التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٤٦
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ
٤٧
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٤٨
فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٤٩
قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٥٠
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ
٥١
أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٥٢
قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
٥٣
-الزمر

بحر العلوم

قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - {قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} صار نصباً بالنداء، يعني يا خالق السماوات والأرض {عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} يعني عالماً بما غاب عن العباد، وما لم يغب عنهم، ويقال عالماً بما مضى، وما لم يمض، وما هو كائن، ويقال: عالم السر والعلانية {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ} يعني أنت تقضي في الآخرة بين عبادك {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي كفروا {مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} أي مثل ما في الأرض {لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} أي لفادوا به أنفسهم {مِن سُوء ٱلْعَذَابِ} أي من شدة العذاب {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} وفي الآية مضمر، أي لا يقبل منهم ذلك {وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ} أي ظهر لهم حين بعثوا من قبورهم {مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} في الدنيا أنه نازل بهم، يعني يعملون أعمالاً يظنون أن لهم فيها ثواباً فلم تنفعهم مع شركهم، فظهرت لهم العقوبة مكان الثواب {وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ} أي عقوبات ما عملوا {وَحَاقَ بِهِم} أي نزل بهم عقوبة {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} يعني باستهزائهم بالمسلمين، ويقال باستهزائهم بالرسول، والكتاب، والعذاب، {فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضُرٌّ دَعَانَا} يعني أصاب الكافر شدة وبلاء، وهو أبو جهل، ويقال جميع الكفار دعانا أي أخلص في الدعاء {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَـٰهُ} أي بدلنا وأعطيناه مكانها عافية {نِعْمَةً مّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ} أي على علم عندي، يعني أعطاني ذلك لأنه علم أني أهل لذلك، ويقال: معناه على علم عندي، بالدواء {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ} أي بلية وعطية يبتلى بها العبد، ليشكر أو ليكفر {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن إعطائي ذلك بلية، وفتنة {قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني قال تلك الكلمة، الذين من قبل كفار مكة، مثل قارون وأشباهه {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يعني لم ينفعهم ما كانوا يجمعون من الأموال {فَأَصَـٰبَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أي عقوبات ما عملوا، قوله {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـؤُلاَء} يعني من أهل مكة {سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} يعني عقوبات ما عملوا، مثل ما أصاب الذين من قبلهم {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي غير فائتين من عذاب الله {أَوَ لَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء} أي يوسع الرزق لمن يشاء {وَيَقْدِرُ} أي يقتر على من يشاء {إِنَّ فِى ذَلِكَ} يعني في القبض والبسط {لآيَاتٍ} أي لعلامات لوحدانيتي {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي يصدقون بتوحيد الله {قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} يعني أسرفوا بالذنوب على أنفسهم، قرأ نافع، وابن كثير وعاصم، وابن عامر قُلْ يا عِبَادِيَ بفتح الياء، والباقون بالإرسال، وهما لغتان، ومعناهما واحد {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} أي لا تيأسوا من مغفرة الله {إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} الكبائر، وغير الكبائر، إذا تبتم {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ} لمن تاب {ٱلرَّحِيمُ} بعد التوبة لهم، وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: أصاب قوم في الشرك ذنوباً عظاماً فكانوا يخافون أن لا يغفر الله لهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية {يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ} وقال مجاهد: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم بقتل الأنفس في الجاهلية، وقال في رواية الكلبي نزلت الآية في شأن وحشي، يعني أسرفوا على أنفسهم بالقتل والشرك والزنى، لا تيأسوا {مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} لمن تاب وقال ابن مسعود أرجى آية في كتاب الله هذه الآية وهكذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: فيها عظة.