التفاسير

< >
عرض

وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ
٦٤
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
٦٥
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ
٦٦
وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ
٦٧
كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ
٦٨
-هود

بحر العلوم

ثم قال تعالى: {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن صالحاً لما دعا قومه إلى الإسلام كذبوه. فضاق صدره فسأل ربه أن يأذن له بالخروج من عندهم. فأذن له فخرج وانتهى إلى ساحل البحر. فإذا رجل يمشي على الماء. فقال له صالح ويحك من أنت؟ فقال أنا من عباد الله. قال كنت في سفينة كان قومها كفرة غيري. فأهلكهم الله تعالى ونجاني منهم فخرجت إلى جزيرة أتعبد هناك. فأخرج أحياناً وأطلب شيئاً من رزق الله تعالى ثم أرجع إلى مكاني. فمضى صالح وانتهى إلى تل عظيم فرأى رجلاً (يتعبد) فانتهى إليه وسلم عليه فرد عليه السلام. فقال له صالح: من أنت؟ قال كنت ها هنا قرية كان أهلها كفاراً غيري. فأهلكهم الله تعالى ونجاني منهم فجعلت على نفسي أن أعبد الله تعالى ههنا إلى الموت وقد أنبت الله تعالى لي شجرة رمان وأظهر لي عين ماء فآكل من الرمان وأشرب من ماء العين وأتوضأ منه. فذهب صالح وانتهى إلى قرية كان أهلها كفاراً كلهم غير أخوين مسلمين يعملان عمل الخوص. فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً. قال لو أن مؤمناً دخل قرية فيها ألف رجل، كلهم كفار وفيها مؤمن واحد فلا يسكن قلبه مع أحد حتى يجد المؤمن. ولو أن منافقاً دخل قرية فيها ألف رجل مؤمن ومنافق واحد فلا يسكن قلب المنافق مع أحد ما لم يجد المنافق. فدخل صالح فانتهى إلى الأخوين ومكث عندهما أياماً وسألهما عن حالهما فأخبراه أنهما يصبران على إيذاء المشركين وأنهما يعملان عمل الخوص ويمسكان قوتهما ويتصدقان بالفضل. فقال صالح: الحمد لله الذي أراني في الأرض من عباده الصالحين الذين صبروا على أذى الكفار. فأنا أرجع إلى قومي وأصبر على أذاهم، فرجع إليهم وقد كانوا خرجوا إلى عيدٍ لهم فدعاهم إلى الإيمان فسألوا منه أن يخرج لهم ناقة من الصخرة، فدعا الله تعالى فأخرج لهم ناقة عشراء" . فذلك قوله: {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} أي علامة وعبرة {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ ٱللَّهِ} يعني في أرض الحجر {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء} يعني لا تعقروها {فَيَأْخُذَكُمْ} يعني يصيبكم {عَذَابٌ قَرِيبٌ} فولدت الناقة ولداً، وكانت لهم بئر (واحدة) عذبة. قال ابن عباس: كان للناقة شرب يوم لا يقربونها. ولهم شرب يوم وهي لا تحضرها وكانوا يستقون الماء في يومهم ما يكفيهم للغد فيقسمونه فيما بينهم فإذا كان يوم شربها كانت ترتع في الوادي. ثم تجيء إلى البئر فتبرك فتدلي رأسها في البئر فتشرب منها ثم تعود فترعى ثم تعود إلى البئر فتشرب منها فتفعل ذلك نهارها كله. وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، منهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر - وكانت في تلك القرية امرأة جميلة غنية وكانت تتأذى بالناقة لأجل سايمتها فقالت: من عقر الناقة أزوج نفسي منه، فخرج قدار بن سالف ومصدع بن دهر وكمن لها مصدع في مضيق من ممرها ورماها بسهم فأصاب رجلها، فمرت بقدار وهي تجر رجلها فضربها بالسيف فعقرها وقسموا لحمها على جميع أهل القرية وكان في القرية تسعمائة أهل بيت ويقال ألف وخمسمائة. فذلك قوله {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ} لهم صالح {تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ} يعني عيشوا وانتفعوا في داركم {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ} ثم يأتيكم العذاب {ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} فقالوا له ما العلامة في ذلك؟ قال: أن تصبحوا في اليوم الأول ووجوهكم مصفرة وفي اليوم الثاني محمرة وفي اليوم الثالث مسودة. ثم خرج صالح من بينهم. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا} يعني عذابنا {نَجَّيْنَا صَـٰلِحاً وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} يعني بنعمة منا {وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ} يعني من عذاب يومئذ قرأ نافع والكسائي وَمِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ بنصب الميم لأنه إضافة إلى اسم غير متمكن فيجوز النصب وقرأ الباقون "يَوْمِئِذٍ" بكسر الميم على معنى الإضافة. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ} أخبر الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم - أنه قادر في أخذه المنيع ممن عصاه ثم قال تعالى: {وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ} يعني: صيحة جبريل، صاح صيحة فماتوا كلهم {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ} يعني: صاروا خامدين ميتين {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} يعني صاروا كأن لم يكونوا في الدنيا ويقال كأن لم ينزلوا في ديارهم ولم يكونوا {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ} يعني جحدوا وحدانية الله. فهذا تنبيه وتخويف لمن بعدهم {أَلاَ بُعْداً لّثَمُودَ} يعني خزياً وسحقاً لثمود في الهلاك. قرأ الكسائي "أَلاَّ بُعْدًا لِثَمُودٍ" بكسر الدال مع التنوين، وجعله اسماً للقوم، فلذلك جعله منصرفاً. وقرأ الباقون بنصب الدال لأنه اسم القبيلة. وإنما يجري في قوله "ألا إنَّ ثَمُوداً" إتباعاً للكتابة في مصحف الإمام. وأما الكسائي فأجراه لقربه من قوله ألا إن ثمودا كفروا ربهم