التفاسير

< >
عرض

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
١٩
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ
٢٠
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ
٢١
خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
٢٢
-التوبة

تفسير المنار

هذه الآيات تكملة لموضوع الآيتين اللتين قبلها في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام بنوعيها للمسلمين دون المشركين، وكون إيمانهم وإسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارته، وسقاية الحاج فيه، وإن قام بهما المسلمون أنفسهم خلافا لما توهم بعضهم في الأعمال التي بعد الإسلام.
فقد روى مسلم وأبو داود وابن حبان، وبعض رواة التفسير المأثور من حديث النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر. وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. (فدخل بعد الصلاة فاستفتاه) فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاج} إلى قوله: {لا يهدي القوم الظالمين}.
وروى الفريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس: أي عم ألا تهاجر؟ ألا تلحق برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاج} الآية. وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس قال: قال العباس حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني (أي الأسير) فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاج}.
وروى أبو جعفر بن جرير عن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب - فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد. فقال علي ـ رضي الله عنه ـ: ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاج} الآية كلها. فهذه الروايات في أسباب النزول وقائع في تفسير الآيات وإن لم تكن أسبابا.
والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان؛ لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجاجه - من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة - وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة وهي أشق العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها. وفي أثر علي أن العباس ذكر حجابة البيت، وهي لم تكن له دون السقاية التي كانت له، وأثر ابن عباس فيه تقدم معناه في تفسير الآيتين السابقتين.
تقدم تفسير عمارة المسجد في اللغة والاصطلاح. والسقاية في اللغة: الموضع الذي يسقى فيه الماء وغيره، وكذا الإناء الذي يسقى به، ومنه:
{ جعل السقاية في رحل أخيه } [يوسف: 70] سميت سقاية؛ لأنها يسقى بها، وصواعا لأنها يكال بها كالصاع وهو يؤنث ويذكر. قال في اللسان (كغيره) والسقاية: الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها. (ثم قال) وفي الحديث كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام اهـ. والحديث الذي ذكره ورد في بعض روايات خطبته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجة الوداع.
وقال النووي في الأسماء واللغات ما نصه: سقاية العباس ـ رضي الله عنه ـ موضع بالمسجد الحرام زاده الله تعالى شرفا، يستقي فيها الماء؛ ليشربه الناس وبينها وبين زمزم أربعون ذراعا، حكى الأزرقي في كتابه تاريخ مكة وغيره من العلماء: أن السقاية حياض من أدم كانت على عهد قصي بن كلاب توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإبل ويسقاه الحاج، فجعل قصي عند موته أمر السقاية لابنه عبد مناف، ولم تزل مع عبد مناف يقوم بها فكان يسقي الماء من بئر كرادم وغيره إلى أن مات، ومن حصون خيبر اهـ.
أقول: وقد بنى هذا المكان المسمى بسقاية العباس، ولا يزال ماثلا إلى الآن، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم وصف مؤرخو مكة مساحتها وبعدها عن زمزم وعن الكعبة المشرفة.
ويؤخذ من استعمال الكلمة أنها صارت اسم حرفة، وكذا الحجابة، وهي سدانة البيت، وهما أفضل مآثر قريش، ولذلك أقرهما الإسلام، ومن المعلوم بالبداهة أن قول العباس: أنا صاحب السقاية، وقول الناس فيه كقوله لا يراد به أنه صاحب الموضع الذي كان يوضع فيه الماء المحلى بالزبيب أو التمر المنبوذ فيه، ولا ذلك الماء، وإنما المراد به أنه هو الذي يتولى إدارة هذا العمل، وهو الإتيان بالزبيب أو التمر ونبذه بالماء ووضع أوانيه في الموضع التي يردها الحجاج فيشربون منها، ومن العجب أن يغفل أي لغوي أو مفسر عن هذا المعنى، ويقول بعضهم: إنها اسم لمكان السقي، وبعضهم: إنها مصدر سقى أو أسقى إلخ.
قال عز وجل: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} مقتضى حديث النعمان بن بشير أن الخطاب هنا للمؤمنين الذين تنازعوا: أي هذه الأعمال أفضل؟ ومقتضى حديثي علي وابن عباس أن الخطاب للمشركين، والاستفهام فيه للإنكار، وتشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات كإسناد كل منهما إلى الآخر من ضروب الإيجاز المعهودة في بلاغة القرآن كقوله تعالى:
{ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة } [البقرة: 177] إلخ. وطريقة المفسرين في هذا معروفة، وهي تحويل أحدهما إلى الآخر ليتحد المشبه والمشبه به، والمسند والمسند إليه، فيقولون هنا: أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل العمارة للبيت، أو فاعل كل منهما ومتوليه، كمن آمن بالله واليوم الآخر إلخ. وهو الموافق لبقية الآية وما بعدها. أو يقولون: أجعلتم هذه السقاية والعمارة كالإيمان بالله واليوم الآخر إلخ؟ والاستفهام للإنكار المتضمن لمعنى النهي. أي: لا تفعلوا ذلك فإنه خطأ ظاهر كما بينه ما بعده.
ونكتة هذا التعبير بيان أن هذا الفعل ليس كالفعل الآخر، وأن الفاعل لكل منهما ليس كالآخر بل بينهما من التفاوت والدرجات ما بينه تعالى بيانا مستأنفا بقوله: {لا يستوون عند الله} إلى قوله: {أجر عظيم} أي: لا يساوي الفريق الأول الفريق الثاني في صفته، ولا في عمله في حكم الله، ولا في مثوبته وجزائه عنده في الدنيا ولا في الآخرة، فضلا عن أن يفضله كما توهم بعض المسلمين، وكما يزعم كبراء مشركي قريش الذين كانوا يتبجحون بخدمة البيت ويستكبرون على الناس به، كما قال تعالى:
{ مستكبرين به سامرا تهجرون } [المؤمنون: 67]. على القول بأن الضمير في (به) للبيت، وإن لم يسبق له ذكر في الآيات التي قبل هذه الآية.
قالوا لأن اشتهار استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه وسدنته وعماره أغنى عن سبق ذكره، وكانت العرب تدين لهم بذلك، لامتيازهم عليهم به، وبسقاية حجاجه، وكذا ضيافتهم وإن لم تكن عامة كالسقاية؛ لأن الحاجة إليها لم تكن عامة، إذ من المعلوم أن الحجاج كانوا وما زالوا أحوج إلى الماء في الحرم من الزاد؛ لأن كل حاج كان يمكنه أن يحمل من الزاد ما يكفيه مدة سفره إلى الحرم، وعودته بعد أداء المناسك، ولا سيما العربي القنوع القليل الأكل، ولكن لا يمكنه أن يحمل من الماء ما يكفيه كل هذه المدة ولا نصفها، ولذلك كان أول شروط استطاعة الحج الزاد لإمكانه مع كفالة أولي الأمر في الحرم لتوفير الماء فيه.
وحكومة السنة السعودية في هذا العهد تزداد عنايتها في كل سنة بتوفير الماء ونظافته لمئات الألوف من الحجاج، وأما سقيهم الماء المحلى فقد بطل منذ قرون كثيرة؛ لأنه صار متعذرا لكثرتهم، ولو كان ريع أوقاف الحرمين في الأقطار الإسلامية يضبط ويرسل إلى حكومة الحجاز لأمكنها إعادته، ووضع نظام لتعميمه في مكة أو منى.
هذا - وإن فضيلة البيت الحقيقية التي بني لأجلها هي عبادة الله وحده فيه بما شرعه كما يحب ويرضى، وقد جنى عليه المشركون ودنسوه بعبادة غيره فيه، ثم بصد المؤمنين الموحدين له عنه، كما قال:
{ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله } [الفتح: 25] ثم إخراجهم إياهم من جواره، لإيمانهم بربوبيته وألوهيته تعالى وحده دون ما أشركوه معه كما قال للمؤمنين: { يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم } [الممتحنة: 1] وقال فيهم: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } [الحج: 40] فأي مزية تبقى مع هذه الجرائم لخدمة حجارته، واحتكار مفتاحه، وسقاية المشركين من حجاجه؟ وأي ظلم أشد من هذا الظلم في موضوعه؟
{والله لا يهدي القوم الظالمين} إلى الحق في أعمالهم، ولا إلى الحكم العدل في أعمال غيرهم، أي: ليس من سنته في أخلاق البشر وأعمالهم أن يكون الظالم مهديا إلى ما هو ضد صفة الظلم، ومناف لها وهو الحق والعدل؛ لأنه جمع بين ضدين بمعنى النقيضين، والقوم الظالمون أشد إسرافا في الظلم من الأفراد، وأبعد عن الهدى بغرورهم بقوتهم وتناصرهم.
ومن أقبح هذا الظلم تفضيل خدمة حجارة البيت، وحفظ مفتاحه، وسقاية الحاج على الإيمان بالله وحده المطهر للأنفس من خرافات الشرك وأوهامه - والإيمان باليوم الآخر الذي يزعها أن تبغي وتظلم، ويحبب إليها الحق والعدل، ويرغبها في الخير وعمل البر، ابتغاء رضوان الله لا للفخر والرياء - وعلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وترقية شئون البشر في مدارج العلم والعمل. ومن المعلوم أن هذا الجهاد يشمل القتال والنفقة فيه وغيرهما من أنواع مجاهدة الكفار، ومجاهدة النفس، لإبلاغها مقام الكمال. وهذه الجملة ظاهرة في الرد على المشركين، وإبطال تبجحهم وفخرهم على المؤمنين.
ولما كان نفي استواء الفريقين، ونفي اهتداء الظالمين إلى الحكم الصحيح في موضوع المفاضلة بينهما - وإن اقتضيا بمعونة السياق تفضيل فريق المؤمنين المجاهدين على فريق السدنة والسقائين - لا يعرف منهما كنه هذا الفضل، ولا درجة أهله عند الله تعالى، وكان ذلك مما يستشرف له التالي والسامع، بينه تبارك اسمه بيانا مستأنفا يتضمن الرد على المؤمنين الذين تنازعوا في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي الأعمال بعد الإسلام أفضل "؟ فقال: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله هذه العندية حكمية شرعية، ومكانية جزائية، أي: أعظم درجة وأعلى مقاما في الفضل والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبة في جوار الله من أهل سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، الذي رأى بعض المسلمين أن عملهم أفضل القربات بعد هداية الإسلام، ومن غيرهم من أهل البر والصلاح، الذين لم ينالوا فضل الهجرة والجهاد بنوعيه المالي والنفسي يدل على هذا العموم في التفضيل عدم ذكر المفضل عليه.
فإن قيل إن هذا التفسير يدل على أن ما يفتخر به المشركون على المؤمنين من السقاية والعمارة له درجة عند الله تعالى، ولكن درجة الإيمان مع الهجرة والجهاد أعظم - وقد سبق في الآيتين اللتين قبل هذه الآية خلاف ذلك. (قلنا) لا مراء في كون هذين العملين من أعمال البر التي يكون لصاحبها درجة عند الله تعالى إذا فعلا كما يرضى الله، ولذلك أقرهما الإسلام دون غيرهما من وظائف الجاهلية، ولكن الشرك بالله تعالى يحبطهما ويحبط غيرهما من أعمال البر التي كانوا يفعلونها كما تقدم.
{وأولئك هم الفائزون} أي: وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله الفضلى، وكرامته العليا المبينة في الآية التالية دون من لم يكن مستجمعا لهذه الصفات الثلاث، وإن سقى الحاج، وعمر المسجد الحرام، فثواب المؤمن على هذين العملين، دون ثوابه على الهجرة والجهاد المذكورين، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة، فإن الكفر بالله ورسله وباليوم الآخر يحبط أمثال هذه الأعمال البدنية، وإن فرض فيها حسن النية، وقلما يفعلها الكافر إلا لأجل الرياء والسمعة.
وها هنا تستشرف النفس لمعرفة هذا الفوز المجمل فبينه تعالى بقوله: {يبشرهم ربهم} في كتابه المنزل على لسان نبيه المرسل، ثم على لسان ملائكته عند الموت برحمة منه أي: رحمة عظيمة من لدنه عز وجل {ورضوان} أي: نوع من الرضى التام الكامل الذي لا يشوبه، ولا يعقبه سخط، يدل على هذا المعنى زيادة لفظ رضوان في المبنى على لفظ رضى مع تنكيره، ويؤيده الحديث الصحيح الآتي {وجنات} تجري من تحتها الأنهار في دار الكرامة وجوار الرحمن {لهم فيها نعيم مقيم} أي: لهم فيها نعيم عظيم خاص بهم دون من لم يؤمن، ولم يهاجر هجرتهم، ولم يجاهد جهادهم، مقيم دائم لا يزول على عظمه وكماله الذي يدل عليه تنكير لفظه في هذا السياق أيضاً.
{خالدين فيها أبدا} أي: مقيمين في تلك الجنات إقامة أبدية. أكد الخلود بالأبدية؛ لأن معناه اللغوي طول المكث والإقامة، كما قال:
{ عطاء غير مجذوذ } [هود: 108] وتقدم تفسير الخلود والأبد في مثل هذا اللفظ مرارا {إن الله عنده أجر عظيم} أي: لأن ما عند الله تعالى من الأجر على الإيمان والعمل الصالح - وأعظمه وأنفعه وأشقه الهجرة والجهاد - عظيم جدا لا يقدر قدره غيره جل جلاله وعم نواله، وناهيك بالإيمان الكامل الباعث على هجر الوطن، ومفارقة الأهل والسكن، وإنفاق المال الذي هو مناط رغائب الدنيا ونعيمها، وبذل النفس التي هي العلة الغائية للبشر من وجودهم، جهادا في سبيل الله، وهي الطريق التي شرعها، والسنن التي سنها، لإعلاء كلمته ونصر رسوله، وإقامة ما شرعه من الحق والعدل لعباده، فلا غرو أن يبشرهم بجميع أنواع الأجر والجزاء الروحية والجسدية.
فالأجر الروحاني قسمان، عبر عنهما بالرحمة والرضوان، وهما رتبتان أو درجتان، نكرهما للدلالة على التنويع والتعظيم الذي نطقت به الآية الثانية، فهذه الرحمة الخاصة، تشمل ما يخصهم به من العطف والإحسان في الدنيا والآخرة، مما هو فوق رحمته العامة لكل الخلق، التي وسعت كل شيء.
وأما الرضوان وهو الاسم لكمال الرضاء كما تقدم فهو فوق نعيم الجنة كله فإن الله يرحم من رضي عنه، ومن لم يرض عنه وإن كانت رحمته لمن رضي عنه أعلى وأعظم، والدليل على أن هذا الرضوان أعلى النعيم وأكمل الجزاء، وأنه يكون في الجنة أكبر نعيمها قوله تعالى في هذه السورة:
{ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } [التوبة: 72] فقد عطف الرضوان على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد، للدلالة على أنه فضل مستقل فوق الجزاء الذي تقدمه في الوعد وهو الجنات وما فيها - فهذه الآية أبلغ في تعظيم شأن الرضوان الإلهي في الجنة من آية هذا السياق، ومن آية آل عمران التي أنزلت قبلهما: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15] ويؤيد ما قلناه من أن رضوان الله تعالى في الجنة فوق نعيمها كله ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة: فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا" .
ومن تنطع بعض الصوفية في فلسفتهم أنهم لا يطلبون من الله النجاة من النار، ولا الفوز بالجنة، وإنما يطلبون النعيم الروحاني الأعلى فقط، وهو لقاؤه ورضوانه ورؤيته عز وجل، وإنها لفلسفة جهلية من نزعات منكري البعث الجسماني، مخالفة لنصوص كتاب الله تعالى وهدي رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تقدم بيانه في غير هذا الموضع.
وأكبر العبر للمسلم في هذا السياق أن البدع الطارئة على الدين يقصد بها في أول أمرها أن تكون مزيد كمال في الدين تقوي أصوله، وما شرع لأجله، ثم ينتهي ذلك بهدم أصوله وما شرع له. وإقامة البدعة مقامها كما يعلم مما رواه البخاري عن ابن عباس في سبب عبادة قوم نوح " لود وسواع ويغوث ويعوق ونسر " من أنهم كانوا قوما صالحين، فصوروهم بعد موتهم لأجل الذكرى والاتباع، ثم عبدوهم وعبدوا صورهم بالتعظيم والدعاء والتوسل والاستشفاع وغير ذلك، ثم صارت عبادة الله وحده منكرة عندهم، ثم سرى ذلك الشرك في العرب وغيرهم، حتى آل الأمر إلى منع عبادة الله تعالى وحده في بيته الحرام، ومنع المسلمين من دخوله لعبادته وحده كما تقدم - وهكذا شأن كل بدعة: يئول أمر أهلها إلى محاربة السنة، وعداوة من يعتصم بها، وينكر البدع المحدثة التي لعن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهلها، كما فعل ويفعل المبتدعون في تكفير الوهابية وغيرهم من دعاة السنة والمعتصمين بها أو تضليلهم، وقتالهم عند الإمكان.