا في مثل هذه البلاد (المصرية) التي تروج في مدنها أسواق الفسق بما له فيها من المواخير السرية والجهرية، وأما المدن التي يعسر فيها السفاح واتخاذ الأخدان فكثيرا ما يستغني فيها النساء بالنساء كما يستغني الرجال بالغلمان كما نقل عن نساء قوم لوط، فقد روي عن حذيفة رضي الله عنه إنما حق القول على قوم لوط حين استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال وعن أبي جعفر قال قلت لمحمد بن علي: عذب الله نساء قوم لوط بعمل رجالهم؟ قال الله أعدل من ذلك: استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال. أبو جعفر هو الإمام محمد الباقر ومحمد بن علي هو ابن الحنفية.
5 قلة النسل بفشوها، فإن من لوازمها الرغبة عن الزواج في إتيان الأزواج في غير مأتى الحرث. وقد وردت أحاديث كثيرة في حظر إتيان النساء في غير سبيل النسل ولعن فاعل ذلك، وهو من عمل قوم لوط، وسماه بعض العلماء اللوطية الصغرى.
6 أنها ذريعة للاستمناء ولإتيان البهائم وهما معصيتان قبيحتان شديدتا الضرر في الأبدان والآداب، ومحرمتان كاللواطة والزنا في جميع الأديان، وذلك مما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن رسوله لوط عليه السلام: {إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} فقصد الشهوة لذاتها يفضي إلى وضعها في غير موضعها، وإنما موضعها الزوجة الشرعية المتخذة للنسل، وفي الحياة الزوجية الشرعية إحصان كل من الزوجين الآخر بقصر لذة الاستمتاع عليه وجعله وسيلة للحياة الوالدية التي تنمى بها الأمة ويحفظ النوع البشري من الزوال. والخروج عن ذلك إلى جعل الشهوة مقصدا يكثر من وسائلها ما كان أقرب منالا وأقل كلفة، فإذا اعتيد استغنى به عن غيره، ومفاسد ذلك فوق ما وصفنا.