التفاسير

< >
عرض

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٤٠
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
٤١
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً
٤٢
هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
٤٣
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً
٤٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
٤٥
وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً
٤٦
وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً
٤٧
وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّـلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِـيلاً
٤٨
-الأحزاب

بحر العلوم

قوله عز وجل {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ} يعني بالتبني وليس بأب لزيد بن حارثة {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ} يعني: ولكنه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقال لم يكن أب الرجال لأن بنيه ماتوا صغاراً ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء ولا نبي بعده فذلك قوله: {وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ} قرأ بعضهم ولكن (رَسُولُ اللَّه) بضم اللام ومعناه ولكن هو رسول الله وكان خاتم النبيين وقرأ عاصم في إحدى الروايتين (وخاتمَ) النبيين بنصب التاء وقرأ الباقون بالكسر فمن قرأ بالكسر يعني آخر النبيين ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل إليه يعني أنه ختمهم وهو خاتم قال أبو عبيد وبالكسر نقرأ لأنه رويت الآثار عنه أنه قال "أنا خاتم النبيين" فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً} بمن يصلح للنبوة وبمن لا يصلح فإن قيل كيف يظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يظهر من نفسه خلاف ما في قلبه قيل له يجوز مثل هذا لأن في قوله {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} أمر بالمعروف وفيه رد النفس عما تهوى وهذا عمل الأنبياء والصالحين عليهم السلام وقال بعضهم للآية وجه آخر وهو أن الله تعالى قد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تكون زوجته فلما زوجها من زيد بن حارثة لم يكن بينهما ألفة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهاه عن الطلاق ويخفي في نفسه ما أخبره الله تعالى وقال بأنها تكون زوجته فلما طلقها زيد بن حارثة كان يمتنع من تزوجها خشية مقالة الناس يتزوج امرأة ابنه المتبنى به فأمره الله عز وجل بأن يتزوجها ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة الابن المتبنى لأمته ونزل { { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ } [الأحزاب:37] الآية ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} يعني: اذكروا الله باللسان وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: تلاوة كتاب الله عز وجل وكثرة ذكره" وذكر أن أعرابياً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إن شرائع الإسلام قد كثرت فأنبئني منها بأمر أتشبث به فقال: "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل" ويقال: ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى لأنه قدر لكل عبادة مقداراً ولم يقدر للذكر وأمر بالكثرة فقال: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} يعني اذكروه في الأحوال كلها لأن الإنسان لا يخلو من أربعة أحوال إما أن يكون في الطاعة أو في المعصية أو في النعمة أو في الشدة فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالإخلاص ويسأله القبول والتوفيق وإذا كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالامتناع عنها ويسأل منه التوبة منها والمغفرة وإذا كان في النعمة يذكره بالشكر؛ وإذا كان في الشدة يذكره بالصبر ثم قال تعالى {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} يعني: غدواً وعشياً يعني: صلوا لله بالغداة والعشي يعني: الفجر والعصر ويقال بالغداة يعني صلوا أول النهار وهي صلاة الفجر وأصيلاً يعني: صلوا آخر النهار وأول النهار وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم قال عز وجل: {هُوَ ٱلَّذِي يُصَلّي عَلَيْكُمْ} يقول: هو الذي يرحمكم ويغفر لكم {وَمَلَـٰئِكَتُهُ} أي: يأمر الملائكة عليهم السلام بالاستغفار لكم {لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} يعني: أخرجكم من الكفر إلى الإيمان ووفّقكم لذلك، اللفظ لفظ المستأنف والمراد به الماضي يعني أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ونور قلوبكم بالمعرفة ويقال معناه ليثبتكم على الإيمان ويمنعكم عن الكفر ويقال ليخرجكم من الظلمات يعني: من المعاصي إلى نور التوبة والطهارة من الذنوب ويقال من ظلمات القبر إلى نور المحشر ويقال من ظلمات الصراط إلى نور الجنة ويقال من ظلمات الشبهات إلى نور البرهان والحجة ثم قال {وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} يعني: بالمصدقين الموحدين رحيماً يرحم عليهم ثم قال عز وجل: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ} قال مقاتل: يعني يلقون الرب في الآخرة بسلام وقال الكلبي: تجيبهم الملائكة عليهم السلام على أبواب الجنة بالسلام فإذا دخلوها حيا بعضهم بالسلام وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام ويقال يعني يسلم بعضهم على بعض ويقال يسلمون على الله تعالى {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} يعني: جزاءً حسناً في الجنة ويقال مساكن في الجنة حسنة قوله عز وجل {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً} يعني: شهيداً على أمتك بالبلاغ {وَمُبَشّراً} بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة وفي الدنيا بالنصرة {وَنَذِيرًا} من النار يعني: مخوفاً لمن عصى الله عز وجل: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ} يعني: أرسلناك داعياً إلى توحيد الله ومعرفته {بِإِذْنِهِ} يعني: بأمره {وَسِرَاجاً مُّنِيراً} يعني: أرسلناك بسراج منير لأنه يضيء الطريق فهذه كلها صارت نصباً لنزع الخافض ثم قال عز وجل: {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني بشر يا محمد المصدقين بالتوحيد {بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} في الجنة وذلك أنه لما نزل قوله عز وجل: { { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [الفتح: 2] فقال المؤمنون هذا لك فما لنا فنزل قوله تعالى {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} في الجنة فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل { { بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [النساء: 138] ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى {وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} من أهل مكة {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} من أهل المدينة {وَدَعْ أَذَاهُمْ} أي تجاوز عن المنافقين ولا تقتلهم ويقال ودع أذاهم يعني اصبر على أذاهم وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني: فوض أمْرك إلى الله وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود وقال: "قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمة فقال رجل من الأنصار إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر بذلك فاحمر وجهه فقال رحم الله أخي موسى عليه السلام لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" ثم قال {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} يعني: حافظاً نصيراً.