التفاسير

< >
عرض

بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٣٨
ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً
١٣٩
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
١٤٠
-النساء

بحر العلوم

ثم قال تعالى: {بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: { لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [الفتح: 2]. فقال المؤمنون: هذا لك، فما لنا؟ فنزل قوله تعالى: { وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } [الأحزاب: 47]، فقال المنافقون: فما لنا؟ فنزل قوله تعالى: {بَشّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ} {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} في الآخرة. ثم نعت المنافقين فقال: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} يعني اليهود {أَوْلِيَاء} في العون والنصرة {مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ثم عيرهم بذلك فقال {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} يعني يطلبون عندهم المنعة، والظفر على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. العزة في اللغة: المنفعة والغلبة كما يقال: من عز بزا، أي من غلب سلب، ويقال: عز الشيء، إذا اشتد وجوده. ثم ذكر أنه لا نصرة لهم من الكفار، والنصرة من الله تعالى، فقال: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} يعني الظفر والنصر كله من الله تعالى، وهذا كما قال في آية أخرى: { وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [المنافقون: 8]. ثم قال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ} وذلك أن المشركين بمكة كانوا يستهزئون بالقرآن، فنهى الله تعالى المسلمين عن القعود معهم، وهو قوله: { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } [الأنعام: 68] إلى قوله: { فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } [الأنعام: 68] فامتنع المسلمون عن القعود معهم، فلما قدموا المدينة كانوا يجلسون مع اليهود والمنافقين وكان اليهود يستهزئون بالقرآن فنزلت هذه الآية: {فَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ} يعني في سورة الأنعام: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا} أي يجحد بها، {وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي حتى يأخذوا في كلام أحسن، ثم قال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ} يعني لو جلستم معهم كنتم معهم في الوزر وفي هذه الآية دليل: أن من جلس في مجلس المعصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم، ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وروى جويبر عن الضحاك، أنه قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة. قرأ عاصم {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} بنصب النون والزاي، وقرأ الباقون: بضم النون، وكسر الزاي على فعل ما لم يسم فاعله. ثم قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} يعني إذا ماتوا على كفرهم، ونفاقهم فبدأ بالمنافقين، لأنهم شر من الكفار، وجعل مأواهم جميعاً النار. وقال في رواية الكلبي: قوله تعالى: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} نسخ بقوله عز وجل: { وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } [الأنعام: 69] وقال عامة المفسرين: إنها محكمة، وليست بمنسوخة. ثم أخبر عن المنافقين.