التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
٢٥
ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٧
-التوبة

تفسير المنار

هذه الآيات تذكير للمؤمنين بنصر الله لهم على أعدائهم في مواطن القتال الكثيرة معهم، إذ كان عددهم وعتادهم قليلا لا يرجى معه النصر بحسب الأسباب والعادة، وابتلائه إياهم بالتولي والهزيمة يوم حنين على عجبهم بكثرتهم ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك بعناية خاصة من لدنه - ; ليتذكروا أن عنايته تعالى وتأييده لرسوله وللمؤمنين بالقوى المعنوية، أعظم شأنا وأدنى إلى النصر من القوة المادية، كالكثرة العددية وما يتعلق بها، وجعل هذا التذكير تاليا للنهي عن ولاية آبائهم وإخوانهم من الكفار، وللوعيد على إيثار حب القرابة والزوجية والعشيرة {لو كانوا مؤمنين} والمال والسكن على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، تفنيدا لوسوسة شياطين الجن والإنس - من المنافقين ومرضى القلوب - لهم، وإغرائهم باستنكار عود حالة الحرب مع المشركين، وتنفيرهم من قتالهم لكثرتهم، ولقرابة بعضهم، ولكساد التجارة التي تكون معهم، وذلك بعد إقامة الدلائل على كون ذلك من الحق والعدل والمصلحة العامة في الدين والدنيا، وفي هذه الغزوة من العبر والحكم والأحكام ما ليس في غيرها، وسنبين المهم منه في إثر تفسير الآيات، قال عز وجل:
{لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} الظاهر أن هذا الخطاب مما أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقوله لجماعة المسلمين بالتبع لما قبله، وفيهم بقية من المنافقين وضعفاء الإيمان، ولم يعطف عليه; لأنه بيان مستأنف لإقامة الحجة على صحة ما قبله من نهي ووعيد، وأن الخير والمصلحة للمؤمن في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وفي إيثار حب الله ورسوله، والجهاد في سبيله على حب أولي القربى والعشيرة والمال والسكن مما يحب للقوة والعصبية وللتمتع بلذات الدنيا، فإن نصر الله تعالى لهم في تلك المواطن الكثيرة لم يكن بقوة عصبية أحد منهم، ولا بقوة المال، وما يأتي به من الزاد والعتاد، وقد ترتب عليه من القوة والعزة والثروة ما لم يكن لهم مثله من قبل، ثم ترتب عليه من السيادة والملك بطاعة الله ورسوله ما هو أعظم من ذلك فيما بعد، ثم يكون له من الجزاء في الآخرة ما هو أعظم وأدوم. وإنما ذلك من فضل الله عليهم بهذا الرسول الذي جاءهم بهذا الدين القويم.
والمواطن جمع موطن، وهي مشاهد الحرب ومواقعها، والأصل فيه مقر الإنسان ومحل إقامته كالوطن. ووصفها بالكثيرة; لأنها تشمل غزوات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكثر سراياه التي أرسل فيها بعض أصحابه، ولم يخرج معهم، ولا يطلق اسم الغزوة - ومثلها الغزاة والمغزى - إلا على ما تولاه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه من قصد الكفار إلى حيث كانوا من بلادهم أو غيرها.
روى البخاري ومسلم في كتاب المغازي من صحيحهما عن أبي إسحاق السبيعي أنه سأل زيد بن أرقم: كم غزا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غزوة؟ قال: تسع عشرة. وسأله: كم غزا معه؟ قال: سبع عشرة، قال الحافظ في شرح الحديث من أول الكتاب عند قوله تسع عشرة: كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون. وإسناده صحيح وأصله في مسلم. فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلها الأبواء وبواط، وكأن ذلك خفي عليه لصغره اهـ.
ثم ذكر الحافظ عن موسى بن عقبة أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاتل بنفسه في ثمان: بدر ثم أحد ثم الأحزاب ثم المصطلق ثم خيبر ثم مكة ثم حنين ثم الطائف، (قال) وأهمل غزوة قريظة ; لأنه ضمها إلى الأحزاب; لكونها كانت في أثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب. وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر. وقد توسع ابن سعد فبلغ عدد المغازي التي خرج فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه سبعا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو مطابق لما عده ابن إسحاق، إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل. إلخ. ووضح الحافظ هذا البسط من جانب، وتدخل بعض المغازي المتقاربة في بعض من جانب آخر، فكان خير جمع بين الأقوال.
ثم قال: وأما البعوث والسرايا فعند ابن إسحاق ستا وثلاثين، وعند الواقدي ثمانيا وأربعين (كذا) وحكى ابن الجوزي في التلقيح ستا وخمسين، وعند المسعودي ستين، وبلغها شيخنا زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في الإكليل أنها تزيد على مائة فلعله أراد ضم المغازي إليها. اهـ. واختار بعض العلماء أن المغازي والسرايا كلها ثمانون.
ومن المعلوم أنه لم يقع فيها كلها قتال فيقال إنه تعالى نصرهم فيها، كما أن من المعلوم أنه تعالى نصرهم في كل قتال إما نصرا عزيزا مؤزرا كاملا وهو الأكثر، ولاسيما بدر والخندق وغزوات اليهود والفتح، وإما نصرا مشوبا بشيء من التربية على ذنوب اقترفوها كما وقع في أحد إذ نصرهم الله أولا، ثم أظهر العدو عليهم بمخالفتهم أمر القائد الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في أمر من أهم أوامر الحرب، وهو حماية الرماية لظهورهم كما تقدم تفصيله في سورة آل عمران وتفسيرها - وكما كان في حنين من الهزيمة في أثناء المعركة، والنصر العزيز التام في آخرها، وهو ما بينه تعالى بقوله:
{ويوم حنين} أي: ونصركم يوم حنين أيضا، وهو واد إلى جانب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات، هذا ما اعتمده الحافظ في الفتح وغيره، وقيل: إن بينه وبين مكة ست ليال. وعن الواقدي ثلاث ليال. وفي روح المعاني للآلوسي أنه على ثلاثة أميال من الطائف. وتسمى هذه الغزوة أوطاسا وغزوة هوازن. وأوطاس كما في معجم البلدان واد في أرض هوازن كانت فيه وقعة حنين للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ببني هوازن، ومثله في القاموس، وقد عقد البخاري في صحيحه بابا لغزوة أوطاس بعد سوق الروايات في غزوة حنين. وقال الحافظ في الكلام على هذه الترجمة: قال عياض: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين. اهـ.
وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين. ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الواقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عسكرا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف. وقال أبو عبيد الله البكري: أوطاس واد في دار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين اهـ.
وقال ابن القيم في الاسمين: وهما موضعان بين مكة والطائف، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى غزوة; لأنهم هم الذين أتوا لقتال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اهـ. والأولى أن يقال: إنها سميت باسمهم; لأنها وقعت بأرضهم، ولأنهم هم الذين جمعوا جموع العرب من القبائل الأخرى لقتاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكانوا هم الموقدين لنار الحرب والمقصودين بها.
وقوله تعالى: {إذ أعجبتكم كثرتكم} بدل من " يوم حنين " أو عطف بيان له، وحاصل معناه مع ما سبقه أنه نصركم في مواطن كثيرة ما كنتم تطمعون فيها بالنصر بمحض استعدادكم وقوتكم; لقلة عددكم وعتادكم، ونصركم أيضا في يوم حنين، وهو اليوم الذي أعجبتكم فيه كثرتكم إذ كنتم اثني عشر ألفا، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط، فقال قاتلكم معبرا عن رأي الكثيرين الذين غرتهم الكثرة: لن نغلب اليوم من قلة. وقد زعم بعض رواة السيرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي قال هذا القول، ورده الرازي بأنه غير معقول، ونرده أيضا بأن المنقول الصحيح خلافه، وهو ما رواه يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس، قال: قال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة. فشق ذلك على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانت الهزيمة. اهـ.
أي وقعت بأسبابها فكانت عقوبة على هذا الغرور والعجب الذي تشير إليه الكلمة، وتربية للمؤمنين حتى لا يعودوا إلى الغرور بالكثرة ; لأنها ليست إلا أحد الأسباب المادية الكثيرة للنصرة، وما تقدم بيانه من الأسباب المعنوية في سورة الأنفال أعظم، وقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين الكاملين الذين يعلمون قيمة أسباب النصر المعنوية كالصبر والثقة بالله والاتكال عليه:
{ قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } [البقرة: 249] وكذلك وقعت الهزيمة بأسبابها في يوم أحد عقوبة وتربية كما تقدم في محله.
{فلم تغن عنكم شيئا} أي: فلم تكن تلك الكثرة التي أعجبتكم وغرتكم كافية لانتصاركم بل لم تدفع عنكم شيئا من عار الغلب والهزيمة {وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} أي: ضاقت عليكم الأرض برحبها وسعتها فلم تجدوا لكم فيها مذهبا ولا ملتحدا {ثم وليتم مدبرين} أي وليتم ظهوركم لعدوكم مدبرين لا تلوون على شيء.
{ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} السكينة اسم للحالة والهيئة النفسية الحاصلة من السكون والطمأنينة، وهي ضد الاضطراب والانزعاج، وتطلق كما في المصباح على الرزانة والمهابة والوقار. والمعنى: أن الله تعالى أفرغ من سماء عزته وقدرته سكينته اللدنية على رسوله بعد أن عرض له ما عرض من الأسف والحزن على أصحابه عند وقوع الهزيمة لهم، على أنه ثبت كالطود الراسي نفسا، ولم يزدد إلا شجاعة وإقداما وبأسا وعلى المؤمنين الذين ثبتوا معه وأحاطوا ببغلته وقليل ما هم في ذلك الجيش اللهام كما يعلم هذا وذاك من الروايات الصحيحة الآتية، ثم على سائر المؤمنين الصادقين فأذهب روعهم، وأزال حيرتهم واضطرابهم، وعاد إليهم ما كان زال أو زلزل من ثباتهم وشجاعتهم، ولاسيما عند ما سمعوا نداءه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونداء العباس يدعوهم إلى نبيهم بأمره كما يأتي، وإنما قال: {وعلى المؤمنين} ولم يقل " وعليكم " ; لأن الخطاب للجماعة وفيهم بقية من المنافقين وضعفاء الإيمان كما تقدم، وستأتي شواهده في الروايات الصحيحة. فيا لله العجب من هذه الدقة في بلاغة القرآن.
{وأنزل جنودا لم تروها} أي: وأنزل مع هذه السكينة جنودا روحانية من الملائكة لم تروها بأبصاركم، وإنما وجدتم أثرها في قلوبكم، بما عاد إليها من ثبات الجأش، وشدة البأس وعذب الذين كفروا في الدنيا بكفرهم، ما داموا يستحبون الكفر على الإيمان، ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه، كما وعدكم فيمن بقي منهم بقوله من هذا السياق أو البلاغ:
{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم } [التوبة: 14] الآية. ويدخل في هذا الجزاء من كان حاله مثل حال أولئك الكافرين في قتال من كان على هدي أولئك المؤمنين إلى يوم الدين.
{ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم} ثم يتوب الله تعالى بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام، وهم الذين لم تحط بهم خطيئات جهالة الشرك وخرافاته من جميع جوانب أنفسهم، ولم يختم على قلوبهم بالإصرار على الجحود والتكذيب، أو الجمود على ما ألفوا بمحض التقليد، والله غفور لمن يتوب عن الشرك والمعاصي رحيم بهم. ونكتة التعبير عن هذه التوبة، وما يتلوها من المغفرة والرحمة، بصيغة الفعل المستقبل " يتوب " إعلام المؤمنين بأن ما وقع في حنين من إيمان أكثر من بقي من الذين غلبوا وعذبوا بنصر المؤمنين عليهم، سيقع مثله لكل الذين يقدمون على قتال المؤمنين بعد عودة حال الحرب بينهم، فإن من سنة الله في الاجتماع البشري أن يميز الخبيث من الطيب بمثل ذلك. وما من حرب من حروب المسلمين الدينية الصحيحة إلا وكان عاقبتها كذلك. ولما صار الإسلام جنسية، وحروب أهله أهواء دنيوية فقدوا ذلك.
فصل في أصح الروايات، المفسرة لإجمالي هذه الآيات
الخروج إلى حنين والقتال والهزيمة:
قال الحافظ في أول الكلام على هذه الغزوة من الفتح: قال أهل المغازي: خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حنين لست خلت من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ بالخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره. وكان السبب في ذلك أن مالك بن عوف النصري جمع القبائل من هوازن، ووافقه على ذلك الثقفيون، وقصدوا محاربة المسلمين، فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخرج إليهم، قال عمر بن شبة في كتاب مكة: حدثنا الحزامي يعني إبراهيم بن المنذر - حدثنا ابن وهب عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة أنه كتب إلى الوليد: أما بعد، فإنك كتبت إلي تسألني عن قصة الفتح - فذكر له وقتها - فأقام عامئذ بمكة نصف شهر، ولم يزد على ذلك، حتى أتاه أن هوازن وثقيفا قد نزلوا حنينا يريدون قتال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانوا قد جمعوا إليه ورئيسهم عوف بن مالك. ولأبي داود بإسناد حسن من حديث سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى حنين فأطنبوا السير فجاء رجل فقال: إني انطلقت من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم قد اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى " وعند ابن إسحاق من حديث جابر ما يدل على أن هذا الرجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي اهـ.
وقد أخرج البيهقي في الدلائل حديث الربيع بن أنس المتقدم عن يونس بن بكر، وزاد فيه أنهم أي المسلمين كانوا اثني عشر ألفا منهم ألفان من أهل مكة. أقول: وأما العشرة الآلاف فهم أصحابه الذين فتح بهم مكة. وفي البخاري من حديث هشام بن زيد عن أنس عبارة مبهمة بل غلط في هذا العدد، قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي عشرة آلاف من الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، فقال: " يا معشر الأنصار " فقالوا: لبيك يا رسول الله نحن معك، ثم التفت عن يساره (فذكر مثل ذلك) إلخ، فقوله: من الطلقاء غلط، وفي رواية له: ومن الطلقاء. وهي مبهمة كما يعلم من رواية مسلم وهي " ومعه الطلقاء " إلخ. ومن رواية البيهقي التي تقدمت آنفا. وهؤلاء الطلقاء كانوا ألفين. وكان حال بعض الألفين وخفة بعض الشبان هما السبب الأول للهزيمة، إذ كان بعضهم منافقا أظهر الإسلام لما غلب على أمره ووطنه ومهد دينه ومعهد عزه وكبريائه، وبعضهم ضعيف الإيمان، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتألفهم إلى أن يظهر لهم نور الإسلام وفضله بالعمل ومعاشرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المؤمنين الصادقين، ويزول ما كان في قلوبهم من ألفة الشرك وعداوة الإسلام، حتى إن بعضهم أظهر الشماتة - بل الكفر - عند ما وقعت الهزيمة، وكان منهم من ينوي قتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أمكنته الفرصة. كما يعلم من الروايات الصحيحة الآتية في القصة.
وأما السبب الثاني للهزيمة فهو مثل ما سبق في وقعة أحد من ظهور المسلمين على المشركين وإقبالهم على الغنائم، واشتغالهم بها عن القتال، وعند ذلك استقبلتهم هوازن وبنو نصر بالسهام، وكانوا رماة لا يكاد يخطئ لهم سهم.
روى الشيخان وغيرهما من حديث البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بغلته البيضاء. وأن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها - وهو يقول:

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

وفي رواية لمسلم قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة فقال: أشهد على نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما ولى. ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسرة؟ إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول:

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

"اللهم أنزل نصرك " قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وروى مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حنينا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني فما دريت ما أصنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فولى صحابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بأحدهما مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهزما وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " لقد رأى ابن الأكوع فزعا " فلما غشوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ثم استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غنائمهم بين المسلمين اهـ.
عدد من ثبت معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حنين:
قال الحافظ في شرح حديث البراء من فتح الباري عند قوله: وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء بعد بيان أن الحارث هذا هو ابن عبد المطلب عمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما نصه: وعند أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة قال: لما فر الناس يوم حنين جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

فلم يبق معه إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم: علي والعباس بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان وابن مسعود من الجانب الأيسر (قال) وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل.
وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون وما مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة رجل. وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين. وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم حنين، فولى عنه الناس، وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين، والأنصار، فكنا على أقدامنا، ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة. وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين. وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم أنه ثبت معه اثنا عشر رجلا فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة وأسامة بن زيد وأخوه من أمه أيمن بن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر فهؤلاء تسعة، وقد تقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم فهؤلاء عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا معه كانوا عشرة فقط وذلك قوله:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
وعاشرنا وافي الحمام بنفسه لما مسه في الله لا يتوجع

ولعل هذا هو الثبت، ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم، وممن ذكر الزبير بن بكار وغيره أنه ثبت يوم حنين جعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، وشيبة بن عثمان الحجبي، فقد ثبت عنه أنه لما رأى الناس قد انهزموا استدبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليقتله فأقبل عليه فضربه في صدره، وقال له: " قاتل الكفار " فقاتلهم حتى انهزموا اهـ.
ونقل ابن القيم عن ابن إسحاق بسنده إلى جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأجنابه ومضايقه قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شهدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد، وانحاز رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات اليمين ثم قال: " إلى أين أيها الناس؟ هلم إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله " وبقي مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفر من المهاجرين وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته: علي والعباس، وأبو سفيان بن الحارث وابنه، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن - وقتل يومئذ.
ظهور شماتة المنافقين بالهزيمة:
قال ابن إسحاق: ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الطعن، فقال أبو سفيان بن حرب لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرح جبلة بن الجنيد - وقال ابن هشام صوابه كلدة - ألا قد بطل السحر اليوم. فقال له صفوان أخوه لأمه وكان بعد مشركا: اسكت فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وذكر ابن سعد عن شيبة بن عثمان الحجبي قال: لما كان عام الفتح دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكة عنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه، فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما اتبعته أبدا، وكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بغلته فأصلت السيف فدنوت أريد ما أريد منه، ورفعت سيفي حتى كدت أشعره إياه، فرفع لي شواظ من نار كالبرق يكاد يمحشني، فوضعت يدي على بصري خوفا عليه، فالتفت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فناداني " يا شيب ادن مني " فدنوت منه فمسح صدري، ثم قال: " اللهم أعذه من الشيطان " قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي، وأذهب الله ما كان في نفسي، ثم قال: " ادن فقاتل " فتقدمت أمامه أضرب بسيفي - الله أعلم أني أحب أن أقيه بنفسي كل شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستوى عليها وخرج في إثرهم حتى تفرقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره، فدخل خباءه، فدخلت عليه ما دخل عليه أحد غيري حبا لرؤية وجهه وسرورا به، فقال: " يا شيب الذي أراك الله بك خير مما أردت لنفسك " ثم حدثني بكل ما أضمرت في نفسي مما لم أكن أذكره لأحد قط. (قال) فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قلت: استغفر لي، فاستغفر لي فقال: " غفر الله لك " اهـ. وروي نحو من هذا عن النضر أو النضير بن الحارث من أنه خرج إلى حنين وهو كافر يريد أن يعين على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن كانت الحرب عليه، ثم صرح له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الجعرانة بما كان في نفسه فحسن إسلامه. ذكر الحافظ هذا في ترجمة نضير من الإصابة، وذكر شيئا من هذا المعنى عن أبي سفيان صخر بن حرب لم يذكر تاريخه.
تراجع المسلمون ونصر الله لهم:
روى مسلم من حديث العباس ـ رضي الله عنه ـ قال شهدت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم نفارقه، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " أي عباس ناد أصحاب السمرة " فقال عباس (وكان رجلا صيتا) فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار. قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا حين حمي الوطيس قال: ثم أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: " انهزموا ورب محمد " قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا اهـ. وفي رواية له عنه زيادة حتى هزمهم الله تعالى وكأني أنظر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يركض خلفهم.
قال النووي في شرح كلمة العباس: قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة إلخ. وفي السير أن خبر الهزيمة بلغ مكة فشمت منافقوها.
وفد هوازن وإسلامهم وغنائمهم وسبيهم
روى البخاري من حديث عروة بن الزبير، أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام حين جاء وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
" معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم " وكان أنظرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير راد لهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل " فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إنا لا ندري من أذن في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. هذا الذي عن سبي هوازن اهـ. وقائل هذا القول الأخير هو الزهري راوي الحديث كما صرح به البخاري في كتاب الهبة، وتطيب ذلك معناه إعطاؤه عن طيب نفس بلا مقابل، والعرفاء: جمع عريف، وهو الذي يتولى أمر طائفة من الناس ويتعرف أمورهم ; ليخبر بها من فوقه من أمرائهم وأئمتهم، وفعله من باب نصر وحسن. وإنما أخر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسمة الغنائم لأجل عتق السبي.
قال الحافظ في شرح هذا الحديث من الفتح: ساق الزهري هذه القصة من هذا الوجه مختصرة، وقد ساقها موسى بن عقبة في المغازي مطولة، ولفظه: ثم انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطائف في شوال إلى الجعرانة وبها السبي - يعني سبي هوازن - وقدم عليه وفد هوازن مسلمين فيهم تسعة نفر من أشرافهم، فأسلموا وبايعوا ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات وهن مخازي الأقوام فقال:
" سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم، فأي الأمرين أحب إليكم؟ ألسبي أم المال؟ قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال فالحسب أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فقال: أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم فلما صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الهاجرة قاموا فتكلم خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين رد سبيهم. ثم قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين فرغوا فشفع لهم وحض المسلمين عليه وقال: لقد رددت الذي لبني هاشم عليهم " فاستفيد من هذه القصة عدد الوفد وغير ذلك مما لا يخفى اهـ.
ثم ذكر الحافظ رواية ابن إسحاق ولفظه: وأدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أهل وعشيرة قد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول. ثم أنشد الأبيات المشهورة أولها:

امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر

ويقول فيها:

امنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر

ثم ساق القصة نحو سياق موسى بن عقبة اهـ. ويعني الشاعر الخطيب بما ذكر من قرابة السبايا للمصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرابة الرضاع، فقد كان بنو سعد من هوازن وكان في السبايا أخته (الشيماء) وقد أكرمها وحباها، وقيل: كان فيهم (حليمة) مرضعته أيضا، وكان من رجال الوفد عمه من الرضاعة أبو مروان، ويقال: ثروان وبرقان، كما كان هذا الخطيب منهم أيضاً.
وفي طبقات ابن سعد أن رجال الوفد كانوا أربعة عشر رجلا، وأن مما قاله خطيبهم زهير بن صرد في السبايا: وأن أبعدهن قريب منك، حضنك في حجورهن، وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن، وأنت خير المكفولين.
قسمة غنائم حنين
وإيثار قريش ولاسيما المؤلفة قلوبهم وحرمان الأنصار
كان السبي ستة آلاف نفس من النساء والأطفال الذين قضى عرف الحرب يومئذ استرقاقهم، وأعتقهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ باسترضاء المستحقين من الغانمين، فجمع بين سياسة الإسلام في التوسل إلى تحرير الرقيق بجميع الوسائل، واتقاء تنفير المسلمين ولاسيما حديثي العهد بالإسلام. وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفا والغنم أربعين ألف شاة وقيل أكثر، والفضة أربعة آلاف أوقية. وسبب هذه الكثرة أن مالك بن عوف النصري الذي جمع القبائل للقتال، ساق مع المقاتلة نساءهم وأبناءهم ومواشيهم وأموالهم لأجل أن يثبتوا ولا يفروا، فكان ذلك تسخيرا من الله تعالى; ليكونوا غنيمة للمسلمين، فلما قسمها وأفاض في العطاء على المؤلفة قلوبهم من طلقاء يوم الفتح وجد الأنصار وتحدث بعضهم بذلك، فجمعهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخطب فيهم فأرضاهم، وذلك مروي في الصحاح والسنن والمغازي فنذكر أصح الروايات فيه.
روى أحمد والبخاري ومسلم من عدة طرق، واللفظ هنا للبخاري من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال:
"لما أفاء الله على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله كلما قال شيئا؟ قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم قلتم جئنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار، والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض " .
وللشيخين من حديث أنس واللفظ للبخاري: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي رجالا المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. (قال أنس): فحدث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم غيرهم. فلما اجتمعوا قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: " ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " فإني أعطي رجالا حديث عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به " قالوا: يا رسول الله لقد رضينا، فقال لهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " ستجدون أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض " قال أنس: فلم يصبروا اهـ. وفي رواية فلم نصبر ; لأنه منهم. وفي رواية أخرى عنه قال: جمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناسا من الأنصار فقال: " إن قريشا حديث عهد - كذا فيهما - بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم " إلخ.
ولهما من حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ واللفظ للبخاري وهو أخصر قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناسا: أعطى الأقرع مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسا فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله. فقلت: والله لأخبرن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:
" رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " وفي رواية له عنه فقال رجل من الأنصار. قال الحافظ في رواية الأعمش أي عنه فقال رجل من الأنصار، وفي رواية الواقدي أنه معتب بن قشير بن عوف وكان من المنافقين.
وروى أحمد ومسلم وغيرهما من حديث رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس:

أتجعل نهبي ونهب العبيـ د بين عيينة والأقرع
فما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن تخفض اليوم لا يرفع

قال: فأتم له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة اهـ. وقد نقل الحافظ في الفتح أسماء هؤلاء المؤلفة الذين أجزل لهم العطاء فبلغوا أربعين ونيفاً.
وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث زيد بن عاصم المتقدم: " لو شئتم لقلتم جئتنا كذا وكذا " وإنما أبهمه الراوي أدبا معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد فسر في حديث أبي سعيد ولفظه فقال: " أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك " ورواه أحمد بإسناد صحيح من حديث أنس بلفظ " أفلا تقولون: جئتنا خائفا فأمناك، وطريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك؟ " فقالوا: بل المن علينا لله ولرسوله اهـ.
وأقول: هذا من عجائب تواضعه ولطفه ودقائق حكمته وسياسته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ذكر ما لعله يختلج في مثل تلك الحال في قلوب بعضهم بعد ذكر بعض ما من الله تعالى به عليهم من النعم بهدايته، وما كانوا قبلها إلا قبيلتين من قبائل العرب المتعادية المتباغضة، لا هم لإحداهما إلا الفتك بالأخرى فصاروا أعز العرب ومفخر الإسلام والمسلمين ونزل فيهم:
{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } [آل عمران: 103] الآية. وأثنى عليهم في آيات أخرى يتعبد الملايين من جميع الشعوب بتلاوتها إلى يوم القيامة. وروي أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما فرغ من خطبته بكى القوم حتى اخضلت لحاهم بالدموع ـ رضي الله عنهم ـ. وقد بين المحقق ابن القيم في الهدي ما في هذه الغزوة من الحكم والأحكام، فنذكر منها ما يتعلق بتفسير الآيات من العبرة والحكمة، وهو قوله نفع الله بعلمه وحكمته:
فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة
من المسائل الفقهية، والنكت الحكمية
كان الله عز وجل قد وعد رسوله وهو صادق الوعد أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجا، ودانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى أن أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الإسلام، وأن يجمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين ; ليظهر أمر الله وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه ; ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح ; وليظهر الله سبحانه رسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها فلا يقاومهم بعد أحد من العرب، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين، وتبدوا للمتوسمين، فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعددهم وقوة شوكتهم، ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واضعا رأسه منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه يكاد أن يمس سرجه، تواضعا لربه، وخضوعا لعظمته، واستكانة لعزته، أن أحل له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وليبين سبحانه لمن قال: لن نغلب اليوم عن قلة - أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه، لا كثرتكم التي أعجبتكم فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين.
فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر، مع بريد النصر {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} [التوبة: 26] وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر وجوائزه إنما تفيض على أهل الانكسار
{ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } [القصص: 5، 6].
ومنها أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا كما روى أبو داود عن وهب بن منبه قال: سألت جابرا هل غنموا يوم الفتح شيئا؟ قال: لا، وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أسباب القوة، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم، وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشياههم وسبيهم معهم نزلا وضيافة وكرامة لحزبه وجنده، وتمم تقديره سبحانه بأن أطعمهم في الظفر، وألاح لهم مبادئ النصر ليقضي الله أمرا كان مفعولا [8: 42] فلما أنزل الله نصره على رسوله وأوليائه، وبردت الغنائم لأهلها، وجرت فيها سهام الله ورسوله، قيل: لا حاجة لنا في دمائكم، ولا في نسائكم وذراريكم، فأوحى الله سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة، فجاءوا مسلمين، فقيل: إن من شكر إسلامكم وإتيانكم أن نرد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم،
{ إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم } [الأنفال: 70].
ومنها أن الله سبحانه افتتح غزو العرب بغزوة بدر، وختم غزوهم بغزوة حنين ; ولهذا يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر فيقال: بدر وحنين، وإن كان بينهما سبع سنين والملائكة قالت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين. والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيهما، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين، فالأولى خوفتهم وكسرت من حدهم، والثانية استفرغت قواهم، واستنفدت سهامهم، وأذلت جمعهم، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله.
ومنها: أن الله سبحانه جبر بها أهل مكة، وفرحهم بما نالوه من النصر والمغنم وكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم، وإن كان عين جبرهم، وعرفهم تمام نعمته عليهم بما صرف عنهم من شر هوازن، فإنه لم يكن لهم بهم طاقة، وإنما نصروا عليهم بالمسلمين، ولو أفردوا عنهم لأكلهم عدوهم، إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الله تعالى اهـ. ثم عقد فصولا أخرى لما فيها من أحكام الفقه.
افتراء الروافض في غزوة حنين
والطعن في جميع الصحابة وحفاظ السنة
ملخص غزوة حنين أن جيش المسملين كان ثلاثة أضعاف جيش المشركين، ولكن كان فيه ألفان من الطلقاء أهل مكة منهم المنافق المصر على شركه، الذي يتربص بالمؤمنين الدوائر ليثأر منهم، والذي يريد قتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه، ومنهم ضعفاء الإيمان والشبان الذين جاءوا للغنيمة لا لإعزاز الحق بالجهاد.
وأنه لما وقع عليهم رشق النبال كرجل الجراد فر هؤلاء وأدبروا فذعر الجيش، وفر غيرهم اضطرابا، كما هي العادة في مثل هذه الحال لا جبنا، وكانت حكمة الله في ذلك تربية المؤمنين كما تقدم شرحه. وثبت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كعادته، وثبت معه من كان قريبا منه من أهل بيته وغيرهم من كبار المهاجرين الذين لم يكونوا يفارقونه كأبي بكر وعمر وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ، وقد صرح ابن مسعود أن الذين ثبتوا معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا ثمانين رجلا كما تقدم، ومن عدهم أقل من ذلك فإنما عد من رآه بالقرب منه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وليس معنى هذا أن سائر الجيش قد انهزم جبنا، وترك الرسول وهو يعرف مكانه عمدا، بل ولى الجمهور مدبرين بالتبع للطلقاء والأحداث الذين فروا من رشق السهام، وأكثر هذه الألوف لا يعرف مكانه عليه الصلاة والسلام، كما عرف هؤلاء الذين كانوا حوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما علم سائر المسلمين ولاسيما الأنصار بمكانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من نداء العباس ـ رضي الله عنه ـ أسرعوا في العطف والرجوع. هذا ما رواه المحدثون والمؤرخون.
وأما الروافض فإنهم يطعنون كعادتهم في جميع أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويزعمون أنهم فروا كلهم جبنا وعصيانا لله، وإسلاما لرسوله إلى الهلكة، واستحقوا غضبه تعالى ووعيده الذي تقدم في سورة الأنفال، إلا نفرا قليلا لا يتجاوزون العشرة يزعمون أنهم ثبتوا بالتبع لثبات علي كرم الله وجهه، وأنه هو الذي ثبت وحده بنفسه، وأنه لولاه لقتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزال الإسلام من الأرض.
ذكرنا في تفسير الآيتين 3، 4 من هذه السورة كتابا لبعض علماء الشيعة المعاصرين كبر فيه مسألة تلاوة (علي) أوائل هذه السورة على المشركين سنة تسع، وصغر إمارة أبي بكر على الحج وفندنا شبهه في ذلك.
وقد كبر صاحب هذا الكتاب ثبات علي مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حنين أضعاف ذلك التكبير، وحقر سائر الصحابة أقبح التحقير، وزعم أن عمر بن الخطاب قد فر في ذلك اليوم مع الفارين، وهم بزعمه جميع المسلمين، إلا عليا وثلاثة رجال وقيل تسعة " ثبتوا بثباته.
أما زعمه أن عمر قد فر، وهو ما لم يقله أحد من المحدثين، ولا أصحاب السير فقد تأول به رواية قتادة عند البخاري ذكر فيها هزيمة المسلمين، وأنه انهزم معهم وأنه قال: فإذا عمر بن الخطاب في الناس، فقلت: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله ثم تراجع الناس إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اهـ. فوجب أن نبين ما في كلامه من الجهل والافتراء; لأنه جعله تفسيرا لهذه الآية ; لئلا يضل بعض المطلعين على كتابه في فهمها. قال: روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي قتادة إلخ. والمتبادر من قوله روى بإسناده، أنه رواه مسندا موصولا، والصواب أن هذه الرواية فيه معلقة بدأها البخاري بقوله: وقال الليث: حدثني يحيى بن سعيد إلخ. قال الحافظ في شرحه من الفتح: وروايته هذه (يعني يحيى بن سعيد) وصلها المصنف في الأحكام عن قتيبة عنه لكن باختصار اهـ. ويريد بهذا الاختصار ذكر الحديث المرفوع منها وهو قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه" وليس فيها ذكر عمر ـ رضي الله عنه ـ، ولذلك لم يذكرها الرافضي; لأن غرضه محصور في قول أبي قتادة فإذا عمر بن الخطاب في الناس " ليفسره بأنه في الناس الفارين فإن العبارة محتملة لو لم يثبت أن عمر كان فيمن ثبتوا، ولذلك فسره القسطلاني بأنه كان في الناس الذين لم ينهزموا، ومتى كان عمر جبانا يفر من القتال؟! وهو الذي كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو الله بأن يعز به الإسلام، وفي بعض الروايات يشد به الدين " فاستجاب الله دعاءه حتى قال عبد الله بن مسعود: ما عبد الله جهرة حتى أسلم عمر.
وقد طعن الرافضي في جميع الصحابة، ولاسيما أصحاب بيعة الرضوان، الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن، وأقسم أنه رضي عنهم، وجعل ذلك مما يتعبد به المسلمون إلى آخر الزمان ; إذ قال عز وجل:
{ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } [الفتح: 18] ثم قال فيهم: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } [الفتح: 29].
وهذا الكتاب وسائر كتب الروافض يدل على أنهم أشد غيظا بهم من جميع الكفار فإن هذا الرافضي زعم أن جميع المسلمين فروا في أثر المؤلفة قلوبهم من أهل مكة، قال: " ولم يبق مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا ثلاثة: علي عليه السلام يضرب بالسيف بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والعباس آخذ بلجام بغلته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابه. قيل: وابن مسعود إلى جانبه الأيسر وقيل: ثبت معه تسعة من بني هاشم وهو الذي اعتمده الشيخ المفيد في الإرشاد " اهـ.
وهو لم يعتمد على إرشاد مفيده وهو من شيوخهم وكبار مصنفيهم في تأييد نحلتهم، فذكر ما اعتمده بصيغة التعريض بعد جزمه هو بثبات الثلاثة فقط.
ثم زعم أن قوله تعالى: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} خاص بهؤلاء الذين ثبتوا معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقال له: ولماذا عطف على ما قبله بثم الدالة على التراخي؟ أليس دليلا على أن الرسول والذين ثبتوا معه كانوا قد اضطربوا عند اضطراب الجمهور في تلك الهزيمة؟ أوليس نزول السكينة لازما أو ملزوما لعودة المهاجرين والأنصار من أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة إلى القتال؟ وهل عادوا إلا بعد أن زال ذلك الاضطراب واختلاط الأمر الذي عرض لهم بفرار المؤلفة قلوبهم؟ وهل زال ذلك إلا بما أنزل الله عليهم من السكينة لما سمعوا نداء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونداء العباس ـ رضي الله عنه ـ وعلموا مكانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ وهل يكون أصحاب هذه الكرة الناهضة بعد تلك الفرة العارضة وهم أصحاب المواقف السابقة والفتوحات اللاحقة من الجبناء المستحقين لغضب الجبار، ويكون فرارهم خذلانا للرسول وتعمدا لإسلامه للكفار كما افترى هذا الرافضي الكفر؟.
وخلاصة المعنى الذي يدل عليه عطف إنزال السكينة بثم الدال على تأخره عن تولي الأدبار أن الاضطراب المنافي للسكينة بانهزام الطلقاء كان عاما ; إذ تبعه انهزام السواد الأعظم على غير هدى، وهو أمر طبيعي في مثل هذه الحال، فإن اختلف سببه فقد اتفق المآل فالجيش اضطرب لهزيمة عدد كثير منه، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اضطرب باله حزنا على المسلمين، ثم بعد أن تمت حكمة الله في ابتلائهم بذلك أنزل سكينة على رسوله، فأمر عمه العباس بنداء المهاجرين والأنصار، فناداهم فاستجابوا لله وللرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ أنزل الله السكينة عليهم بدعوته والعلم بمكانه.
إن الرافضي عمد بعد أن ذكر مجمل القصة بما وافق هواه من نقل، وما مزجه به من تأويل باطل - إلى تحريف الآيتين في هذه الغزوة، فزعم: أنهما توبيخ لجميع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ما عدا الذين ثبتوا وهم في زعمه ثلاثة، بل واحد في الحقيقة، وخص أصحاب بيعة الرضوان بالذكر، بل بالذم المقتضي للكفر، فقال بعد أن زعم أنهم أسلموا صاحب الدين " لجفاة الأعراب وطغام هوازن وثقيف " ما نصه:
فأين ما بايعتم به الله سبحانه، وما أعطيتموه من العهد والميثاق يوم بيعة الرضوان على ألا تفروا عنه، ومن فر فهو في النار، ومن قتل فهو شهيد؟ فما وفيتم ببيعكم الذي بايعتم به سبحانه (كذا) إذ يقول:
{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا } [التوبة: 111] أنقضتم العهد؟ أم استقلتم البيع؟ {ثم وليتم مدبرين} [التوبة: 25] غير متحرفين لقتال، ولا متحيزين إلى فئة ومن يفعل ذلك { فقد باء بغضب من الله } [الأنفال: 16] انتهى. بحروفه وتحريفه لكلام الله تعالى إذ جعل ذلك كله تفسيرا لآية يوم حنين التي لم تكن إلا تذكيرا للمؤمنين بعناية الله تعالى بهم ونصره إياهم على ما وقع فيهم من الاضطراب والتولي في أول المعركة، وقد أراد بهذا التحريف أن يهدم كل ما للصحابة الكرام من الثناء في كتاب الله، ويجعلهم من شرار الخلق عند الله، ويحول رضوان الله عنهم إلى غضبه، ووعده إياهم بالجنة إلى وعيدهم بالنار.
أرأيت هذا الرافضي كيف لم يتم آية الشراء; لأنها حجة عليه ومبطلة لتأويله وهو قوله تعالى:
{ ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } [التوبة: 111] فلو علم الله تعالى أنهم ينقضون العهد أو يستقيلون هذا البيع لما أمرهم بالاستبشار به، ولما عبر عنه بأنه هو الفوز العظيم أي دون غيره. وقد أشار بقوله: أم استقلتم البيع، إلى قول الأنصار ـ رضي الله عنهم ـ عند بيعة العقبة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على منعه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم، ووعده لهم بالجنة - إذ قالوا: لا نقيل ولا نستقيل، وقد شهد الله ورسوله لهم بالوفاء. وشهد عليهم الرافضي بالخيانة والغدر، واستقالة البيع!!.
وقد أعاد بعد هذا القول ذكر ما زعمه من فرار عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام، وأنزل بموافقته القرآن، وكان أعظم ناشر له في الأرض بعد رسوله عليه الصلاة والسلام. ثم فسر السكينة " بتثبيت القلب وتسكينه وإيداعه الجرأة والبسالة " وقال: " وإنما أنزلها الله على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى المؤمنين وهم الثلاثة أو العشرة الذين مر ذكرهم " وقد جهل أن هذا التفسير طعن فيهم; لأنه نص على أن هذه المعاني من السكينة لم تكن لهم في أول القتال، لعطف نزولها على تولية الأدبار ب " ثم " المفيدة للتراخي، والصواب اللائق به ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبأصحابه المؤمنين ـ رضي الله عنهم ـ ما ذكرنا.
ثم إنه بعد هذا الطعن في جميع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ - والاستثناء معيار العموم على أنه حصره بعد في (علي) وحده - قال: " فإذا تدبرت حالة المسلمين وما قرعهم فيه وعاتبهم به سبحانه وكيف باهى الله سبحانه بأمير المؤمنين ذلك العسكر المجر، والجحفل الحاشد بأعلام الصحابة، وأكابر المهاجرين والأنصار وصناديدهم، ومن إليهم الإيماء والإشارة - ظهرت لك عظمته ومكانته من الله ورسوله، ومبلغه من الدفاع عن الدين والدولة " إلى آخر ما أطال به وأسهب من المعاني الشريعة في تحقير جميع المؤمنين، حتى خص بالذكر الزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص الذين بشرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجنة، وخالد بن الوليد سيف الله ورسوله، وفاتح العراق والشام، ورافع لواء الإسلام، وأبا دجانة وسهل بن حنيف وسعد بن عبادة والحارث بن الصمة وأبا أيوب وأمثالهم من صناديد الإسلام الأعلام، فزعم كاذبا مفتريا أن تلك الصدمة " أطارت أفئدتهم وشردت بهم في كل واد " ليقول في علي " وكيف قام في وجهها، وانتصب لصدها، وأقدم على ردها بصدر أوسع من الفضاء، وقلب أمضى من القضاء " وزعم بل أقسم أنه " لقد فاز من بين أصحاب رسول الله بأجرها، واستولى على فضلها وطار بفخرها " كأنه يشعر شعورا خفيا لا يدركه عقله بأنه لا يتم له إثبات غلوه فيه إلا بافتراء مناقب له مقرونة بتحقير سائر إخوانه أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالكذب على الله في الأمرين، كزعمه أنه تعالى قرعهم، وباهى به، تعالى الله عن ذلك.
ثم ذكر أنه يقول هذا غير مزدر لتلك العصبة الهاشمية وهم التسعة الذين ثبتوا معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أيضا - أي كما ازدرى سائر الصحابة - وإنما استثناهم من الازدراء لنسبهم لا لشجاعتهم وفضلهم، وذلك تحقير لهم، فقد قال بعده: " فوالله الذي لا إله غيره ما ثبت أولئك إلا بثباته، ولا ركنوا إلا لدفاعه ومحاماته، علما منهم بكفايته لحمايتهم والذب عنهم، فإن كل من ألم بالتاريخ وقرأ اليسير علم أن أولئك الهاشميين لم يكن لهم قبل ذلك موقف مشهور، ولا مقام مذكور، ولا دون لهم التاريخ قتل أحد " - إلى أن قال - غلوا في الإطراء والمدح، وإسرافا في الإزراء والقدح، وتهويلا للأمر:
" بربك دع التكلف وخبرني منصفا لو فر أمير المؤمنين عليه السلام من بين أولئك التسعة مع ما يعلمونه من بأسه وشجاعته أكان يثبت منهم أحد؟ كلا والله، وحينئذ تكون الطامة الكبرى والقارعة العظمى بقتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويذهب الدين والدولة، وفي ذلك هلاك الأمم بعد نجاتها، وانقراضها بعد حياتها فثبات أمير المؤمنين ومحاماته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن ثابت إليه تلك الفئة التي لم تتجاوز مائة (؟) مقاتل هو السبب في حياة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبقاء الدين والدولة، ونجاة الخلق من الهلكة ".
ثم فرع من هذه التخيلات الشعرية والتهويلات الخطابية، والمفتريات الرافضية، تخطئة الأمة الإسلامية في تولية أمرها (يعني الإمامة العظمى) غير صاحب هذه المنة عليها وعلى الدين والدولة وعلى.... من استغفر الله بالإشارة إليه، وإن كان حاكى الكفر ليس بكافر.
ثم قفى على تخطئة الأمة بتخطئة الشيخين البخاري ومسلم وأمثالهما من رواة صحاح السنة; لأنهما لم يفتريا في القصة ما افتراه هو وأمثاله على الله في كتابه، وعلى رسوله في سنته، وعلى خيرة أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقد بدأ طعنه في الشيخين بقصد هذه السنة، وصرف المسلمين عنها بقوله: " واعجب للشيخين في صحيحيهما كيف لم يذكرا لأمير المؤمنين عليه السلام من ذلك الموقف العظيم والنصر الباهر شيئا، وقد نطق بذلك الذكر الحكيم، وسنرد طعنه على الشيخين في نحره في النار، وإنما غرضنا في التفسير الدفاع عن كتاب الله والكذب عليه.
إن الله تعالى لم يذكر في القرآن أن عليا ـ رضي الله عنه ـ هو الذي نصر المؤمنين في حنين لا بمنطوق ولا مفهوم، وإنما أسند ذلك إلى نفسه عز وجل فقال: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين} وقال: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} ولم يقل: (وعلى علي) وحده، ولا على الثلاثة أو التسعة الذين زعم الشيعة أنه لم يثبت معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ غيرهم. وقد مر أنه ثبت معه ثمانون رجلا عرفوا بأسمائهم وهو لا ينفي ثبات غيرهم أيضا; لأن العدد لا مفهوم له. وقال: {وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا} ولم يقل: إن عليا هو الذي عذبهم، وهو الذي هزمهم، ولم يقل ذلك أحد من المحدثين ورواة السيرة النبوية.
فإن زعم أنهم كتموها; لأنهم كانوا يكتمون فضائل علي وحده (قلنا): إنهم لم يرووا من مناقب أحد من الصحابة بقدر ما رووا من مناقبه ـ رضي الله عنه ـ وعنهم، ومما رووا ثباته مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتخصيص الشيخين عباسا وأبا سفيان بن الحارث بالذكر; لأنه ثبت عندهما بشروطهما المعروفة، كما أنهما لم يذكرا أبا بكر وعمر أيضا وهو قد نقل عن البخاري رواية معلقة زعم أنها تدل على أن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان من المدبرين، ولم يرو البخاري في صحيحه حديثا ما في مناقب معاوية وروى الأحاديث الكثيرة في مناقب علي كرم الله وجهه.
وإذا كان البخاري ومسلم قد تركا الرواية عمن لا يثقان بعدالته من الروافض فهل يلازمان ونحن نرى مثل هذا المؤلف يفتري الكذب على الله ورسوله، ويحرف كلام الله تعالى غلوا في علي (كرم الله وجهه وأغناه بمناقبه الكثيرة الصحيحة عن ذلك) وإزراء وقدحا في خيار أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطعنا فيهم بالباطل؟.
ليس في التزام الشيخين للصدق مثار للعجب، وإنما العجب من هذا الرافضي كيف لم يستحي من الله حيث أسند إلى كتابه ما ليس فيه، بل ما فيه خلافه أيضا من رضاه عن المهاجرين والأنصار، وحيث أقسم به أنه ما ثبت أحد في حنين إلا علي وثلاثة أو تسعة ثبتوا بثبات علي ـ رضي الله عنه ـ لا بشجاعتهم ولا بإيمانهم ولا بحرصهم على حياة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ثم كيف لم يستحي منه تعالى ومن رسوله وسيد خلقه الذي لم يكن لعلي فضل إلا من فضله، حيث زعم أنه لولاه لقتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذهب الدين والدولة، وهلكت الأمم وانقرضت؟ فجعل له المنة وحده على رسول الله وعلى دينه، وعلى جميع خلقه بما افتراه من ثباته وحده معه، ولو ثبت ثباته وحده لما اقتضى كل هذه المنن فإن النصر لم يكن بمن كان معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولا، بل بفضل الله ثم تأييده، وبعود المهاجرين والأنصار إلى القتال، وإنزال ملائكته لتثبيتهم في مواقف النزال. ألم يؤمن بقول الله تعالى له ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } [المائدة: 67] فكيف يسلط عليه من يقتله؟.
أولم يعلم بأن أفرادا وجماعات قصدوا قتله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرارا فعصمه الله منهم ولم يكن علي معه؟.
ألم يؤمن بما ثبت في الكتاب والسنة من وعد الله لرسوله بالنصر، وإظهار دينه على الدين كله، ومن إيعاد أعدائه بالخذلان؟ ومن ذلك جزمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن ما جمعته هوازن لقتاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حنين غنيمة للمسلمين - فكيف يقول: إنه لولا علي لقتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزالت دولة الإسلام وهلكت الأمم؟ وهل كانت هوازن قادرة على ما عجز عنه سائر العرب مع أن المسلمين كانوا أقوى منهم في كل شيء، ونصر الله فوق ذلك؟.
ألم يكتف بجعل ما جاء به من العار والافتراء ذريعة للطعن في جميع أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى الثلاثة أو التسعة الذين اعترف بفضلهم لنسبهم، وإنزال السكينة عليهم، وفي أجل رواة السنة الصحيحة وممحصيها من الكذب، حتى جعل المنة لعلي على رسول الله وخاتم النبيين في حياته وبلوغ دعوته وتأييد الله ونصره له وبقاء دينه وأمته؟؟.
أبمثل هذا تكون دعاية المسلمين إلى الرفض وتحقير الصحابة ورجال السنة؟.
والذي يعلمه بالبداهة كل صحيح العقل مستقل الفكر مطلع على تاريخ الإسلام أن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ لم يكونوا جبناء، بل كانوا أشجع خلق الله، وأن الله تعالى أيده ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنصره وبهم في جملتهم لا بعلي وحده، كرم الله وجوههم ووجهه، كما قال عز وجل:
{ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم } [الأنفال: 62 و63] الآية، وأن الذين ثبتوا معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بدر وهم أذلة جائعون، حفاة راجلون، قليل مستضعفون، فنصرهم الله على صناديد قريش وفرسانها الذين هم ثلاثة أضعافهم، ما كانوا ليجبنوا عن قتال هوازن وهم على النسبة العكسية من مشركي بدر معهم، ولكن الله تعالى ابتلاهم بما تقدم ذكره مع بيان سببه تمحيصا لهم ليزدادوا إيمانا به وبعنايته برسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتأييده بنصره، ولا يغتروا بالكثرة وحدها.
ولو أقسم مقسم بالله تعالى على خلاف ما أقسم عليه هذا الشيعي الذي ملك عليه الغلو أمره، وسلب التعصب عقله، فقال: والله الذي لا إله غيره إن الله تعالى ما بعث محمدا خاتما للنبيين، ومكملا للدين ورحمة للعالمين، إلا وهو قد كفل نصره على أعدائه الكافرين، وعصمته من اغتيال المغتالين، بفضله وحده، لا بفضل علي ولا غيره، وأنه لو لم يخلق علي بن أبي طالب أو لم يكن في جيش رسوله في حنين لما قتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا زال دين الله من الأرض، ولا هلكت الأمم والشعوب، ولوفى الله تعالى بوعده لرسوله بنصره على أعدائه كلهم، لو أقسم السني المحب لجميع أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا القسم الموافق لكتاب الله وسنة رسوله وللتاريخ الصحيح وللمعقول من سنن الاجتماع، لكان قسمه أبر وأصدق وأرضى لله عز وجل ولرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولعلي عليه السلام والرضوان من قسم ذلك الشيعي على جهله وتعصبه المخالف لكل ما ذكر
{ ومن يضلل الله فما له من هاد } [الرعد: 33].