التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ
٥٣
وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ
٥٤
فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ
٥٥
-التوبة

تفسير المنار

هذه الآيات الثلاث في مسألة النفقة في القتال، وهي الجهاد المفروض في المال، ومثلها سائر النفقات، في حكم ما يعتورها من الرياء والإخلاص، روى ابن جرير الطبري عن ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما دعا الجد بن قيس إلى جهاد الروم قال: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ولكن أعينك بمالي، ففيه نزل {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم} وقد ضعف (الطبري) هذا القول بالتعبير عنه بـ " قيل " والحق أن الآية عامة تشمل هذا وغيره، وأنها نزلت مع غيرها من هذا السياق في أثناء السفر لا عقب قول جد بن قيس ما قال قبله، والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء المنافقين: أنفقوا ما شئتم من أموالكم في الجهاد أو غيره مما أمر الله به في حال الطوع للتقية، أو الكره خوف العقوبة، فمهما تنفقوا في الحالتين لن يتقبل الله منكم شيئا منه، ما دمتم على شك مما جاءكم به الرسول من أمر الدين والجزاء على الأعمال في الآخرة. وقيل: معناه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يقبل منهم ما ينفقونه، ولكن هذا لا يصح على إطلاقه في جميعهم؛ لأن مقتضى إجراء أحكام الشريعة عليهم تقتضي وجوب أخذ زكاتهم ونفقاتهم، إلا أن يوجد مانع خاص في شأن بعضهم، كما سيأتي في تفسيره: { ومنهم من عاهد الله } [التوبة: 75] الآيات.
قال الإمام ابن جرير وتبعه غيره: وخرج قوله: {أنفقوا طوعا أو كرها} مخرج الأمر ومعناه الخبر. والعرب تفعل ذلك في الأماكن التي يحسن فيها " إن " التي تأتي بمعنى الجزاء، كما قال جل ثناؤه:
{ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } [التوبة: 80] فهو في لفظ الأمر ومعناه الخبر، ومنه قول الشاعر:

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت

فكذلك قول: {أنفقوا طوعا أو كرها} إنما معناه: إن تنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم اهـ. {إنكم كنتم قوما فاسقين} هذا تعليل لعدم قبول نفقاتهم، ومعناه: أن إنفاقكم طائعين أو مكرهين سيان في عدم القبول؛ لأنكم كنتم قوما فاسقين و { إنما يتقبل الله من المتقين } [المائدة: 27] والمراد بالفسوق: الخروج من دائرة الإيمان، الذي هو شرط لقبول الأعمال مع الإخلاص، وهو كثير الاستعمال في القرآن - وتخصيصه بالمعاصي من اصطلاح الفقهاء، فليعتبر بهذا منافقو هذا الزمان، الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ويعلنون أمرها في صحف الأخبار؛ ليشتهروا بها في الأقطار. ثم بين تعالى ما في هذا التعليل من الإجمال فقال:
{وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} أي: وما منعهم قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بالله وصفاته على الوجه الحق، ومنها الحكمة والتنزه عن العبث في خلق الخلق وهدايتهم وجزائهم على أعمالهم، وكفرهم برسالة رسوله، وما جاء به من البينات والهدى. قرأ الجمهور: (تقبل) بالمثناة الفوقية وقرأها حمزة والكسائي بالتحتية، وتأنيث النفقات لفظي لا حقيقي فيجوز تذكير فعله {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون}؟ ففعلهم لهذين الركنين من أركان الإسلام، اللذين هما أظهر آيات الإيمان، لا يدل على صحة إيمانهم؛ لأنهم يأتونهما رياء وتقية لا إيمانا بوجوبهما، ولا قصدا إلى تكميل أنفسهم بما شرعهما الله لأجله، واحتسابا لأجرهما عنده أما الصلاة فلا يأتونها إلا وهم كسالى أي: في حال الكسل والتثاقل منها، فلا تنشط لها أبدانهم، ولا تنشرح لها صدورهم، زاد في سورة النساء:
{ يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } [النساء: 142] وقد أمر الله المؤمنين بإقامة الصلاة لا بمجرد الإتيان بصورتها، ووصفهم بالخشوع فيها، وهو ينافي الكسل عند القيام إليها، فعلى كل مسلم أن يحاسب نفسه؛ ليعلم هل صلاته صلاة المؤمنين، أم صلاة المنافقين؟.
وأما الإنفاق في مصالح الجهاد وغيرها فلا يؤتونه إلا وهم كارهون له، غير طيبة أنفسهم به؛ لأنهم يعدون هذه النفقات مغارم مضروبة عليهم، تقوم بها مرافق المؤمنين وهم يعلمون من أنفسهم أنهم ليسوا منهم، فلا يرون لهم بها نفعا في الدنيا، ولا يؤمنون بنفعها لهم في الآخرة، وبما قررناه يندفع إيراد بعضهم أن الكفر وحده كاف في عدم قبول نفقاتهم، فأي حاجة إلى وصفهم بالكسل عند إتيان الصلاة، وكره أداء الزكاة وغيرها من نفقات البر؟ وتمحل الجواب عنه على مذهب المعتزلة أو الأشعرية؟ فإن وصفهما بما ذكر تقرير لكفرهم، ودفع للشبهة التي ترد عليه بالصلاة والزكاة كما بيناه.
قال الزمخشري: (فإن قلت) الكراهية خلاف الطواعية، وقد جعلهم الله طائعين في قوله: طوعا ثم وصفهم بأنهم {ولا ينفقون إلا وهم كارهون} (قلت) المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن رؤسائهم، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار اهـ. على أنه فسر الكره في الآية الأولى بالإكراه.
والراجح عندي ما قدمته من أن المراد بطوعهم ما كان بقصد التقية لإخفاء كفرهم، وهو يقتضي كرهه في قلوبهم وعدم إخلاصهم فيه، وهو ما أثبته لهم في الآية الثانية بصيغة الحصر، وحاصله أن المراد به طواعية المصلحة أو الطبع، لا طاعة الشرع، وقد يقال: إن الترديد بين الطوع والكره في مثل هذا التعبير لا يقتضي إثبات وقوع كل منهما، وإنما المراد منه أنه مهما يكن الواقع فهي غير مقبولة؛ لوجود الكفر المانع من القبول، ومن أطاع الله ورسوله فيما يسهل عليه وعصاهما فيما يشق عليه فلا يعد مذعنا للأمر والنهي؛ لأن حكم الله، ومن لم يكن مذعنا لا يكون مؤمنا،
{ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: 85] وقد بايع المؤمنون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الطاعة في المنشط والمكره.
ولما كان أولئك المؤمنون من أولي الطول والسعة في الدنيا كما سيأتي في قوله:
{ استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } [التوبة: 86] وكان ترف الغني وطغيانه أقوى أسباب إعراضهم عن آيات الله، والتأمل في محاسن الإسلام - بين الله تعالى للمؤمنين سوء عاقبتهم فيه فقال:
{فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راض به فتعجب من حسنه كما قال الزمخشري، والخطاب للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو لكل من سمع القول أو بلغه، والكلام مرتب على ما قبله، كأنه يقول: إذا كان هذا شأنهم في مظنة ما ينتفعون به من أموالهم، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، فلا تعجبك أيها الرسول أو أيها السامع أموالهم ولا أولادهم التي هي في نفسها من أكبر النعم وأجلها، ولا تظن أنهم وقد حرموا من ثوابها في الآخرة قد صفا لهم نعيمها في الدنيا، وعلل النهي بقوله: {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} بما يعرض لهم فيها من المنغصات والحسرات، أما الأموال فإنهم يتعبون في جمعها، ويحرصون على حفظها، ويشق عليهم ما ينفقونه منها من زكاة وإعانة على قتال، وإنفاق على قريب من المؤمنين، وأشق منه إعتقادهم أنهم يتركونها بعدهم لمصالح المسلمين؛ لأن ورثتهم منهم في الغالب حتى زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبي (لعنه الله) كما سيأتي في الآيات التي نزلت في خبر موته على كفره، وأعيدت هذه الآية فيها.
وأما الأولاد فلأنهم يرونهم قد نشؤوا في الإسلام، واطمأنت به قلوبهم، وأنهم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وكل هذه حسرات في قلوبهم. ولقد كان ثعلبة الذي عاهد الله لئن آتاه من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين، ثم نقض عهده وأخلف الله ما وعده بعد أن أغناه - أشدهم حسرة بامتناع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه عن قبول زكاته.
{وتزهق أنفسهم وهم كافرون} فيعذبون بها في الآخرة أشد مما عذبوا بها في الدنيا بموتهم على كفرهم المحبط لعملهم. زهوق الأنفس: خروجها من الأجساد. وقال بعض المفسرين: هو الخروج بصعوبة. وفي التنزيل:
{ وقل جاء الحق وزهق الباطل } [الإسراء: 81] أي هلك واضمحل، وجعله في الأساس مجازا، والظاهر أنه من زهق السهم إذا سقط دون الهدف، وورد زهقت الناقة بمعنى أسرعت، فالتعبير بالزهوق هنا إما من الأول أي: الهلاك وهو الأظهر، وإما من الإسراع للإشارة إلى أنه لم يبق من أعمارهم إلا القليل حقيقة، أو من قبيل قوله تعالى فيهم: { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا } [الأحزاب: 16].