التفاسير

< >
عرض

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ
١١
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ
١٢
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٣
ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٤
-الأنفال

تفسير المنار

روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}" فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا وأسر سبعون " إلخ. وأما البخاري فروى عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: " "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد " فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } [القمر: 45].
وروى سعيد بن منصور من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:
" لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وتكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته: اللهم لا تودع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تترني، اللهم أنشدك ما وعدتني" " وروى ابن إسحاق في سيرته أنه صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم هذه قريش أتت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني"
". وقد استشكل ما ظهر من خوف النبي صلى الله عليه وسلم مع وعد الله له بالنصر عاما وخاصا ومن طمأنينة أبي بكر رضي الله عنه على خلاف ما كان ليلة الغار إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم آمنا مطمئنا متوكلا على ربه، وكان أبو بكر خائفا وجلا كما يدل عليه قوله عز وجل: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } [التوبة: 40].
قال الحافظ في الفتح قال الخطابي: لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال، بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهدوه، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال; لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك، وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة فلهذا عقب بقوله: {سيهزم الجمع} انتهى ملخصا.
" وقال غيره: وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده ألا يقع النصر يومئذ; لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما كان مجملا. هذا الذي يظهر، وزل من لا علم عنده ممن ينسب إلى الصوفية في هذا الموضع زللا شديدا فلا يلتفت إليه، ولعل الخطابي أشار إليه. اهـ ما أورده الحافظ في الفتح فهو لم يطلع على أحسن منه على سعة اطلاعه.
وأقول: يصح أن يكون من مقاصده صلى الله عليه وسلم من الدعاء يومئذ تقوية قلوب أصحابه، وهو ما يعبر عنه في عرف هذا العصر بالقوة المعنوية، ولا خلاف بين العقلاء حتى اليوم في أنها أحد أسباب النصر والظفر، ولكن لا يصح أن يكون علم باستجابة الله له لما وجد أبو بكر في نفسه القوة والطمأنينة، فعلمه صلى الله عليه وسلم بربه وبوقت استجابته له أقوى وأعلى من أن يستنبطه استنباطا من حال أبي بكر رضي الله عنه.
وأما قول بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يومئذ في مقام الخوف فهو ظاهر، ولكنه لم يبين معه سببه ولا كونه لا ينافي كمال توكله على ربه، وكونه فيه أعلى وأكمل من صاحبه بدرجات لا يعلوها شيء، وقد بينا ذلك بالتفصيل في تفسير:
{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [آل عمران: 160] وهي في سياق غزوة بدر، ونعيد البحث مع زيادة فائدة فنقول: إنه صلى الله عليه وسلم أعطى كل مقام حقه بحسب الحال التي كان فيها، فلما كان عند الخروج إلى الهجرة قد عمل مع صاحبه كل ما أمكنهما من الأسباب لها، وهو إعداد الزاد والراحلتين والدليل والاستخفاء في الغار، لم يبق عليهما إلا التوكل على الله تعالى، والثقة بمعونته وتخذيل أعدائه صلى الله عليه وسلم لكمال توكله آمنا مطمئنا بما أنزل الله عليه من السكينة، وأيده به من أرواح الملائكة، وأبو بكر رضي الله عنه لم يرتق إلى هذه الدرجة، فكان خائفا حزينا محتاجا إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم له.
وأما يوم بدر فكان المقام فيه مقام الخوف لا مقام التوكل المحض، وذلك أن التوكل الشرعي بالاستسلام لعناية الرب تعالى وحده إنما يصح في كل حال بعد اتخاذ الأسباب المعلومة من شرع الله ومن سننه في خلقه كما بيناه في تفسير قوله تعالى:
{ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } [آل عمران: 159] من ذلك السياق، ومن المعلوم بالقطع أن أسباب النصر والغلب في الحرب لم تكن تامة عند المسلمين في ذلك الوقت، لا من الجهة المادية كالعدد والعدد والغذاء والعتاد والخيل والإبل، بل لم يكن من هذه الجهة إلا شيئا ضعيفا، ولا من الجهة المعنوية لما تقدم من كراهة بعضهم للقتال وجدال النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
ولهذا خشي صلى الله عليه وسلم أن يصيب أصحابه تهلكة على قتلهم، لتقصيرهم في بعض الأسباب المعنوية فوق التقصير غير الاختياري في الأسباب المادية، فكان يدعو بألا يؤاخذهم الله تعالى بتقصير بعضهم في إقامة سننه عقابا لهم، كما عاقبهم بعد ذلك في غزوة أحد ذلك العقاب المشار إليه بقوله تعالى:
{ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } [آل عمران: 165].
وأما أبو بكر رضي الله عنه فلم يكن يعلم من ذلك كل ما يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد رآه منزعجا خائفا فكان همه تسليته صلى الله عليه وسلم وتذكيره بوعد ربه لشدة حبه له، وفي الغار كان خائفا عليه، ولكنه رآه مطمئنا فلم يحتج إلى تسليته، بل كان صلى الله عليه وسلم هو المسلي له لما رأى من خوفه أن يعرض له ألم أو أذى.
فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أعطى كل مقام حقه: مقام التوكل المحض بعد استيفاء أسباب اتقاء أذى المشركين عند الهجرة، ومقام الخوف على جماعة المؤمنين لما ذكرنا آنفا من كراهة بعضهم للقتال، ومجادلتهم له فيه بعد ما تبين لهم أنه الحق الذي يريده الله تعالى بوعده إياهم إحدى الطائفتين. أجل، كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن شئون الاجتماع البشري كسائر أطوار العالم، لله تعالى فيها سنن مطردة لا تتغير ولا تتبدل، كما تكرر ذلك في السور المكية بوجه عام، ثم ذكر بشأن القتال خاصة في الكلام على غزوة أحد من سورة آل عمران المدنية:
{ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا } [آل عمران: 137] ثم في سورة الأحزاب المدنية التي نزلت في غزوتها التي تسمى غزوة الخندق أيضا. وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أن سننه تعالى في القتال كسائر سننه في أنها لا تبديل لها، ولا تحويل من قبل نزول ما أشرنا إليه في هاتين السورتين المدنيتين اللتين نزلتا بعد غزوة بدر، فلذلك كان خوفه على المؤمنين عظيما.
فإن قيل: كيف يصح هذا وقد وعده الله تعالى إحدى الطائفتين أنها تكون للمؤمنين، وكشف له عن مصارع صناديد المشركين؟
فإذا كان قد جوز أن يكون وعده العام بالنصر له وللمؤمنين - وهو مكرر في السور المكية والمدنية، وصرح في بعضها بأنه من سننه في رسله والمؤمنين بهم - غير معين أن يكون في هذه الغزوة، كما قال بعض العلماء، فلا يأتي مثل هذا الجواز في وعدهم إحدى الطائفتين فيها ولا سيما بعد أن نجت - طائفة العير، وانحصر الوعد في طائفة النفير، وبعد أن كشف تعالى له عن مصارع القوم؟.
قلنا: أما كشف مصارع القوم له فالظاهر المتعين أنه كان عقب دعائه واستغاثته ربه، ولذلك تمثل بعده بقوله تعالى في سورة القمر:
{ سيهزم الجمع ويولون الدبر } [القمر: 45] وزال خوفه وصار يعين أمكنة تلك المصارع. وأما الوعد فسيأتي فيه أنه كان في زمن الاستغاثة والاستجابة، فإن كان قبله فأمثل ما يقال فيه وأقواه، ما قاله العلماء في كثير من وعود الكتاب والسنة المطلقة بالجزاء على بعض الأعمال بأنه مقيد بما تدل عليه النصوص الأخرى من الإيمان الصحيح واجتناب الكبائر، ومن ذلك أن الوعد المطلق بالنصر للرسل والمؤمنين في عدة آيات مقيد بما اشترط له في آيات أخرى، مثال الأول قوله تعالى في سورة غافر " المؤمن " المكية: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } [غافر: 51] وقوله في سورة الروم المكية أيضا: { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } [الروم: 47] ومثال الثاني قوله تعالى في الآيات التي أذن الله فيها للمؤمنين بالقتال دفاعا عن أنفسهم أول مرة، وذلك في سورة الحج المدنية: { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز } [الحج: 40] وقوله بعد ذلك في سورة القتال أو (محمد): { ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } [محمد: 7] وقد سبق لنا بيان هذا المعنى في التفسير، وإقامة الحجة به على المسلمين الجاهلين المغرورين والخرافيين الذين يتكلون في أمورهم على الصلحاء الميتين في قضاء حوائجهم بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في الأسباب والمسببات، حتى كأن قبورهم معامل للكرامات، يتهافت عليها الأفراد والجماعات، يدعون أصحابها خاشعين، ما لا يدعو به الموحدون إلا الله رب العالمين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المؤمنين.
وجملة القول في هذا المقام: أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يعلم بإعلام القرآن أن للنصر في القتال أسبابا حسية ومعنوية، وأن لله تعالى فيها سننا مطردة، وأن وعد الله تعالى وآياته منها المطلق ومنها المقيد، وأن المقيد يفسر المطلق ولا يعارضه، ولا اختلاف ولا تعارض في كلام الله تعالى، وكان يعلم مع ذلك أن لله تعالى عناية وتوفيقا يمنحه من شاء من خلقه فينصر به الضعفاء على الأقوياء، والفئة القليلة على الفئة الكثيرة بما لا ينقض به سننه، وأن له فوق ذلك آيات يؤيد بها رسله، فلما عرف من ضعف المؤمنين وقلتهم ما عرف، استغاث الله تعالى ودعاه; ليؤيدهم بالقوة المعنوية، ويحفهم بالعناية الربانية، التي تكون بها القوة الروحانية، أجدر بالنصر من القوة المادية، وكان كل من علم بدعائه يؤمن عليه، وكانوا يتأسون به في هذا الدعاء، فيستغيثون ربهم كما استغاثه، وقد أسند الله إليهم ذلك وأجابهم إلى ما سألوا بقوله:
{إذ تستغيثون ربكم} الآية، قيل: إن هذا بدل من قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} وظاهر هذا أن زمن الوعد والاستغاثة والاستجابة واحدة على اتساع فيه، وحينئذ يرتفع الإشكال الذي أجبنا عنه آنفا من أصله، وظاهر الروايات وكلام المفسرين أن الاستغاثة وقعت بعد الوعد، وقد وجهوا ذلك بما ليس من موضوعنا بيانه مع القطع بأنه عربي فصيح، وقيل: إنه متعلق بقوله: {ليحق الحق ويبطل الباطل} أو بمحذوف علم من السياق، ومن نظائره في آيات أخرى تقديره " اذكر " أو " اذكروا " إذ تستغيثون ربكم. والاستغاثة طلب الغوث والإنقاذ من الهلكة {فاستجاب لكم أني ممدكم} هو في قراءة الجمهور بفتح الهمزة أي بأني ممدكم، وقرأها أبو عمرو بكسرها أي قائلا " إني ممدكم " أي ناصركم ومغيثكم {بألف من الملائكة مردفين} قرأ الجمهور مردفين بكسر الدال من أردفه إذا أركبه وراءه، وذلك أن الذي يركب وراء غيره يركب على ردف الدابة غالبا، وقرأها نافع ويعقوب بفتحها، وفي كل منهما احتمالات لا يختلف بها المراد. أي يردفونكم أو يردف بعضهم بعضا ويتبعه، أو يردفهم ويتبعهم غيرهم. وتقدم في تفسير مثل هذه الآية من سورة آل عمران، وتفسير قوله تعالى:
{ وإخوانهم يمدونهم في الغي } [الأعراف: 202] من الأعراف معنى المدد والإمداد في اللغة.
ثم بين تعالى أن هذا الإمداد أمر روحاني يؤثر في القلوب فيزيد في قوتها المعنوية فقال: وما جعله الله إلا بشرى أي: وما جعل عز شأنه هذا الإمداد إلا بشرى لكم بأنه ينصركم كما وعدكم ولتطمئن به قلوبكم أي: تسكن بعد ذلك الزلزال والخوف الذي عرض لكم في جملتكم من مجادلتكم للرسول في أمر القتال ما كان. فتلقون أعداءكم ثابتين موقنين بالنصر، وسيأتي في مقابلة هذا إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا وما النصر إلا من عند الله دون غيره من الملائكة أو غيرهم كالأسباب الحسية، فهو عز وجل الفاعل للنصر كغيره مهما تكن أسبابه المادية أو المعنوية، إذ هو المسخر لها، وناهيك بما لا كسب للبشر فيه كتسخير الملائكة تخالط المؤمنين فتستفيد أرواحهم منها الثبات والاطمئنان إن الله عزيز حكيم عزيز غالب على أمره، حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه.
وفي التفسير المأثور عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فسر " مردفين " بالمدد، وبقوله: " ملك وراء ملك " وعن الشعبي قال: كان ألفا مردفين وثلاثة آلاف منزلين، فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ثغورهم، وعن قتادة متتابعين أمدهم الله تعالى بألف ثم بثلاثة ثم أكملهم خمسة آلاف {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم} قال: يعني نزول الملائكة عليهم السلام. (قال): وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة عليهم السلام كانوا معنا، وأما بعد ذلك فالله أعلم. وعن ابن زيد: " مردفين " قال: بعضهم على أثر بعض.
وعن مجاهد في قوله: {وما جعله الله إلا بشرى} قال: إنما جعلهم الله يستبشر بهم.
هذا جملة ما جمعه في الدر المنثور من المأثور في الآيتين. وظاهر نص القرآن أن إنزال الملائكة، وإمداد المسلمين بهم فائدته معنوية كما تقدم، وأنهم لم يكونوا محاربين. وهنالك روايات أخرى في أنهم قاتلوا، وسيأتي بحثها. وما قاله الشعبي وقتادة من العدد لا يقبل إلا بنص من الشارع قطعي الرواية والدلالة؛ لأنه خبر عن الغيب. وقد خلطت بعض الروايات بين الملائكة المردفين الذين أيد الله بهم المؤمنين في غزوة بدر، وبين الملائكة المنزلين والمسومين الذين ذكر خبرهم في سياق غزوة أحد من سورة آل عمران، وقد حققنا هذا المبحث في تفسير تلك الآيات فيها، واعتمدنا في جله على تحقيق ابن جرير، وذكرنا فيه ما جاء هنا، وجملته أن الله تعالى أمد المؤمنين يوم بدر بألف من الملائكة فكان قوة معنوية لهم، وأما يوم أحد فقد حدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمداد ووعدهم به وعدا معلقا على الصبر والتقوى، ولكن انتفى الشرط فانتفى المشروط. ويراجع تفصيل ذلك في (ص90 - 97 ج 4 ط الهيئة). فإنه مفيد في تحقيق ما هنا، ولذلك لم نطل الكلام فيه.
{إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} هذه منة أخرى من مننه تعالى على المؤمنين، التي كانت من أسباب ظهورهم على المشركين، وهي إلقاؤه تعالى النعاس عليهم حتى غشيهم - أي غلب عليهم فكان كالغاشية تستر الشيء وتغطيه - تأمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم من الفرق العظيم بينهم وبين عدوهم في العدد والعدد وغير ذلك. روى أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي كرم الله وجهه قال: " ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح " وذلك أن من غلب عليه النعاس لا يشعر بالخوف، كما أن الخائف لا ينام، ولكن قد ينعس، والنعاس فتور في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم، فهو يضعف الإدراك ولا يزيله كله فمتى زال كان نوما، ولذلك قال بعضهم: هو أول النوم. وفي المصباح: وأول النوم النعاس وهو أن يحتاج الإنسان إلى النوم، ثم الوسن وهو ثقل النعاس، ثم الترنيق وهو مخالطة النعاس للعين، ثم الكرى والغمض وهو أن يكون الإنسان بين النائم واليقظان، ثم العفق وهو النوم، وأنت تسمع كلام القوم، ثم الهجود والهجوع اهـ. وهو يفيد أن الوسن والترنيق درجتان من درجات النعاس، وأن الكرى مرتبة فاصلة بين النعاس والنوم، وفي المصباح أيضا أن النعاس اسم مصدر لنعس من باب قتل، والجمهور على أنه من باب فتح فهو من البابين، وضعوا اسمه بوزن فعال بالضم، كأنهم عدوه من الأمراض كالسعال والفواق والكباد.
وقال علي رضي الله عنه: إنهم ناموا يومئذ، وظاهر عبارته أنهم ناموا في الليل، والمتبادر أن نعاسهم كان في أثناء القتال، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك، وتحقيق الحق فيه في تفسير قوله تعالى:
{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة } [آل عمران: 154] وهو في سياق غزوة أحد. وقلت هنالك: قد تقدم في ملخص القصة ذكر هذا النعاس، وأنه كان في أثناء القتال، وإنما كان مانعا من الخوف; لأنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر، ولكن روي أن السيوف كانت تسقط من أيديهم. واختار الأستاذ الإمام أنه كان بعد القتال إلخ، فيحسن مراجعته ففيه الكلام على النعاس يوم بدر أيضا وهو في (ص152، 153 ج 4 تفسير ط الهيئة).
وقرأ الأكثرون (يغشيكم) بالتشديد من التغشية وهو إما للتدريج، وإما للمبالغة في التغطية، وقرأه نافع بالتخفيف من الإغشاء، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو (يغشاكم) من الثلاثي ورفع النعاس على أنه فاعل، وهذا لا يخالف القراءتين قبله، بل هو كالمطاوع لهما، ومعنى الثلاثة أن الله تعالى جعل النعاس يغشاكم فغشيكم، وأما صيغ الفعل ودلالة قراءة التشديد على التدريج أو المبالغة دون قراءة التخفيف فيحمل اختلافهما على اختلاف حال من غشيهم النعاس، فهو لا يكون عادة إلا بالتدريج، ويكون أشد على بعض الناس من بعض، وقد ذكرنا بحث صيغة (غ. ش. ي) في اللغة في تفسير سورة الأعراف.
{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} وهذه منة ثالثة منه عز وجل على المؤمنين كان لها شأن عظيم في انتصارهم على المشركين، روى ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، وكان بينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن، وقال: أتزعمون أن فيكم نبيا، وأنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم (أي على الدهاس أو الرمل اللين لتلبده بالمطر) وذهبت وسوسته. هذا أثبت وأوضح وأبسط ما ورد في المأثور عن هذا المطر في بدر، وعن مجاهد أنه كان قبل النعاس خلافا لظاهر الترتيب في الآية، والواو لا توجبه.
ولولا هذا المطر لما أمكن المسلمين القتال; لأنهم كانوا رجالة ليس فيهم إلا فارس واحد هو المقداد كما تقدم، وكانت الأرض دهاسا تسيخ فيها الأقدام أو لا تثبت عليها. قال المحقق ابن القيم في الهدي النبوي: وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض وصلب الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط على قلوبهم فسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل وصنعوا الحياض، ثم غوروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الحياض، وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها على تل مشرف على المعركة، ومشى في موضع المعاركة، وجعل يشير بيده " هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى " فما تعدى أحد منهم موضع إشارته اهـ.
وقد ذكر ابن هشام مسألة المطر بنحو مما قال ابن القيم، ثم قال:
قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا
"أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا أن نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة قال: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتنزله ثم نغور ما وراءه من القلب - بضمتين جمع قليب، وهي البئر غير المطوية أي غير المبنية بالحجارة - ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي " وذكر أنهم فعلوا ذلك. ذكر تعالى لذلك المطر أربع منافع:
(الأولى) تطهيرهم به، أي تطهيرا حسيا بالنظافة التي تشرح الصدر وتنشط الأعضاء في كل عمل، وشرعيا بالغسل من الجنابة والوضوء من الحدث الأصغر.
(الثانية) إذهاب رجز الشيطان عنهم. والرجز والرجس والركس كلها بمعنى الشيء المستقذر حسا أو معنى. والمراد هنا وسوسته كما تقدم في المأثور.
(الثالثة) الربط على القلوب، ويعبر به عن تثبيتها وتوطينها على الصبر، كما قال تعالى:
{ وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } [القصص: 10] وتأثير المطر في القلوب تفسره المنفعة.
(الرابعة) وهو تثبيت الأقدام به، فإن من كان يعلم أنه يقاتل في أرض تسوخ فيها قدمه كلما تحرك وهو قد يقاتل فارسا لا راجلا لا يكون إلا وجلا مضطرب القلب.
{إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} الظرف هنا غير بدل من " إذ " في الآيات التي قبله ولا متعلق بما تعلقت به، بل هو متعلق بـ " يثبت " والمعنى أنه يثبت الأقدام بالمطر في وقت الكفاح، الذي يوحي ربك فيه إلى الملائكة آمرا لهم أن يثبتوا به الأنفس بملابستهم لها واتصالهم بها، وإلهامها تذكر وعد الله لرسوله، وكونه لا يخلف الميعاد، والمعية في قوله: أني معكم معية الإعانة كقوله:
{ إن الله مع الصابرين } [الأنفال: 46].
{سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الرعب بوزن قفل اسم مصدر من رعبه (وتضم عينه) وبه قرأ ابن عامر والكسائي، ومعناه الخوف الذي يملأ القلب. ولما فيه من معنى الملء يقال: رعبت الحوض أو الإناء أي ملأته، ورعب السيل الوادي. وقيل: أصل معناه القطع إذ يقال رعبت السنام ورعبته ترعيبا إذا قطعته طولا، وفسره الراغب بما يجمع بين المعنيين فقال: الرعب الانقطاع من امتلاء الخوف اهـ. ويقال: رعبته (من باب فتح) وأرعبته، وأبلغ منه تعبير التنزيل بإلقاء الرعب، وبقذف الرعب في القلب لما فيه من الإشعار بأنه يصب في القلوب دفعة واحدة {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} - أي: فاضربوا الهام وافلقوا الرءوس أو اضربوا على الأعناق، وقطعوا الأيدي ذات البنان التي هي أداة التصرف في الضرب وغيره، وهو متعين في حال هجوم الفارس من الكفار على الراجل من المسلمين، فإذا لم يسبق هذا إلى قطع يده قطع ذاك رأسه. والبنان جمع بنانة وهو أطراف الأصابع.
وفي تفسير ابن كثير عن بعض المغازي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يمر بين القتلى ببدر - أي بعد انتهاء المعركة - ويقول: نفلق هاما" " فيتم البيت أبو بكر رضي الله عنه وهو:

نفلق هاما من رجال أعزة علينا، وهم كانوا أعق وأظلما

وهو يدل على ألمه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله من الضرورة التي اضطرتهم إلى قتل صناديد قومه. واسم التفضيل في " أعق وأظلم " هنا على غير بابه مراعاة للظاهر فإن المشركين وحدهم هم الذين عقوه صلى الله عليه وسلم وظلموه هو ومن آمن به، حتى أخرجوهم من وطنهم بغيا وعدوانا ثم تبعوهم إلى دار هجرتهم يقاتلونهم فيها، وروي أنه أوصى بنفر من بني هاشم آله خرجوا مع المشركين كرها ألا يقتلوا، كان منهم عمه العباس رضي الله عنه ولم يكن أسلم.
مقتضى السياق أن وحي الله للملائكة قد تم بأمره إياهم بتثبيت المؤمنين، كما يدل عليه الحصر في قوله عن إمداد الملائكة: {وما جعله الله إلا بشرى} إلخ. وقوله تعالى: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} إلخ. بدء كلام خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون تتمة للبشرى، فيكون الأمر بالضرب موجها إلى المؤمنين قطعا، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعا لما قبله من الآيات، وقيل: إن هذا مما أوحي إلى الملائكة، وتأوله هؤلاء بأنه تعالى أمرهم بأن يلقوا هذا المعنى في قلوب المؤمنين بالإلهام، كما كان الشيطان يخوفهم، ويلقي في قلوبهم ضده بالوسواس. ولا يرد على الأول ما قيل من أنه لا يصح إلا إذا كان الخطاب قد وجه إلى المؤمنين قبل القتال، والسورة قد نزلت بعده -؛ لأن نزول السورة بنظمها وترتيبها بعده لا ينافي حصول معانيها قبله وفي أثنائه، فإن البشارة بالإمداد بالملائكة وما وليه قد حصل قبل القتال، وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ثم ذكرهم الله تعالى به بإنزال السورة برمتها تذكيرا بمننه، ولولا هذا لم تكن للبشارة تلك الفائدة، والخطاب في السياق كله موجه إلى المؤمنين، وإنما ذكر فيها وحيه تعالى للملائكة بما ذكر عرضا. وقد غفل عن هذا المعنى الألوسي تبعا لغيره وادعى أن الآية ظاهرة في قتال الملائكة، وقد وردت روايات ضعيفة تدل على قتال الملائكة لم يعبأ الإمام ابن جرير بشيء منها، ولم يجعلها حقيقة أن تذكر، ولو لترجيح غيرها عليها.
وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر وبعض الروايات الغريبة التي يردها العقل، ولا يثبتها ما له قيمة من النقل. فإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالتأييدات الروحانية التي تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كإنزال المطر، وما كان له من الفوائد لم يكن كافيا لنصره إياهم على المشركين بقتل سبعين وأسر سبعين حتى كان ألف - وقيل آلاف - من الملائكة يقاتلونهم معهم فيفلقون منهم الهام، ويقطعون من أيديهم كل بنان، فأي مزية لأهل بدر فضلوا بها على سائر المؤمنين ممن غزوا بعدهم، وأذلوا المشركين وقتلوا منهم الألوف؟ ! وبماذا استحقوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه:
" وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟" " رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وفي كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا - فهل تعارض هذه البينات النقلية والعقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل. ولم يذكر ابن كثير منها إلا قول الربيع بن أنس: " كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوا بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به " ومن أين جاء الربيع بهذه الدعوى؟ ومن ذا الذي رؤي من القتلى بهذه الصفة؟ وكم عدد من قتل الملائكة من السبعين، وعدد من قتل أهل بدر غير من سموا وقالوا قتلهم فلان وفلان؟ كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التي شوهت التفسير وقلبت الحقائق، حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه، فالله تعالى يقول في إمداد الملائكة: {وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم} وهذه الروايات تقول بل جعلها مقاتلة، وأن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصرة المتعددة !.
ألا إن في هذا من شأن تعظيم المشركين، ورفع شأنهم، وتكبير شجاعتهم، وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول، وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الألوسي وغيره بغير سند، وابن عباس لم يحضر غزوة بدر؛ لأنه كان صغيرا، فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة، وقد روي عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله.
{ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} أي: ذلك الذي ذكره كله من تأييده تعالى للمؤمنين وخذلانه للمشركين؛ بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله أي عادوهما، فكان كل منهما في شق غير الذي فيه الآخر فالله هو الحق والداعي إلى الحق، ورسوله هو المبلغ عنه الحق، والمشركون على الباطل، وما يترتب عليه من الشرور والخرافات ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب أي: فإن عقاب الله شديد، وأحق الناس به المشاقون له بإيثار الشرك، وعبادة الطاغوت على توحيده وعبادته، وبالاعتداء على أوليائه أولا بمحاولة ردهم عن دينهم بالقوة والقهر، وإخراجهم من ديارهم ثم اتباعهم إلى مهجرهم يقاتلونهم فيه.
{ذلكم فذوقوه} الخطاب للمشركين المنكسرين في غزوة بدر، أي لمن بقي منهم من الأسرى والمهزومين على طريق الالتفات عن الغيبة في قوله تعالى قبله: بأنهم شاقوا الله ورسوله والمعنى الأمر ذلكم - أي أن الأمر المبين آنفا وهو أن الله تعالى شديد العقاب لمن يشاقه ورسوله - فذوقوا هذا العقاب الشديد، وهو الانكسار والانهزام مع الخزي والذل أمام فئة قليلة العدد والعدد من المسلمين {وأن للكافرين عذاب النار} هذا عطف على ما قبله، أي والأمر المقرر مع هذا العقاب الدنيوي أن للكافرين عذاب النار في الآخرة، فمن أصر منكم على كفره عذب هنالك فيها، وهو شر العذابين وأدومهما، وفي الجمع بين عذاب الدنيا والآخرة للكفار آيات متفرقة في عدة سور.