التفاسير

< >
عرض

وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٧١
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٧٢
-التوبة

تفسير المنار

هاتان الآيتان معطوفتان على الآيات الأربع التي قبلها ; لبيان المقابلة بين المؤمنين والمنافقين وما بينهما من التضاد في الأقوال والأفعال التي يقتضيها الإيمان - الذي يدعيه المنافقون كذبا وتقية - والجزاء عليه وعليها. قال عز وجل: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} تقدم بيان معنى الولاية بمعناها العام في تفسير قوله تعالى: { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257] وفي مواضع أخرى من أجزاء التفسير وولاية النصرة الحربية، وما يتعلق بها في مواضع أهمها في شأن المسلمين وأهل الكتاب تفسير قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } [المائدة: 51] وفي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض والكفار بعضهم لبعض تفسير قوله تعالى: [الأنفال: 72 و73].
ولاية المؤمنين والمؤمنات بعضهم لبعض في هذه الآية تعم ولاية النصرة وولاية الأخوة والمودة، ولكن نصرة النساء تكون فيما دون القتال بالفعل، فللنصرة أعمال كثيرة، مالية وبدنية وأدبية، وكان نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونساء أصحابه يخرجن مع الجيش يسقين الماء ويجهزن الطعام، ويضمدن جراح الجرحى، وفي الصحيح أن فاطمة عليها السلام كانت هي وأم سليم وغيرهما ينقزن قرب الماء في غزوة أحد، ويسرعن بها إلى المقاتلة والجرحى يسقينهم ويغسلن جراحهم، وكان النساء يحرضن على القتال، ويرددن المنهزم من رجال، قال حسان:

تظل جيادنا متمطرات يلطمهن بالخمر النساء

وفي سيرة الخنساء ـ رضي الله عنها ـ أنها كانت تحرض أبناءها على القتال بشعرها كلما قتل واحد، حتى إذا ما قتل الثالث قالت: الحمد لله الذي أكرمني بشهادتهم. هذا شأن الخنساء في الإسلام، وكانت من أرق النساء قلبا، وأكمدهن حزنا، ورثاؤها لأخويها ملأ أندية الأدب شجوا وشجنا. ونكتة الفرق بين المؤمنين والمنافقين في الوصف المتقابل هنا أن المنافقين لا ولاية بينهم بأخوة تبلغ فضيلة الإيثار، ولا تناصر يبلغ الإقدام على القتال ; لأن النفاق شكوك وذبذبة من لوازمهما الجبن والبخل وهما الخلقان المانعان من التناصر، ببذل النفس والمال، بل قصاراه التعاون بالكلام وما لا يشق من الأعمال، وإنما تكون ولاية التناصر بالقتال لأصحاب العقائد الثابتة، والملة الراسخة، سواء كانت حقا أو باطلة ; ولذلك أثبتها القرآن لليهود والنصارى بعض كل منهما لبعض وللكفار على الإطلاق، ولم يثبتها للمنافقين الخلص بعضهم مع بعض، بل كذب منافقي المدينة في وعدهم لليهود حلفائهم بنصرهم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين إذا قاتلوهم في قوله: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون } [الحشر: 11، 12].
فهذا ما يتعلق بالمقابلة بين المؤمنين والمنافقين في علاقة بعضهم ببعض، وخلاصته: أن المنافقين يشبه بعضهم بعضا في شكهم وارتيابهم ونفاقهم وآثاره من قول وعمل، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض في الولاية العامة من أخوة ومودة وتعاون وتراحم، حتى شبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جماعتهم بالجسد الواحد، وبالبنيان يشد بعضه بعضا، وولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل، والملة والوطن، وإعلاء كلمة الله عز وجل، وفي آثار ذلك من القول والعمل المضاد لما عليه المنافقون وهو ما يبينه بيانا مستأنفا بقوله:
{يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} كما أن المنافقين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وهاتان الصفتان من أخص صفات المؤمنين التي يمتازون بها على المنافقين وعلى غيرهم من الكفار، هما سياج حفظ الفضائل، ومنع فشو الرذائل، فراجع مزاياهما في تفسير:
{ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } [آل عمران: 104] وقد فضل الله تعالى بهما أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على سائر الأمم في قوله: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران: 110] الآية وورد في فرضيتهما وفوائدهما آيات أخرى وأحاديث حكيمة.
{ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} أي: يؤدون الصلاة المفروضة وما شاءوا من التطوع، على أقوم وجه وأكمله في شروطها وأركانها وآدابها، ولاسيما الخشوع لله تعالى، وكثرة ذكره فيها، وما يوجبه الإيمان من حضور القلب في مناجاته، ويعطون الزكاة المفروضة عليهم لمن فرضت لهم في الآية الستين من هذه السورة، وما وفقوا له من التطوع. وفائدة إقامة هذين الركنين من أركان الإسلام مع الإخلاص في الإيمان قد بينه الله تعالى في قوله:
{ إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين } [المعارج: 19 - 26] الآيات. فالصلاة والزكاة علاج لما في جبلة الإنسان من الهلع والجبن الحاجم له عن الإقدام في الدفاع عن الحق وإعلاء كلمة الله، ومن الشح الصاد له عن الإنفاق في سبيل الله ; ولذلك كان المنافقون أجبن الناس وأبخلهم.
وقد جعل الله تعالى هذه الأربع غاية للإذن للمؤمنين بقتال من يقاتلونهم ويعادونهم في الدين وسببا لنصرهم وتمكينهم في الأرض بالملك والسيادة ; إذ قال بعد أول ما نزل من الإذن لهم في القتال:
{ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر } [الحج: 41] وبهذه الصفات فتح المسلمون الفتوحات، ودانت لهم الأمم طوعا، وبتركها سلب أكثر ملكهم، والباقي على وشك الزوال إن لم يتوبوا إلى ربهم، ويرجعوا إلى هداية دينهم، ولاسيما إقامة هذه الأركان منه.
وإقامة المؤمنين للصلاة يقابل في صفات المنافقين نسيانهم لله عز وجل ; لأن روح الصلاة مراقبة الله تعالى وذكره بالقلب واللسان، ولا فائدة لها بدون ذلك كما قال تعالى:
{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر } [العنكبوت: 45] أي أن ذكره الذي شرعت الصلاة له هو أكبر من كل شيء ; إذ به يستحكم للمؤمن ملكة المراقبة لله تعالى في جملة أحواله وأعماله، فينتهي عن الفحشاء والمنكر، وتزكو نفسه، وتعلو همته، وتكمل شجاعته، ويتم سخاؤه ونجدته ; ولذلك قال: قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى [الأعلى: 14 و15] وقال لموسى عليه السلام: وأقم الصلاة لذكري [طه: 14].
وإيتاء المؤمنين للزكاة يقابل في صفات المنافقين قوله: {ويقبضون أيديهم} [67] ولقد كان المنافقون يصلون، ولكنهم لم يكونوا يقيمون الصلاة، وكانوا يزكون وينفقون. ولكن خوفا أو رياء لا طاعة لله، وقد تقدم في هذا السياق:
{ وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } [التوبة: 54] وتقدم في سورة النساء: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } [النساء: 142] ومن لم يتدبر هذه الآيات كلها، والمقارنة بين صلاة المؤمنين وصلاة المنافقين وزكاتهما لا يفقه حكمة الله تعالى في هذين الركنين اللذين هما أعظم أركان الإسلام، وهذا الفقه لا يجده طالبه فيما يسميه الناس كتب الفقه، وإن زعم الخاسرون الجاهلون أنها تغني عن هداية كتاب الله تعالى، وأنه لم يبق للمسلمين فائدة منه إلا التعبد بتلاوته، والتبرك بمصاحفه، وكذا اتجار بعض حفاظ ألفاظه بتغنيهم به !.
ثم قال: {ويطيعون الله ورسوله} أي: يستمرون على الطاعة، بترك ما نهوا عنه وفعل ما أمروا به بقدر الاستطاعة، وهو يقابل وصفه المنافقين بأنهم هم الفاسقون، فإن الفسق هو الخروج من حظيرة الطاعة كما تقدم، وقوله تعالى: {أولئك سيرحمهم الله} يقابل نسيانه تعالى للمنافقين ولعنه لهم كما علم مما فسرناهما به آنفا. والمراد: أنه تعالى يتعهد المؤمنين والمؤمنات برحمته الخاصة المستمرة في مستقبل أمرهم في الدنيا والآخرة، باستمرارهم على طاعته وطاعة رسوله، وقد قال المحققون من علماء العربية: إن " السين " في مثل سيرحمهم لتأكيد الإثبات كما أن " لن " لتأكيد النفي، وكلتاهما للمستقبل. وقوله: {إن الله عزيز حكيم} تذييل لتعليل هذا الوعد المؤكد، وهو أنه تعالى عزيز لا يمتنع عليه شيء من وعده، ولا من وعيده، وحكيم لا يضع شيئا منهما إلا في موضعه. ولولا أن الوعد هنا للمقابلة بالوعيد الذي قبله لكان المناسب أن يقال: إن الله غفور رحيم.
ولما ذكر صفاتهم ورحمته لهم بالإجمال، بين ما وعدهم من الجزاء المفسر لرحمته المؤكدة بالتفصيل، في مقابلة ما أوعد به المنافقين وإخوانهم الكفار تفسيرا لنسيانه لهم، فقال: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن} الآية نص في مساواة النساء للرجال في نعيم الآخرة كله حتى أعلاه، بالتبع لمساهمتهن لهم في التكليف وولاية الإيمان، إلا ما خصهن الشرع به لضعفهن، وانفرادهن بوظائفهن الخاصة بهن، إذ حط عنهن وجوب القتال، والصلاة والصيام في بعض الأحوال، وهذا من المعلوم بالضرورة من أحكام الإسلام، وإن جهله أو تجاهله أعداؤه الطغام، والجنات: البساتين الملتفة الأشجار بحيث تجن الأرض، أي تغطيها وتسترها. وجريان الأنهار من تحت أشجارها، مزيد في جمالها، ومانع من أسون مائها، والخلود فيها عبارة عن المقام الدائم، وتقدم مثله مراراً.
وأما المساكن الطيبة في جنات عدن فهي الدور والخيام، التي يطيب لساكنيها بها المقام في ذلك المقام، لاشتمالها على جميع المرافق والأثاث والرياش والزينة والرزق الذي تتم به راحة المقيم فيها وغبطته، ومنها الغرفات التي قال الله تعالى فيها:
{ وهم في الغرفات آمنون } [سبأ: 37] وقال: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } [العنكبوت: 58] وقال: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار } [الزمر: 20].
وأما إضافة هذه الجنات إلى (عدن) فقد تعددت في التنزيل بما جاوز جمع القلة، ومعنى العدن في اللغة الإقامة والاستقرار والثبات، يقال: عدن في مكان كذا (من بابي ضرب وقعد) أقام وثبت فيه، ومنه المعدن لمستقر الجواهر كالذهب والفضة والماس وغيرها. وفسروها بقولهم: جنات إقامة وخلود كقوله تعالى:
{ جنة الخلد } [الفرقان: 15] { جنة المأوى } [النجم: 15] ولكن هاتين وردتا باللفظ المفرد مضافا إلى معرفة، فهما اسمان لدار النعيم كلفظ الجنة في مثل { ادخلوا الجنة } [الأعراف: 49] { يدخلون الجنة } [النساء: 124] وسيأتي في سورة يونس: { تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم } [يونس: 9] وأما جنات عدن فهو جمع أضيف إلى هذا اللفظ المفرد (عدن) فجعله بمعنى إقامة - كما قيل - يقتضي جعله مكررا مع قوله قبل: { جنات تجري من تحتها الأنهار } [البقرة: 25] لأنها وصفت بالإقامة وبالخلود فيها أيضا، على ما في تنكير عدن بهذا المعنى من الضعف، فوجب أن يكون لفظ عدن معرفة، ومعنى التركيب: في جنات المكان المسمى بهذا الاسم (عدن). وقد ورد في الأحاديث ما يفسر هذا، وهو ذكر جنة عدن باللفظ المفرد المضاف، وفي بعضها ما يدل على أن المراد بها مكان أو منزل من منازل دار النعيم كالفردوس الذي هو أوسط الجنة أو أعلاها، وهو ما يكون في تجلي الرؤية، التي هي أعلى النعيم وأكمل المعرفة.
روى الشيخان من حديث أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه (وهو أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ) في تفسير آيات سورة الرحمن:
{ ولمن خاف مقام ربه جنتان } [الرحمن: 46] وقوله بعد وصفهما: { ومن دونهما جنتان } [الرحمن: 62] عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما من فضة، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما من ذهب، وما بين القوم وبين أن ينظروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" أي: حالة كونهم في جنة عدن، فالمتبادر من هذا أن جنة عدن مكان سام في طبقة من طبقات الجنة ; لأنها نكرة مضافة إلى نكرة، ومجموع الحديث والآيات يدل على أن عدنا منزل في أعلى الجنة، وأن فيه جنات أي بساتين متعددة، لكل من خاف مقام ربه منها جنتان، ومن دونهما جنتان وهي كالأربع الموصوفة في سورة الرحمن.
ويقرب من حديث أبي موسى المتفق عليه حديث أبي هريرة المتفق عليه أيضا إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن فيفهم منه أن الفردوس هو جنة عدن، وهذا ما قاله مقاتل والكلبي قالا: عدن أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم والجنات محدقة حولها إلخ. وتتمته في تفسير البغوي، وقد ثبت في المرفوع أن أعلى درجة في الجنة على الإطلاق تسمى الوسيلة، وهي درجة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي طلب منا أن نسألها له في دعاء الأذان: " اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة. وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته " فهذه درجة خاصة.
ومن هنا يعلم أن قوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} بعد ذكر جنات عدن يراد به أعلى درجات الرضوان، وما هو إلا مقام رؤية الرب تعالى التي تكمل بها معرفة الرحمن، وتتم سعادة الإنسان، فالإنسان جسد وروح، ففي الجنات ومساكنها أعلى النعيم الجسماني، ورضوان الله الأكبر هو أعلى النعيم الروحاني، فالتنوين فيه للتعظيم، والدليل على ما حررته أنه لم يعطف مفردا على ما قبله مما وعدوا به على الإيمان وأعماله ; لأنه فوق كل جزاء، كما أشير إليه في قوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] بل جاء مرفوعا في اللفظ كرفعة معناه، في جملة مستقلة تقديرها: وهنالك رضوان من الله أكبر وأعظم من تلك الجنات وما فيها، لا يقدر قدره، ولا يكتنه سره.
فهذا ما يفهم بمعونة الحديث من اختلاف إعرابه ووصفه باسم التفضيل (أكبر) وقد ورد لفظ (ورضوان) معطوفا على ما قبله غير موصوف بهذا الوصف، ولا موصولا بكونه من الله في آية:
{ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } [التوبة: 21] من هذه السورة، وذكرت في تفسيرها ما ورد من قوله تعالى في سورة آل عمران: { ورضوان من الله } [آل عمران: 15] معطوفا على الجنات والأزواج، فهل يجوز في بلاغة القرآن أن يكون ما هنا من اختلاف الإعراب ووصف (أكبر) بغير فائدة؟ وهل نجد له من الفائدة ما هو أليق به مما ورد في الحديث الصحيح من نعمة الرؤية؟، كلا ولم يبين هذا بنص صريح في القرآن، لئلا يكون فتنة لمن لم تسم أرواحهم إلى إدراك هذه المعاني، فحكمته الرحمة بضعف الإنسان، واللبيب يفهم بالإشارة، ما لا يفهمه الغبي بأفصح عبارة، أفلم تر كيف اختلف الألباء في فهم قوله سبحانه: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [القيامة: 22 و23].
وأما تحقيق معنى الرؤية والحكم فيما اختلفوا فيه من معنى هذه الآية، ومعنى رداء الكبرياء وغيره من الحجب التي تحجب العبد عن ربه، فقد فصلته في تفسير سورة الأعراف تفصيلا يقربه من العقل والعلم (ص112 - 154 ج 9 ط الهيئة) فهو وما هنا مما انفرد هذا التفسير بتحقيقه بإلهام الله تعالى وفضله وله الحمد والمنة.
ووجه المقابلة الضدية بين ما هنا وما في وعيد المنافقين قبله ظاهر، فالجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها مقابل لنار جهنم والخلود فيها، والمساكن الطيبة في جنات عدن مقابل للعذاب المقيم، ورضوان الله الأكبر للمؤمنين مقابل للعنة الله للمنافقين والكافرين، إذ هي الطرد والحرمان من رحمته الخاصة، نعوذ بوجهه.
{ذلك هو الفوز العظيم} أي: ذلك الذي ذكر من الوعد للمؤمنين والمؤمنات بالنعيم الجسماني والروحاني، هو الفوز العظيم الذي يجزى به أولئك المؤمنون الصالحون المصلحون دون غيره من هذه الحظوظ الدنيوية الخسيسة الفانية، التي يتكالب عليها الكفار والمنافقون الفاسدون المفسدون، وإنما هي في نظر المتقين بلغة عامل، وزاد مسافر، فما على المؤمن إلا أن يحاسب نفسه، وينصب لها الميزان، من كفة المؤمنين وكفة المنافقين في هذه الآيات، ويحكم لها أو عليها بحكم الله عز وجل لا بهواها، ولا يغترن أحد بلقب الإسلام ولا بدعوى الإيمان، إلا شهد بصدقه القرآن وقد ورد في وصف الجنة ودرجاتها وحورها روايات كثيرة منها المنكر والموضوع، والمرسل والموقوف، ومن المرفوع منها ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن أنه سأل عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير: {ومساكن طيبة في جنات عدن} فذكر أنهما قالا له: على الخبير سقطت، وأنهما سألا عنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وذكر وصفا طويلا، منه: أنه يوجد هنالك ألوف من البيوت، في كل منها ألوف من الحور العين.. وهو منكر لا يصح له متن ولا سند، وقد قال المحقق ابن القيم: إنه لم يثبت في نساء الجنة حديث صحيح بأكثر من زوجين لكل رجل، وقد روى ابن أبي شيبة عن كعب الأحبار معنى هذا الحديث، والظاهر أن المرفوع من دسائسه أيضا.