التفاسير

< >
عرض

وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً
٣٦
ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً
٣٧
وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً
٣٨
-النساء

بحر العلوم

قوله تعالى: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} قال بعضهم: هذا الخطاب للكفار. واعبدوا الله، يعني وحدوا الله {وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} أي لا تثبتوا على الشرك. ويقال: الخطاب للمؤمنين: اعبدوا الله، يعني اثبتوا على التوحيد ولا تشركوا به. ويقال: (اعبدوا الله) يعني أطيعوا الله فيما أمركم به، وأخلصوا له بالأعمال، ولا تشركوا به شيئاً، ويقال: هذا الخطاب للمؤمنين وللمنافقين وللكفار، فأمر المؤمنين بالطاعة والمنافقين بالإخلاص، والكفار بالتوحيد. وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: كل عبادة في القرآن إنما يعني بها التوحيد ويقال هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، وذكر فيها أحكاماً [كانت تعرف تلك] من طريق العقل، وإن لم ينزل به [القرآن]، وهو قوله تعالى: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}. {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} يعني أحسنوا إلى الوالدين. {وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} يعني صلوا القرابات قوله {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ} يعني، أحسنوا إلى اليتامى. ويقال: هذا أمر للأوصياء بالقيام على أموالهم. ثم قال تعالى: {وَٱلْمَسَـٰكِينُ} أي عليكم بإطعام المساكين، ثم قال: {وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي عليكم بالإحسان إلى الجار الذي بينك وبينه قرابة، فله ثلاث حقوق، هكذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار القريب المسلم فله حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، والجار الذي له حقان، وهو الجار المسلم، فله حق الإسلام وحق الجوار. والجار الذي له حق واحد هو الجار الكافر له حق الجوار" . ثم قال تعالى: {وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ} يعني الجار الذي لا قرابة بينهما، وهو من قوم آخرين. {وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ} [أي الرفيق في السفر. وروي عن معاذ بن جبل أنه قال "الصاحب بالجنب" يعني المرأة، ثم قال {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} يعني الضيف ينزل عليكم فأحسنوا إليه، وحقه ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة. ثم قال: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} من الخدم أحسنوا إليهم. وقد روي في الخبر "أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإنهم لحم ودم، وخلق أمثالكم" رواه علي عن أبي طالب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الله الله فيما ملكت أيمانكم" . وذكر الحديث. وروي عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، وما زال يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها أعتقوا، وما زال يوصيني بالسواك حتى ظننت أن يحفي فمي، وما زال يوصيني بقيام الليل، حتى ظننت أن خيار أمتي لم يناموا ليلاً" . ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} يعني من كان مختالاً في مشيه، فخوراً على الناس، وهذا قول الكلبي. وقال القتبي: المختال: ذو الخيلاء والكبر، وهذا قريب من الأول، ويقال: فخوراً في نعم الله لا يشكرها، ويتكبر على الناس. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} قال مجاهد، ومقاتل: نزلت في اليهود يبخلون بكتمان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} يعني: أمروا قومهم أن يكتموا صفته - صلى الله عليه وسلم - {وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} في التوراة. ويقال: أبخل الناس الذي يبخل بعلمه، ويقال: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} يعني في المال، لأن رؤساءهم كانوا لا يعطون أحداً من أموالهم شيئاً، لأن عادتهم كان الأخذ والمنع، وكانوا أيضاً يأمرون بالبخل، لأن من كان في معصية، فإنه يأمر غيره بذلك لكي لا يظهر عيبه، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، يعني لا يشكرون على ما أعطاهم الله من نعمته، ولا يخرجون الزكاة. ثم قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً} أي عذاباً شديداً. قرأ حمزة والكسائي: (بالبخل) بنصب الباء والخاء، وقرأ الباقون (بالبخل) بضم الباء وجزم الخاء. وقال بعض أهل اللغة: ها هنا أربع لغات وهي لغة الأنصار: بخل، وبخل، وبخل، وبخل، إلا أنه قرأ بحرفين ولا يقرأ بالحرفين الآخرين ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَـاء ٱلنَّاسِ} قال مقاتل يعني اليهود، وقال الضحاك: يعني المنافقين ينفقون أموالهم مراءاة للناس. {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} يعني ولا يصدقون في السر، ويقال: نزلت في مطعمي يوم بدر، وهم رؤساء مكة أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر. ثم قال تعالى: {وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً} ففي الآية مضمر فكأنه قال: ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فقرينهم الشيطان، ومن يكن الشيطان له قريناً {فَسَاء قَرِيناً} أي قرينهم الشيطان في الدنيا يأمرهم بالبخل، ويقال: قرينه في النار في السلسلة.