التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً
٥٦
وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً
٥٧
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً
٥٨
-مريم

بحر العلوم

{وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ} يعني: خبر إدريس {إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيّاً} يعني: صادقاً يُخبر عن الله عز وجل وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من لبس ثوب القطن وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن واسمه أخنوخ. ويقال إلياس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} يعني: الجنة وقال مجاهد: يعني في السماء الرابعة قال أخبرني الثقة بإسناده عن ابن عباس أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب إن إدريس كان رجلاً خياطاً وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذكر الله عز وجل وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين فأتاه ملك من الملائكة يقال له إسرافيل فبشره بالجنة وقال له هل لك من حاجة قال وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزدادُ خيراً فقال له ما أعلمه ولكن إن شئت حملتك إلى السماء قال: فحمله إلى السماء فلقي ملك الموت فسأله عن أجله ففتح كتاباً معه فقال لم يبق من أجلك إلا ست ساعات أو سبع ساعات وقال أُمرتُ أن أقبض نفسك ها هنا فقبض نفسه في السماء فذلك رفع مكانه وروى الكلبي عن زيد بن أسلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن إدريس جد أبي نوح وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم فأحبه ملك الموت فاستأذن الله تعالى في خلته قال فأذن له قال: فهبط إليه في صورة غير صورته على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال: يا إدريس إني أحب أن أصحبك وأكون معك فقال له إدريس إنك لا تطيق ذلك قال أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل على ذلك فكان معه يصحبه وكان إدريس يسيح النهار كله صائماً فإذا جنه الليل أتاه رزقه حيث يمسي فيفطر عليه ثم يحيي الليل كله فساحا النهار كله صائمين حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر فقال لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فيطعم إدريس ثم يستقبلا الليل بالصلاة فإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر فجعل إدريس يتعجب منه ثم أصبحا صائمين فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعي الآخر فقال لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فيطعم ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر فجعل إدريس يتعجب منه ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب فقال يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا فقال إدريس ما أرى صاحبه فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن قال فمضيا حتى مرا على غنم فقال يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها فقال له إدريس إنك معي منذ ثلاثة أيام فلو كنت آدمياً لطعمت وإني لأدعوك كل ليلة إلى الحلال فتأبى علي فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه فبصحبة ما بيني وبينك إلا ما أنبأتني من أنت قال إنك ستعلم قال أخبرني من أنت قال أنا ملك الموت ففزع حين قال أنا ملك الموت قال فإني أسألك حاجة قال ما هي قال أن تذيقني الموت قال ما لي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه قال: فإنه قد بلغني عنه شدة ولعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعداداً قال فأوحى الله عز وجل إلى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله قال فقبض نفسه ساعة ثم أرسله فقال كيف رأيت قال لقد بلغني عنه شدة فلقد كان أشد مما بلغني عنه قال: فإني أسألك حاجة أخرى قال: ما هي قال: أحب أن تُريني النار قال مالي من ذلك شيء ولكن سأطلب لك فإن قدرت عليه فعلت فسأل ربه فأمره فبسط جناحه فحمله عليه حتى صعد به إِلى السماء فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقه فقيل من هذا فقال: ملك الموت فقال: مرحباً بأمين الله عز وجل فهل أمرت فينا بشيء فقال لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم ولكن هذا إدريس سألني أن أريه النار فأحب أن تروها إياه ففُتح منها بشيء فجاءت بأمر عظيم فخر إدريس مغشياً عليه فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق فقال له ملك الموت ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك قال فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها قال ما هي قال أحب أن تريني الجنة قال مالي من ذلك شيء ولكن سأطلب لك فإن قدرت عليه فعلت فانطلق به إلى خزنة الجنة فدق باباً من أبوابها فقيل: من هذا فقال: أنا ملك الموت فقالوا: مرحباً بأمين الله عز وجل هل أمرت فينا بشيء فقال لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه قال ففتح له الباب فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت انطلق بنا فلنخرج فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال والله لا أخرج حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني فقال ملك الموت إنه ليس حينها ولا زمانها ولكن طلبت إليهم لترى فانطلق بنا فأبى عليه فقبض الله ملكاً من الملائكة فقال له ملك الموت اجعل هذا الملك حكماً بيني وبينك قال نعم قال الملك ما هو يا ملك الموت فأخبره بالقصة ثم نظر الملك إلى إدريس قال ما تقول يا إدريس قال أقول إن الله يقولُ {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} [آل عمران: 185] ويقول: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] وقد وردتها وقال لأهل الجنة {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] فوالله لا أخرج منها حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني قال: فسمع هاتفاً يقول بإذني دخل وبإذني فعل فخل سبيله فذلك قوله عز وجل: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}" أي الجنة ويقال: ورفعناه في القدر والمنزلة ويقال ورفعناه في النبوة والعلم ثم قال عز وجل: {أُوْلَـٰئِكَ} يعني إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس وسائر الأنبياء {ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِن ذُرّيَّةِ ءادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} من سائر الأنبياء وهم ولد نوح إلا إدريس يعني: حملناهم على السفينة وهم في صلب نوح وأولاده {وَمِن ذُرّيَّةِ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْرٰءيلَ} وهو يعقوب {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا} يعني: أكرمنا بالنبوة ويقال أكرمنا بالإسلام {وَٱجْتَبَيْنَا} يعني: واصطفينا بعد هؤلاء {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} يعني القرآن {خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} يعني يسجدون ويكون من خوف الله عز وجل بكى جمع باكي وقوله: {سُجَّداً وَبُكِيّاً} منصوب على الحال وقال بعضهم: بكياً مصدر بكى يبكي بكياً وقال الزجاج: من قال مصدر فهو خطأ لأن سجداً جمع ساجد وبكيا عطف عليه فهو جمع باك.