التفاسير

< >
عرض

أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ
٧٧
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
٧٨
قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
٧٩
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ
٨٠
أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ
٨١
إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٨٢
فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٣
-يس

بحر العلوم

قوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ} روى سفيان عن الكلبي عن مجاهد قال أتى أبيّ بن خلف الجمحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعظم بالي قد أتى عليه حين، فقام ففته بيده ثم قال يا محمد أتعدنا أنا إذا متنا وكنا مثل هذا بعثنا؟ فأنزل الله تعالى {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ} الآية وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: لما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرون الماضية أنهم يبعثون بعد الموت، وأنكم يا أهل مكة معهم، فأخذ أبي بن خلف الجمحي عظماً بالياً فجعل يفته بيده ويذروه في الرياح، ويقول عجباً يا أهل مكة إن محمداً يزعم أنا إذا متنا وكنا عظاماً بالية مثل هذا العظم وكنا تراباً، أنا نعاد خلقاً جديداً، وفينا الروح، وذلك ما لا يكون أبداً. فنزل {أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ} يعني: أولم يعلم هذا الكافر أنا خلقناه أول مرة من نطفة {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} جدل بالباطل، ويقال خصيم بين الخصومة فيما يخاصم، مبين أي بين {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً} يعني: وصف لنا شبهاً في أمر العظام. ويقال وصف لنا بالعجز {وَنَسِىَ خَلْقَهُ} يعني: وترك ابتداءه حين خلقه من نطفة، ويقال ترك النظر في خلق نفسه فلم يعتبر و {قَالَ مَن يُحيىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ} يعني: بالية، والرميم: العظم البالي. يقال رم العظم إذا بلي قال الله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني: قل يا محمد يحيي العظام الذي خلقها أول مرة، يعني: في أول مرة ولم يكن شيئاً ثم قال عز وجل: {وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} يعني: عليم بخلقهم، وببعثهم، ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا في البعث فقال: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ} يعني: قل يا محمد العظام يحييها {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ} {مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ} قال الكلبي كل شجرة يقدح منها النار إلا شجرة العناب، فمن ذلك القصارون يدقون عليه {فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ} يعني: تقدحون يعني: فهو الذي يقدر على أن يبعثكم ثم قال عز وجل: {أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وهي أعْظَمُ خلقاً {بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم} في الآخرة. والكلام يخرج على لفظ الاستفهام ويراد به التقرير. ثم قال: {بَلَىٰ} هو قادر على ذلك {وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ} يعني: الباعث العليم ببعثهم قوله عز وجل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً} من أمر البعث وغيره {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} خلقاً. قرأ ابن عامر والكسائي فيكون بالنصب وقد ذكرناه في سورة البقرة {فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء} يعني: خلق كل شيء من البعث وغيره. ويقال خزائن كل شيء، ويقال له القدرة على كل شيء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم. قال حدثنا الفقيه أبو الليثرحمه الله قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان، بإسناده عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس فمن قرأ يس يريد بها وجه الله تعالى غفر له وأعطي من الأجر كمن قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة، وأيما مسلم قرئت عنده سورة يس حين ينزل به ملك الموت ينزل إليه بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون قبضه، ويشهدون غسله ويشيعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه وأيما مسلم مريض قُرىء عنده سورة يس وهو في سكرات الموت لا يقبض ملك الموت روحه حتى يجيء رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض ملك الموت روحه عليه السلام وهو ريان ويدخل قبره وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان ويخرج من القبر وهو ريان ويحاسب وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء عليهم السلام حتى يدخل الجنة وهو ريان" (والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأوَّاب وعلى آله وسلم).