التفاسير

< >
عرض

فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ
٦
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ
٧
وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
٨
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ
٩
-الأعراف

تفسير المنار

بينا في تفسير الآيتين اللتين قبل هذه الآيات: أنهما بدء للإنذار - بعد بيان أصل الدعوة إلى الإسلام - بالتذكير بعذاب الأمم التي عاندت الرسل في الدنيا، وهذه الآيات تذكير بعذابهم في الآخرة، قفى به على تخويف قوم الرسول من مثل ذلك العذاب العاجل، بتخويفهم مما يعقبه من العذاب الآجل، وهو الحساب والجزاء في الآخرة.
{فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} عطف هذا على ما قبله بالفاء لأنه يعقبه ويجيء بعده، إذ كان ذلك العذاب المعبر عنه باليأس آخر أمرهم في الدنيا. وقيل: إن " الفاء " هنا هي التي يسمونها الفصيحة، وقد أكد الخبر بلام القسم ونون التوكيد، لأن المخاطبين من العرب في أول الدعوة كانوا ينكرون البعث والجزاء، ولتأكيد الخبر تأثير في الأنفس ولا سيما خبر المشهور بالأمانة والصدق كالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كانوا يلقبونه قبل البعثة بالأمين، والمراد بالذين أرسل إليهم جميع الأمم التي بلغتها دعوة الرسل، يسأل تعالى كل فرد منهم في الآخرة عن رسوله إليه وعن تبليغه لآياته، وبماذا أجابوهم وما عملوا من إيمان وكفر، وخير وشر، ويسأل المرسلين عن التبليغ منهم والإجابة من أقوامهم.
بين هذا الإجمال في آيات منها قوله تعالى في سورة الأنعام:
{ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا } [الأنعام: 130] وفي سورة القصص: { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } [القصص: 65] وفي سورة العنكبوت: { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } [العنكبوت: 13] ومثله في سورة النحل: { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون } [النحل: 56] وهو ما ابتدعوه في الدين كجعلهم لمعبوداتهم نصيبا مما رزقوا من الحرث والأنعام، يتقربون إليهم بها بنذر أو غيره، ويتقربون بهم إلى الله كما تقدم في سورة الأنعام، ومنه ما ينذره القبوريون لأوليائهم، وأعم منه قوله تعالى في النحل أيضا: { ولتسألن عما كنتم تعملون } [النحل: 93] وهو خطاب لجميع الناس، ومثله في التأكيد والعموم قوله في سورة الحجر: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } [الحجر: 92، 93] ومنه في السؤال عن المشاعر الظاهرة والباطنة: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } [الأعراف: 36] وقال تعالى في سؤال الرسل: { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } [المائدة: 109] وتقدم تفسيره في الجزء السابع.
قال ابن عباس في تفسير الآية: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلغوا. ونحوه عن سفيان الثوري، وقيل: إن " الذين أرسل إليهم " هم الأنبياء المرسلون، و " المرسلين " هم الملائكة الذين نزلوا عليهم بالوحي، وفي رواية: جبريل خاصة، وهو خلاف الظاهر: فإن الرسل يسألون ليكونوا شهداء على أقوامهم كما قال تعالى:
{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [النساء: 41] ولا حاجة إلى شهادة الملائكة على الرسل لئلا ينكروا الرسالة، فما هي ذنب يتوقع إنكاره منهم لو لم يكونوا معصومين من ذلك.
وفي السؤال العام وما يسأل عنه الناس أحاديث سيأتي بعضها.
فإن قيل: هذه الآيات تثبت السؤال العام يوم القيامة وهو يشمل العقائد والأعمال وهي حسنات وسيئات، فما معنى قوله تعالى في سورة القصص:
{ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } [القصص: 78] وفي سورة الرحمن: { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } [الرحمن: 39] قلنا: قد أجاب المفسرون عن ذلك بأجوبة أشرنا في تفسير آية الأنعام [الأنعام: 129] إلى بعضها، وهو أن للقيامة مواقف يعبر عنها باليوم والسؤال والجواب والاعتذار يكون في بعضها دون بعض.
والصواب أن نفي السؤال عن الذنب في آية الرحمن لا إشكال فيه لأن ما بعد الآية يفسرها بأن المراد لا يسأل أحد عن ذنبه لأجل أن يعرف المجرم ويمتاز من غيره، إذ قال بعدها:
{ يعرف المجرمون بسيماهم } [الرحمن: 41] وهو استئناف بياني، كأنه قيل: لم لا يسألون وبم يعرف المجرمون منهم ويمتازون من المسلمين؟ فقال: {يعرف المجرمون بسيماهم} ولا مندوحة عن حمل آية القصص على هذا المعنى وهو مروي عن ابن عباس كالأول، وروي عنه أيضا أن المذنب لا يسأل عن ذنبه هل أذنبت أو هل فعلت كذا من الذنوب؟ أي لأن الله تعالى أعلم منه بذنوبه وقد أحصاها عليه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو يجد ما عمل حاضرا في كتابه متمثلا في نفسه، معروضا لها فيما يشهد عليه من أعضائه وجوارحه - وإنما يسأله لم عمل كذا - أي بعد أن يعرف به، وهو يتفق مع تفسيره هنا لقوله عز وجل:
{فلنقصن عليهم بعلم} قال: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. وأصل القص تتبع الأثر، فيكون بالعمل كقوله تعالى حكاية عن أم موسى:
{ وقالت لأخته قصيه } [القصص: 11] وبالقول، ومنه: { نحن نقص عليك أحسن القصص } [يوسف: 3] وهي الأخبار المتتبعة كما حققه الراغب فليس كل خبر قصصا، أي فلنقصن على الرسل وعلى أقوامهم الذين أرسلوا إليهم كل ما وقع من الفريقين قصصا بعلم منا، يحيط بكل ما كان منهم لا يعزب عنه مثقال ذرة، أو عالمين بكل ما كان منهم
وما كتبه الكرام الكاتبون عنهم {وما كنا غائبين} عنهم في حال من الأحوال ولا وقت من الأوقات، بل كنا معهم نسمع ما يقولون ونبصر ما يعملون، ونحيط علما بما يسرون ويعلنون، كما قال:
{ وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا } [النساء: 108] فالسؤال لأجل البيان والإعلام، لا لأجل الاستبانة والاستعلام، وهذا القصص هو الذي يكون به الحساب ويتلوه الجزاء، والآيات والأحاديث في بيانه كثيرة.
أما الآيات فتأتي في مواضعها، وأما الأحاديث فمنها حديث ابن عمر المتفق عليه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم
"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام يسأل عن الناس، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده" وورد بألفاظ أخرى. وفي معناه ما رواه الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فأعدوا للمسائل جوابا قالوا: وما جوابها؟ قال: أعمال البر" وفي معناه ما رواه من حديث عبد الله بن مسعود "إن الله سائل كل ذي رعية عما استرعاه أقام أمر الله فيهم أم ضيعه. حتى إن الرجل ليسأل عن أهل بيته"
وما رواه في الكبير عن المقدام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يكون رجل على قوم إلا جاء يقدمهم يوم القيامة بين يديه راية يحملها وهم يتبعونه، فيسأل عنهم ويسألون عنه" ومنها ما رواه في الأوسط من حديث أنس "أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وإن فسدت فقد خاب وخسر" وما رواه هو والبزار والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا "ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا وأدخله الجنة برحمته - قالوا: وما هي قال - تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك"
وروى أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت في سبيلك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار - ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" .
وروى الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعا وقال حسن صحيح: "لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه" وروي نحوه عن ابن مسعود بلفظ "لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم" وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث حسين بن قيس، وحسين يضعف في الحديث اهـ. وهذه الرواية تذكر كثيرا في بعض خطب الجمعة وذكر السفاريني في شرح عقيدته أن البزار والطبراني روياه به من حديث معاذ بسند صحيح بلفظ "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال" إلخ.
وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعا " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " علم عليه السيوطي في الجامع الصغير بالصحة. وقال الترمذي بعد ذكره - وآخره عنده" وتمنى على الله " - هذا حديث حسن، ومعنى " دان نفسه " حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة، ويروى عن عمر بن الخطاب قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخفف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا اهـ.
ولما كان الجزاء على حسب الأعمال وهي متفاوتة تنضبط وتقدر بالوزن وإقامة الميزان. قال عز وجل.
{والوزن يومئذ الحق} قال الراغب: الوزن معرفة قدر الشيء. يقال وزنته وزنا وزنة. والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسط والقبان اهـ. وتفسيره الوزن بالمعرفة تساهل، وإنما هو عمل يراد به تعرف مقدار الشيء بالآلة التي تسمى الميزان وهو مشتق منه، وبالقسطاس وهو من القسط ومعناه النصيب العادل أو بالعدل كما قال الراغب، وأطلق على العدل مجازا، وكذا الميزان ومنه قوله تعالى:
{ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } [النساء: 17] وقوله في الرسل كافة: { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } [الحديد: 25]
ومن كلام العرب استقام ميزان النهار. إذا انتصف. وليس لفلان وزن - أي قدر لخسته. ومنه قوله تعالى:
{ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } [الكهف: 105] قال الراغب وقوله: { والوزن يومئذ الحق } [الأعراف: 8] فإشارة إلى العدل في محاسبة الناس كما قال: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } [الأنبياء: 47] أي ولذلك. قال عقبه { فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } [الأنبياء: 47] والتجوز بالوزن والميزان في الشعر كثير.
ومعنى الجملة: والوزن في ذلك اليوم الذي يسأل الله فيه الرسل والأمم، ويقص عليهم كل ما كان منهم، هو الحق الذي تحق به الأمور وتعرف به حقيقة كل أحد وما يستحقه من الثواب والعقاب. وذهب أكثر علماء الإعراب إلى أن المعنى: أن الوزن الحق كائن يومئذ، لا أن الوزن يومئذ حق، فالحق صفة للوزن ويومئذ هو الخبر عنه أو المعنى والوزن كائن يومئذ وهو الحق، والأول أظهر.
{فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} قيل: إن الموازين جمع ميزان فهي متعددة لكل امرئ ميزان وقيل: لكل عمل. والجمهور على أن الميزان واحد وأنه يجمع باعتبار المحاسبين وهم الناس أو على حد قول العرب: سافر فلان على البغال وإن ركب بغلا واحدا،
وقيل: إن الموازين جمع موزون، والمعنى فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان وكثرة حسناته فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العذاب والنعيم في دار الثواب {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} أي ومن خفت موازين أعماله بالكفر وكثرة سيئاته فأولئك الذين خسروا أنفسهم، إذ حرموا السعادة التي كانت مستعدة لها لو لم يفسدوا فطرتها بالكفر والمعاصي، بسبب ما كانوا يظلمونها بكفرهم بآيات الله مستمرين على ذلك مصرين عليه إلى نهاية أعمارهم، كما يدل عليه التعبير بالمضارع، وعدي الظلم بالباء لتضمنه معنى الكفر وسيأتي مثله في هذه السورة (آية 103) وفي غيرها.
وظاهر هذا التقسيم أنه لفريقي المؤمنين على تفاوت درجاتهم في الفلاح، والكافرين على تفاوت درجاتهم في الخسران، فإن من مات مؤمنا فهو مفلح وإن عذب على بعض ذنوبه بقدرها، فهذا الوزن الإجمالي الذي يمتاز به فريق الجنة وفريق السعير، وهنالك قسم ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أصحاب الأعراف وسيأتي ذكرهم في هذه السورة، ويتبع الوزن الإجمالي الوزن التفصيلي للفريقين، ولكن بعض العلماء يقولون: إن الوزن للمؤمنين خاصة؛ لأنه تعالى قال في الكافرين:
{ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } [الكهف: 105] وأجاب الآخرون بأن معناه ما تقدم آنفا في بحث الوزن في اللغة من أنه لا يكون لهم قيمة ولا قدر، وهو لا ينفي وزن أعمالهم وظهور خفتها وخسرانهم واستدلوا على ذلك بقوله تعالى من سورة المؤمنين: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } [المؤمنون: 102 - 105]
ومن المستغرب أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال بعد ذكر آيتي الموازين في الثقل والخفة من سورة المؤمنين: إن الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ إذ لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقرون بها ويجزون بها.
وهو سهو سببه - والله أعلم - ما كان علق بذهنه من هذا القول، وما من كافر إلا وله حسنات ولكن الكفر يحبطها فتكون هباء منثورا وهي تحصى مع السيئات وتضبط بالوزن الذي به يظهر مقدار الجزاء وتفاوتهم فيه، واستدلوا على تخفيف العذاب عن الكافر بسبب عمله الصالح بما ورد في الصحيح من التخفيف عن أبي طالب بما كان من حمايته للنبي صلى الله عليه وسلم وحبه له، وزعم بعضهم أن ذلك خاص به، ويصح أن تكون الخصوصية في نوع التخفيف ومقداره، إذ من المتفق عليه والمجمع عليه أن عذاب الكفار متفاوت، ولا يعقل أن يكون عذاب أبي جهل كعذاب أبي طالب لولا الخصوصية، والله تعالى يقول:
{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة } [النساء: 40].
ومن المشاهد في كل زمان أن من الكفار من يحب الله ويعبده ولا يشرك به، والمشركون منهم إنما أشركوا معه غيره في الحب والعبادة كما قال في أندادهم:
{ يحبونهم كحب الله } [البقرة: : 165] - وهو يتضمن إثبات حبهم لله - ويتصدقون ويصلون الأرحام ويفعلون غير ذلك من أعمال البر، ويمتنعون عن الفواحش خوفا من الله. فهل يسوي الحكم العدل بينهم وبين مرتكبي الفواحش والمنكرات والجنايات من الكفار ولا سيما الجاحدين المعطلين ومكذبي الرسل منهم؟ حاش لله. نعم صح الحديث عن مسلم بأنهم يجازون على حسناتهم في الدنيا، وهو لا يمنع وزنها في الآخرة وألا يكون لها مع الكفر والسيئات دخل في رجحان موازينهم.
وجملة القول: أن المسلمين اختلفوا في هذا الوزن والموازين، هل هي عبارة عن العدل التام في تقدير ما به يكون الجزاء من الأعمال وتأثيرها في إصلاح الأنفس وتزكيتها، وفي إفسادها وتدسيتها، أم هناك وزن حقيقي، حكمته إظهار علم الله تعالى بأعمال العباد وعدله في جزائهم عليها؟
ذهب إلى الأول مجاهد من مفسري السلف - وكذا الأعمش والضحاك حكاه الرازي عنهما - والجهمية والمعتزلة قال مجاهد في الآية كما في الدر المنثور {والوزن يومئذ الحق} قال: العدل {فمن ثقلت موازينه} قال حسناته. {ومن خفت موازينه} قال سيئاته اهـ. وروى ابن جرير نحوه عنه وسيأتي فيما لخصه الحافظ ابن حجر.
والجمهور على الثاني، بل قال أبو إسحاق الزجاج - كما نقل الحافظ عنه - أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال. وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. وقال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها. قال: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها. انتهى.
نقل الحافظ ابن حجر ما ذكر في شرح آخر باب من أبواب البخاري وهو (باب قول الله:
{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } [الأنبياء: 47] وأن أعمال بني آدم وقولهم توزن) وقفى عليه بقوله: وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء فأسند الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} قال: إنما هو مثل، كما يجوز وزن الأعمال كذلك يجوز الحط ومن طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: الموازين العدل.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور. وأخرج أبو القاسم اللالكائي في السنة عن سليمان قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعته - ومن طريق عبد الملك بن أبي سليمان: ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان. وقال الطيبي: قيل إنما توزن الصحف. وأما الأعمال فإنها أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة. والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسد أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن، ورجح القرطبي أن الذي يوزن الصحائف التي تكتب فيها الأعمال،
ونقل عن ابن عمر قال: توزن صحائف الأعمال قال: فإذا ثبت هذا فالصحف أجسام فيرتفع الإشكال، ويقويه حديث البطاقة الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم صححه وفيه " فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة " انتهى. والصحيح أن الأعمال هي التي توزن،
وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن" وفي حديث جابر رفعه "توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار - قيل: ومن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف" أخرجه خيثمة في فوائده، وعند ابن المبارك في الزهد عن ابن مسعود نحوه موقوفا. وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن حذيفة موقوفا أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام اهـ. ما لخصه الحافظ ابن حجر من أقوال أهل السنة.
أقول: وقد استقصى السيوطي في تفسير الآية من الدر المنثور ما ورد في الميزان أو الوزن من الروايات الصحيحة والسقيمة أو جله، وليس في الصحيحين منها إلا ما ختم به البخاري صحيحه وهو حديث أبي هريرة المرفوع
"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان ولا في أن له كفتين ولسانا فلا نغتر بقول الزجاج. إن هذا مما أجمع عليه أهل السنة. فإن كثيرا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع ولا سيما غير الحفاظ المتقنين، والزجاج ليس منهم، ويتساهلون في عزو كل ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإن لم يعرف له أصل من السلف، ولا اتفق عليه الخلف منهم، وهذه المسألة مما اختلف فيه السلف والخلف كما علمت،
فاختلف علماء أهل السنة القائلون بأن الوزن بميزان، هل هو ميزان واحد أم لكل شخص أو لكل عمل ميزان؟ وفي الموزون به حتى قيل إنه الأشخاص لا الأعمال، وفي صفة الموزون والوزن، وفيمن يوزن لهم، أللمؤمنين خاصة أم لهم وللكفار؟ وفي صفة الخفة والثقل وفيها ثلاثة أقوال.
ولهذا الخلاف ثلاثة أسباب: (أحدها) اختلاف الأخبار والآثار عن السلف وأكثرها لا يصح ولا يحتج بمثله في الأحكام العملية فضلا عن المسائل الاعتقادية. (ثانيها) الاختلاف في فهمها. (ثالثها) الرأي والتخيل والقياس مع الفارق فإن الخلف من المنتمين إلى مذاهب السنة خاضوا فيما خاض فيه غيرهم من تحكيم الرأي في أمور الغيب، فالمعتزلة أخطئوا في قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وإنكار وزن الأعمال بحجة أنها أعراض لا توزن وأن علم الله بها يغني عن وزنها، ورد عليهم بعض المنتمين إلى السنة ردا مبنيا على أساس مذهبهم في قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، وتطبيق أخبار الآخرة على المعهود المألوف في الدنيا فزعموا أن الأعمال تتجسد وتوزن أو توضع في صور مجسمة أو أن الصحائف التي تكتب فيها الأعمال هي التي توزن بناء على أنها كصحائف الدنيا إما رق (جلد) وإما ورق.
والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه، نؤمن به ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته. فنؤمن إذا بأن في الآخرة وزنا للأعمال قطعا، ونرجح أنه بميزان يليق بذلك العالم يوزن به الإيمان والأخلاق والأعمال، لا نبحث عن صورته وكيفيته ولا عن كفتيه إن صح الحديث فيهما كما صوره الشعراني في ميزانه. ويؤخذ من آيات كثيرة أن ذلك يكون باعتبار تأثيرها في النفس من تزكية أو تدسية وهو ما يترتب عليه جل الجزاء كما تقدم شرحه.
وإذا كان البشر قد اخترعوا موازين للأعراض كالحر والبرد، أفيعجز الخالق البارئ القادر على كل شيء عن وضع ميزان للأعمال النفسية والبدنية المعبر عنها بالحسنات والسيئات بما أحدثته في الأنفس من الأخلاق والصفات؟! والنقل والعقل متفقان على أن الجزاء إنما يكون بصفات النفس الثابتة لا بمجرد ما كان سببا لها من الحركات والأعراض الزائلة: قال تعالى:
{ سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم } [الأنعام: 139] وقال في سورة الشمس: { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } [الشمس: 7 - 10] وفي سورة الأعلى: { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } [الأعلى: 14، 15] وقد حققنا هذا البحث في مواضع من التفسير آخرها تفسير خاتمة سورة الأنعام.
وتقدم أن حكمة وزن الأعمال بعد الحساب أنه يكون أعظم مظهر لعدل الرب تبارك وتعالى، أي لعلمه وحكمته وعظمته في ذلك اليوم العظيم، إذ يرى فيه عباده أفرادا وشعوبا وأمما ذلك بأعينهم، ويعرفونه معرفة إدراك ووجدان في أنفسهم، فإن أعمالهم تتجلى لهم فيها أولا، ثم تتجلى لهم ولسائر الخلق في خارجها ثانيا، فيا له من منظر مهيب، ويا له من مظهر رهيب، وما أشد غفلة من قال إنه لا حاجة إليه، للاستغناء بعلم الله عنه.
ولولا تحكيم الناس الرأي والخيال فيما لا مجال لهما فيه من أمور الغيب، واهتمامهم بكل ما روي فيه عن المتقدمين، لكنا في غنى عن إطالة الكلام في حكاية تلك الاختلافات، بالاختصار في بيان العقائد على ما ثبت في آيات الكتاب العزيز، ثم الأحاديث الصحيحة المخرجة في دواوين السنة المشهورة، دون الشاذة والغريبة،
ومن هذه الأحاديث الغريبة في هذا الباب " حديث البطاقة " الذي سبقت الإشارة إليه فقد رواه الترمذي في
"باب من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا ولفظه "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مثل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك - فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم. (قال) فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء"
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ورواه الحاكم وصححه وتصحيح الحاكم لا يعول عليه ولو لم يكن في سند هذا الحديث عنده ممن تكلم فيهم غير عبد الله بن شريك الذي بالغ الجوزجاني فوصفه بالكذب لكفى. ورواه ابن حبان وفي سنده عبد الله بن عمر الخراساني قالوا: إن له مناكير.
وطريق الجميع واحدة. وجعله دليلا على كون الميزان ذا كفتين ولسان غير متعين لإمكان جعل الكلام استعارة مكنية، وجعل الكفة ترشيحا لها فإن باب المجاز في رجحان العقول والآراء والأقوال والأشخاص بعضها على بعض واسع جدا، والتعبير عنها بالوزن والميزان كثير كما قلنا، والمراد أن الحديث لا ينهض بسنده ولا بدلالته حجة على عقيدة قطعية ولا راجحة، وقد رأيت كيف أن الحافظ بعد أن نقل عن القرطبي ترجيح وزن الصحف والاستدلال عليه بالحديث تقوية لأثر ابن عمر به - قال: والصحيح أن الأعمال هي التي توزن، واستدل بحديث وزن الأخلاق وهو صحيح، وقد عده معارضا لحديث البطاقة الذي لا يبلغ درجته في الصحة.
وقد استشكل العلماء متن هذا الحديث بأنه يدل على أن كلمة من ذكر الله ترجح على ما لا يحصى من الذنوب وذلك يفضي إلى إباحتها والإغراء بها، وإلى ترك الواجبات وهو مخالف لكثير من النصوص القطعية، واستدل به المرجئة على قولهم: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب. وأجاب الجمهور بأجوبة لعل أقواها ما أشار إليه الترمذي من أن وجه تخليص صاحب البطاقة بالشهادتين أنه مات على الإيمان، والظاهر أنه كان كافرا فآمن فمات قبل أن يتمكن من الأعمال الصالحة ولا خلاف في نجاة مثله.