التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
١٨٧
لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٨٨
وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٨٩
إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
١٩٠
ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
١٩١
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
١٩٢
رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ
١٩٣
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
١٩٤
فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ
١٩٥
-آل عمران

بحر العلوم

قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} يعني أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم. ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} يعني نعت محمد صلى الله عليه وسلم - وصفته {وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} عنهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر "ليبيننه للناس ولا يكتمونه" كلاهما بالياء وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ بالتاء، فمعناه أخذ عليهم الميثاق وقال لهم لتبيننه للناس ولا تكتمونه. ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ} أي: طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ} أي بكتمان نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته {ثَمَناً قَلِيلاً} أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} يعني بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة: {لاَ تَحْسَبَنَّ} يقول: لا تظنن يا محمد {ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُواْ} يقول يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيروا من نعته وصفته، وهذا قول الكلبي، وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله، سألهم الملوك، أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا، فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُوتُواْ} أي بما أعطاهم الملوك: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ} لأنهم كانوا يقولون نحن على دين إبراهيم، ولم يكونوا على دينه ويقال كانوا يقولون نحن أهل الصلاة، والصوم والكتاب، ويريدون أن يحمدوا بذلك. قال الله تعالى: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} يقول فلا تظنهم {بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} معناه، لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي دائم لا يخرجون منه أبداً: {وَللَّهِ مُلْك ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي خزائن السماوات المطر، وخزائن الأرض النبات. ويقال: جميع من في السماوات والأرض عبيده وفي ملكه. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} "من النبات وغيره. ويقال: هذا معطوف على أول الكلام: إنهم لا ينجون من عذابه يأخذهم متى شاء لأنه على كل شيء قدير" {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بآية لصحة دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي خلقين عظيمين. ويقال: فيما خلق في السماوات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار. {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} يقول: وذهاب الليل ومجيء النهار ويقال: اختلاف لونيهما {لاَيَاتٍ} أي لعبرات {لأَِوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} أي لذوي العقول. {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً} أي يصلون لله "قياماً" إن استطاعوا على القيام، "وقعوداً" إن لم يستطيعوا القيام {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} إن لم يستطيعوا القعود لزمانة، ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: { ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } [الأحزاب: 41] ثم قال: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي يعتبرون في خلقهما. قال: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي عن أبي حباب، "عن عطاء بن أبي رباح، قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، (فسلمنا) عليها، فقالت: من هؤلاء؟ فقلت عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير، فقالت: مرحباً بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟ فقال عبيد: زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً، فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم - فبكت بكاء شديداً ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي، فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: يا عائشة أتأذنين لي أن أعبد ربي فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب هواك، فقام إلى قربة ماء فتوضأ ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن فبكى حتى روت الدموع الأرض، ثم أتاه بلال بعدما أذن للفجر فلما رآه يبكي قال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً وما لي لا أبكي وقد أنزلت علي الليلة: {إِنَّ فِي خَلْق ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ... إِلَى قَوله {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" ، وقال صلى الله عليه وسلم "تفكر ساعة خير من عبادة سنة" ، ثم قال تعالى عز وجل: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً} أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلاً، عبثاً بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن {سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} يعني ادفع عذاب النار. وقال الزجاج: معنى سبحانك، أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً، {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أي صدَّقْنا رسلك، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً، فقنا عذاب النار. {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ} {فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أي أهنته وفضحته {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} يعني ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم. ويقولون أيضاً: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَـٰنِ} يعني محمداً يدعو إلى التصديق {أَن ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ} أي صدقوا بتوحيد ربكم "فآمنا" أي صدقنا بتوحيد ربنا. وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا}. وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك، وقال الضحاك: ذنوبنا: يعني ما عملوا في حال الجاهلية، "وكفر عنا سيئاتنا". يعني: ما عملوا في حال الإسلام، ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد. ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة. {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي مع المطيعين "ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين" والصالحين. ويقولون أيضاً: {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك، ويقال هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: { وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ } [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم - عليهم السلام - للمؤمنين، ثم قال تعالى: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} يعني لا تعذبنا ويقال لا تخذلنا {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} فأخبر الله عن فعلهم وذكر ما أجابهم به، وأنجز لهم موعده، وبين لهم ثوابه وهو قوله: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}. روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى فاستجاب لهم ربهم {أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ} يعني ثواب عمل عامل في طاعتي {مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} يعني رجلاً أو امرأة، قال: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدثنا أبو عبيد الله، قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، يقال له سلمة بن الأكوع عن أم سلمة، أنها قالت: يا رسول الله، إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النساء. فأنزل الله تعالى: {أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ}، قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين، وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة، ويقال: بعضكم على أثر بعض، ويقال: بعضكم على دين بعض. {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ} من مكة إلى المدينة {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ} يعني أن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} أي عُذّبوا في طاعتي {وَقَاتِلُواْ} مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين {وَقُتّلُواْ} أي قتلهم المشركون. قرأ حمزة والكسائي "وقتلوا وقاتلوا" على معنى التقديم والتأخير، كقوله تعالى: { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ } [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: "وقاتلوا وقتلوا" إلا ابن كثير وابن عامر: قرءا "وقتّلوا" بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم ثم ذكر ثوابهم، فقال: {لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} أي لأمحون عنهم ذنوبهم {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار {ثَوَاباً مّن عِندِ ٱللَّهِ} يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله وقال الزجاج: إنما صار نصباً، لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ولأثيبنهم ثواباً. وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصباً على التفسير، {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} أي حسن الجزاء وهو الجنة، ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.