التفاسير

< >
عرض

أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ
١٣
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ
١٤
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٥
-التوبة

تفسير المنار

لعل الله علم أن في نفس جماعة من المؤمنين كرها لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة، وظهور الإسلام لأمنهم من ظهورهم عليهم، ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنهم يعتذرون لأنفسهم في سرائرهم بما ليس بحق، ولا مصلحة للإسلام، وعلم الله أنه يوجد فيهم من المنافقين ومرضى القلوب من يزين ذلك لهم. والله يريد بهذه الأحكام تطهير جزيرة العرب من الشرك وخرافاته، وتمحيص المؤمنين من النفاق ودناءاته، لهذا أعاد الكرة إلى إقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين المعتدين منهم بهذه الآيات الجامعة. فقال عز وجل:
{ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة} هذا تحريض على قتالهم بأوجه وجوه الأدلة وأقواها، وأوضح أساليب البيان وأسماها، وهو أن الاستفهام للإنكار الذي يحيل النفي إثباتا كما يحول الإثبات إلى النفي، وقد دخل هنا على نفي القتال فكان دليلا على إثباته ووجوبه، وأقام على هذا الوجوب ثلاث حجج.
أحدها: نكثهم لأيمانهم التي حلفوها، لتأكيد عهدهم الذي عقدوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية - أو لعهدهم الذي عقدته أيمانهم - على ترك القتال عشر سنين يأمن بها الناس من الفريقين على أنفسهم ويكونون أحرارا في دينهم، فلم يلبثوا أن نكثوا بمظاهرة حلفائهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تقدم، وكان ذلك ليلا بالقرب من مكة على ماء يسمى الهجير، فكان نكثهم هذا من أفظع ما عهد من الغدر كما يدل عليه الشعر الذي أنشده عمرو بن سالم الخزاعي وهو واقف على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ كان جاءه لينبئه بذلك وهو قوله:

لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كنت لنا أبا وكنا ولدا ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أيدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزبدا
أبيض مثل الشمس يسمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالهجير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست ترعى أحدا وهم أذل وأقل عددا

فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لا نصرت إن لم أنصركم " وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة. هكذا رواه ابن إسحاق، ونقله عنه البغوي وغيره.
ثانيتها: همهم بإخراج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من وطنه، أو حبسه حيث لا يرى أحدا، ولا يراه أحد حتى لا يبلغ دعوة ربه، أو قتله بأيدي عصبة مؤلفة من شبان بطون قريش كلها، ليتفرق دمه في القبائل فتتعذر المطالبة به. ائتمروا فيما بينهم بذلك في دار ندوتهم فكان هو الحامل له على الخروج إلى دار الهجرة، ولذلك اقتصر هاهنا على ذكر همهم بإخراجه دون همهم بحبسه، وهمهم بقتله الذي كان هو الراجح عندهم كما مر تفصيله في تفسير قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} [الأنفال: 30] بل أسند إليهم إخراجه وإخراج من هاجر من المؤمنين في أول سورة الممتحنة {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} [الممتحنة: 1].
ثالثها: كونهم كانوا هم البادئين بقتال المؤمنين في بدر، إذ قالوا بعد العلم بنجاة العير التي كانوا خرجوا لإنقاذها: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه، ونقيم في بدر أياما نشرب الخمر، وتعزف على رءوسنا القيان. وكذا في أحد والخندق وغيرها، ثم بغدرهم بعد صلح الحديبية كما تقدم والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين كما قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جوامع كلمه، متفق عليه من حديث أبي هريرة، ومن المقرر في قواعد العدل العامة أن الجزاء واحدة بواحدة وأن البادئ أظلم.
ثم قال بعد بيان هذه الحجج: {أتخشونهم} أي أتتركون قتالهم خشية لهم، وجبنا منكم؟ إن كانت الخشية هي المانعة لكم من قتالهم {فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين} فإن المؤمن حق الإيمان لا يخاف، ولا يخشى إلا الله تعالى لعلمه بأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، فإن خشي غيره بمقتضى سننه تعالى في أسباب الضر والنفع، فلا يرجح خشيته على خشية الله تعالى بأن تحمله على عصيانه، ومخالفة أمره، بل يرجح خشيته تعالى على خشية غيره، بل لا يخشى غيره حق الخشية.
قيل: إن هذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ للمؤمنين، وهذا لا يصح إلا إذا كان الله تعالى قد علم منهم أنهم يريدون الامتناع عن قتال المشركين خوفا منهم على أنفسهم، وهذا غير معقول، ولا سيما في الحال التي أنزلت فيها هذه الآيات بعد فتح مكة وهدم دولة الشرك، وقد كانوا يقاتلونهم بغير جبن ولا إحجام وهم قليل مستضعفون، والمشركون في عنفوان قوتهم دولة وكثرة وثروة.
وإنما هذا احتجاج آخر على جماعة المسلمين الذين لا يخلون من المنافقين ومرضى القلوب، والسماعين لهم من المؤمنين الذين كانوا يعظمون ما عظم الله ورسوله من أمر الوفاء بالعهد، ويكرهون القتال لذاته إذا لم توجبه الضرورة كما قال تعالى فيهم:
{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم } [البقرة: 216] الآية. أو لرجاء انتشار الإسلام بدونه بعد فتح مكة والطائف، وهدم دولة الشرك - فهذا الذي اقتضى كل هذه الحجج والبينات على كون نبذ عهود جمهور المشركين دون من وفى منهم بعهده حقا وعدلا، لا يتضمن خيانة ولا غدرا، وأن بقاءهم على حريتهم - وهذه حالهم - خطر لا تؤمن عاقبته.
فهو تعالى يقول للمؤمنين بعد سوق تلك الحجج الثلاث التي تكفي كل واحدة منها لإيجاب قتالهم: إنه لم يبق بعد قيام هذه البينات من سبب يمنع من قتالهم إلا أن يكون الخشية لهم والخوف من قوتهم، وخشية الله أحق وأولى من خشيتهم، فإن كنتم موقنين في إيمانكم فاخشوه وحده عز وجل، وقد رأيتم كيف نصركم عليهم في تلك المواطن الكثيرة، إذ كنتم ضعفاء وكانوا أقوياء. وفيه دليل على أن المؤمن حق الإيمان يكون أشجع الناس وأعلاهم همة؛ لأنه لا يخشى إلا الله عز وجل.
ثم إنه بعد إقامة هذه الحجج البينة على وجوب قتالهم، ودحض شبهة المانع منه، صرح بالأمر القطعي به مع الوعد القطعي، بإظهار المؤمنين عليهم أكمل الظهور وأتمه، وهذا الوعد من أخبار الغيب التفصيلية في حال معينة، فهو ليس كالوعد العام المجمل في نصر الله لرسله وللمؤمنين الذي يراد به أن العاقبة تكون لهم، ولا يمنع أن تكون الحرب قبلها سجالا لتربية المؤمنين، وقد صدق وعده تعالى مجملا ومفصلا. فقوله: {قاتلوهم} معناه: باشروا قتالهم كما أمرتم فإنكم إن تقاتلوهم {يعذبهم الله بأيديكم} بتمكينها من رقابهم قتلا، ومن صدورهم ونحورهم طعنا، يعقبهم في قلوبهم يأسا، لا يدع في أنفسهم بأسا.
فالظاهر أنه تعالى أسند التعذيب إلى اسمه؛ لأنه أمر زائد على أسبابه من الطعن والضرب، وما يفضيان إليه من القتل والجرح، وكل قوم يقاتلون فإنهم يصابون بالطعن والضرب، ويقتل بعضهم ويجرح بعض، ولا يسمون معذبين بذلك وحده، فإن الغالب والمغلوب فيه سواء، وإنما يدل هذا الإسناد على أنه تعالى سيحدث في أنفس المشركين في هذا القتال ألما نفسيا لعل أظهر أسبابه اليأس وسلب البأس، ولذلك قال: {ويخزهم} بذل الأسر والقهر والفقر لمن لم يقتل منهم {وينصركم عليهم} أكمل النصر وأتمه بحيث لا يعود لهم بعد هذه المرة قوة ولا سلطان يعودون به إلى قتالكم كما كان شأنهم بعد نصركم عليهم في بدر وغيرها.
{ويشف صدور قوم مؤمنين} كان هؤلاء المشركون قد نالوا منهم ما نالوا في سلطانهم، فكان في صدورهم من موجدة القهر والذل ما لا شفاء له إلا بهذا النصر عليهم، وهؤلاء المؤمنون هم الذين غدر بهم المشركون كخزاعة، والذين كانوا في دار الشرك عاجزين عن الهجرة ويذهب غيظ قلوبهم الذي كان وقر فيها إلى هذا العهد من غدر المشركين، ومن ظلمهم لمن لم يكن له مجير من المسلمين، فشفاء الصدور بعز الإسلام بالنصر العام الشامل لهؤلاء ولغيرهم هو غير ذهاب ما في قلوبهم من الغيظ والحقد على من غدرهم وظلمهم.
ولما كان من أسباب كراهة المؤمنين لقتالهم حرصهم بعد ظهور الإسلام بفتح مكة على إيمانهم بالإقناع كما تقدم قريبا، أخبرهم الله تعالى بأن هذا التعذيب والخزي الذي سينزله بهم لا يعمهم، وإنما هو خاص بمن استحوذ عليهم الكفر، وأحاط بهم حتى لم يبق فيهم استعداد للإيمان، وأن غيرهم سيتوب من شركه، ويقبل الله توبته فقال {ويتوب الله على من يشاء} منهم فيوفقه للإيمان ويقبله منه {والله عليم حكيم} يعلم ما لا تعلمون من استعدادهم في حالهم، ومستقبل أمرهم، ويشرع لكم من الأحكام فيهم ما تقتضيه حكمته في إقامة دينه، وإظهاره على الدين كله. فمشيئته في التائبين والمصرين تجري بمقتضى علمه المحيط بشئون خلقه، وحكمته البالغة في السنن التي وضعها لسير الاجتماع البشري، وفي الأحكام التي شرعها لهداية الناس.
ومن سننه تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابلية التحول من حال إلى حال كدرجات تأثير الشرك في أنفس الأفراد من قوة يترتب عليها الإصرار إلى الممات، وضعف قابل للزوال في بعض الأوقات، بما يطرأ على أصحابها من الأسباب والمؤثرات، وليست مشيئته تعالى في التوبة على من يتوب عليه منهم إكراها لهم على الإيمان كما تزعمه الجبرية، ولا من الخلق الأنف الذي تزعمه القدرية، بل هو بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونظام الاجتماع، فلو كان بالجبر والإكراه لما كان لهم فيه اختيار يستحقون به دخول الجنة، والنجاة من النار، ولو كان بالخلق المستأنف لكان من قبيل المحاباة في التفصيل الإلهي المحض لبعضهم على بعض، وذلك ينافي العدل والحكمة.
وحاش لله من ذلك، ما كان لله أن يحابي أعدى أعداء رسوله وأبغضهم إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كوحشي قاتل حمزة أخيه في الرضاع وعمه وأبي سفيان المحرض الأكبر للعرب على قتاله، وعكرمة بن أبي جهل فرعون هذه الأمة، فيخلق لهم الإيمان ويجبرهم عليه، من حيث يحرم منه أبا طالب عمه وناصره بعصبة النسب وهو أحبهم إليه.
وقد استدلت المجبرة ومنهم جمهور الأشعرية بهذه الآية على الجبر ونفي الاختيار فيما هو أظهر مما ذكر، وهو إخباره تعالى بأنه هو الذي يعذب المشركين فيقتل بعضهم، ويجرح آخرين بأيدي المؤمنين، فهذا يدل بزعمهم على أن أيديهم كسيوفهم ورماحهم ليست إلا آلات لا تأثير لها ألبتة، وأن الكسب الذي هو مناط التكليف اسم لا مسمى له، ودلالة هذه الجملة عندهم أقوى في المسألة من دلالة قوله تعالى:
{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال: 17] فإن في هذا إثباتا لإسناد الرمي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جهة مباشرته لأخذ التراب من الأرض، وإلقائه على المشركين أو في جهتهم، مع نفيه عنه ثم إسناده إلى الله تعالى من جهة أثره وهو وصول التراب إلى وجوههم، وأما هاهنا فقد أسند التعذيب إلى الله وحده، وأنه يفعله بأيدي المؤمنين. وقد بينا آنفا أن لهذا التعذيب معنى وراء القتل والجرح الذي هو كسب المؤمنين وعملهم هو فعل الله وحده، على أن الحق فوق المذهبين وإن أريد بالتعذيب القتل والجرح كما تعلم من قول كبيري نظارهم وما نقفي به عليه تأييدا للمأثور عن السلف:
أجاب الجبائي إمام المعتزلة عن الآية محتجا على المجبرة بأنه لو جاز أن يقال: إنه تعالى يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين، لجاز أن يقال: إنه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال: إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار، ويلعن المؤمنين على ألسنتهم؛ لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنما نسب ما ذكر إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره وألطافه كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير اهـ.
حكى عنه هذا الجواب الرازي مدره الأشاعرة في تفسيره للآية وقال: إن أصحابه يجيبون عنه بما خلاصته أنهم يلتزمون كل ما ألزمهم إياه اعتقادا، وإن كانوا لا ينطقون به أدبا مع الله تعالى، والرازي جبري قح، ولا يلتزم كل الأشاعرة ما يلتزمه، ويسنده إليهم، فهذا البيضاوي من فحولهم يفسر تعذيب المشركين بأيدي المؤمنين بتمكينهم منهم، وقد سبق لنا في مواضع من هذا التفسير تفنيد المذهبين، وبيان أن خلقه تعالى لكل شيء لا ينافي خلقه الإرادة والاختيار للعباد فيما أقدرهم عليه من الأفعال.
وإنما أعدناه هنا؛ لأن شبهة المجبرة في جملة {يعذبهم الله بأيديكم} أقوى منها في كل ما سبق من الآيات التي يستدلون بها على الجبر، وسيأتي مثلها في قوله تعالى من سورة الواقعة:
{ أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } [الواقعة: 63 و64] وفهم القرآن لا يكون صحيحا إلا بالجمع بين الآيات المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيها باختلاف الوجوه والاعتبارات التي ضلت الفرق بنظر كل منها إلى إحداها دون الأخرى مطلقا، أو جعلها ما وافق مذهبها أصلا يرد غيره إليه بالتأويل قريبا كان أو بعيدا، ومثل الجبرية مع القدرية هنا كمثل المرجئة مع الوعيدية من الخوارج وغيرهم من آيات الوعد والوعيد، فهؤلاء كلهم من: { الذين جعلوا القرآن عضين } [الحجر: 91] وضربوا بعضه ببعض.
والذي حققناه في مسألة أفعال العباد مرارا أنه قد ثبت بالحس والوجدان، وبالمئات من آيات القرآن، أن للناس أفعالا يأتونها بإرادتهم وقدرتهم واختيارهم تسند إليهم، ويشتق منها صفات لهم، ويستحقون الجزاء عليها في الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هو الذي أعطاهم القدرة والإرادة والاختيار، كما أعطاهم الأعضاء والحواس، وهو الذي سخر لهم ما تتعلق به أعمالهم في معايشهم ومنافعهم، وهو يسند إليهم هذه الأعمال، ويصفهم بها في مواضع كثيرة من المقامات التي تقتضي هذا الإسناد أو الوصف، ويسند بعضها إلى ذاته وإلى مشيئته، ويصف نفسه بما يليق به وصفه منها في المقامات التي تقتضي ذلك، فكما قال في سورة الواقعة:
{ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } [الواقعة: 64] قال في سورة الفتح: { يعجب الزراع } [الفتح: 29] ولكل مقام مقال.
ووصف الزارع لم يرد في أسماء الله الحسنى، ولا في صفاته مستقلا. كما أنه لا يوصف تعالى بأمثاله من صفات أفعال العباد، ولا تسند إليه كالأكل والشرب والقيام والقعود، وأخص أفعال الضعف والنقص كالنوم والتعب والألم، وإنما يسند إليه تعالى بعض أعمالهم التي لا نقص فيها بأسلوب إقامة الحجة، وتقرير بعض المسائل كقوله في الاستدلال بخلقهم على قدرته على بعثهم من سورة الواقعة:
{ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } [الواقعة: 58 و59] إلى آخر الآيات. فاستدل أولا بخلقه للمني الذي يولدون منه فأسند إليهم فعل إخراجه بالجماع وإلى ذاته خلق مادته، ثم استدل بالنبات فأسند إليهم حرثه، وأسند إليه زرعه، أي إنباته وجعله حبا وثمرا يؤكل، فيتولد ذلك المني منه بدون فعل لهم فيه، ثم بالماء فأسند إليهم شربه، وأسند إليه إنزاله، ثم بالنار التي يعالجون بها طعامهم المؤلف غالبا من النبات والماء، فأسند إليهم إيراءها وإيقادها بحك الزندين من شجرتها، وأسند إليه إنشاء الشجرة.
فعلم من السياق كله أن المراد بالزرع في قوله:
{ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } [الواقعة: 64]؟ الإنبات لما يزرع حتى يصير حبا وثمرا يؤكل، ولم يفهم أحد من العرب الذين نزلت هذه الآيات، لتقرب من عقولهم ما كانوا يستبعدونه من البعث بعد الموت، أن الله تعالى ينفي عنهم فعل زرع الحبوب في الأرض التي يحرثونها، ويثبتها لذاته وحده، أو يريد أنه هو الذي يحرك أيديهم بفعل الزرع بدون إرادة لهم لا اختيار فيه كما يحرك الدم في أجسادهم، ويحرك أعضاء الجهاز الهضمي من المعدة والأمعاء في هضم طعامهم، وإنما كانوا يفهمون منه أنه هو الذي جعل الأرض منبتة ما يبذرونه فيها، بل هو الذي خلق الأرض والحب والماء والهواء، وسخر هذه الأسباب لهم، ولولا ذلك كله ما أمكنهم أن يزرعوا، ولولا أنه يزيل موانع الإنبات والآفات التي تفسد الزرع ما أمكن أن يستفيدوا منه بعد زرعه ونباته، ولذلك قال بعده: { لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون } [الواقعة: 65 - 67] ويستحيل أن يكون فعلهم في الحرث والزرع مما يجعل حطاما فإنه عرض زال، وإنما المراد الحاصل منه الذي يؤكل.
وقد روي عن مجاهد تفسير " تزرعونه " بقوله: تنبتونه. وبه أخذ البغوي وابن كثير، وهو تفسيره له بما لولاه لم يكن له فائدة، وقال ابن جرير في تفسيره: أأنتم تصيرونه زرعا أم نحن نجعله كذلك؟ اهـ. فأنت ترى أن أهل التفسير المأثور ورواته لم يقولوا: إن في الآية كلمة تدل على الجبر، وكذلك فحول المفسرين بالمعقول، وحاصل كلامهم أن الزرع أطلق على غايته وهو إخراج نبته وسلامته من الهلاك، لا على بدئه الذي هو شق الأرض، وإلقاء البذر فيها.
ويقال مثله في قوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} وهو أن المراد بالتعذيب غاية القتال، وفائدته وهو فعل الله وحده، لا مبدؤه وهو كسب المؤمنين من قتل وجرح، فهو كقوله تعالى في النصر يوم بدر:
{ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم } [الأنفال: 17] وقد تقدم أنه لا دليل فيه على بدعة الجبر التي لم تكن تخطر في بال أحد من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ (راجع تفسير ج9] على أن معنى التعذيب إيجاد العذاب الذي هو الشعور بالألم، وهو من فعل الله لا من كسب البشر، فهذه الآية أبعد من آية الأنفال عن الجبر وأهله.
وللعذاب هنا معنى آخر غير الشعور بالألم - خطر لنا الآن - وهو أن ما يصيب الجماعات والأمم من الآلام والشدائد يكون لبعضها تربية وتمحيصا تتهذب به أفرادها، ويرتقي به مجموعها، وهو جدير بأن يسمى رحمة لا عذابا، ويكون لبعض آخر نقمة وقصاصا عادلا يمحى به باطل الجماعة، ويمحق به طغاتها الفاسدون والمفسدون، وهو الجدير باسم العذاب، الذي وعد الله هنا بجعله عاقبة القتال لمن يقتل فقط، دون من يتوب ويؤمن، والحمد لله أنه كان الأكثر. وهو لا يتعارض مع وصف أكثرهم بالفسق في هذا السياق نفسه، فإنما كان ذلك حال أكثرهم عند نزول الآيات، وهذا ما انتهى إليه أمرهم بعد تربية مجموعهم بالقتال.
واستشكل بعض المفسرين تعذيب الله إياهم مع قوله تعالى من سورة الأنفال
{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } [الأنفال: 33] وأجاب عنه بأن المراد بالعذاب المنفي هنالك عذاب الاستئصال، ونقول: إنه لا محل للاستشكال؛ لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن في هؤلاء الذين وعد تعالى هنا بتعذيبهم كما كان في مكة بين مشركيها حين قالوا: { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } [الأنفال: 32] يعنون عذابا كعذاب أقوام الرسل الذين كذبوا جحودا وعنادا، وخوفهم الله تعالى بمثله في كتابه، وهو العذاب الذي نفى الله وقوعه كما قال المستشكل هنا حيث لا مجال للاستشكال.
فإن التعذيب هنالك نقمة محضة، وما كان ليقع على قوم نبي الرحمة. وأما هنا فإنه انتقام من بعضهم بما هو رحمة لمجموعهم، فهو كقطع العضو المجذوم من الجسد لأجل سلامة جملته، كما قال في حكمة ما لقوا من الشدائد في غزوة أحد:
{ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } [آل عمران: 141] ألم تر أن الباقين من أولئك القوم قد صاروا سادة البشر في الأرض، ولولا ذلك الجهاد الذي ذاقوا شدته وآلامه طوعا أو كرها ما صاروا أهلا لذلك كما يعلم من قوله تعالى:
{أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا...}.