التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً
٦٤
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً
٦٥
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً
٦٦
وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً
٦٧
وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٦٨
-النساء

بحر العلوم

وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} ومن، صله، فكأنه يقول: وما أرسلنا رسولاً {إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي لكي يطاع بأمر الله. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بصنعهم {جَاءُوكَ} بالتوبة {فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ} لذنوبهم {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} أي متجاوزاً. قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} كقول القائل: لا والله لا يؤمنون {حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ} حتى يقروا ويرضوا بحكمك يا محمد {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أي فيما اختلفوا فيه، ويقال: تشاجرا: أي اختلفا، ويقال: فيما التبس عليهم، قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدثنا أبو عبيد الله، عن سفيان، عن عمر، وعن رجل من ولد أم سلمة عن أم سلمة أنها قالت: كان بين الزبير بن العوام وبين رجل خصومة فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فأنزل الله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ} أي في قلوبهم {حَرَجاً} أي شكاً {مِّمَّا قَضَيْتَ} أنه الحق {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} أي ويخضعوا لأمرك في القضاء خضوعاً. وقال الزجاج: تسليماً، مصدر مؤكد، فإذا قلت: ضربه ضرباً، فكأنك قلت: لا شك فيه كذلك: {وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} أي ويسلمون لحكمك تسليماً لا يدخلون على أنفسهم شكاً. قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ: أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} يعني لو فرضنا عليهم القتل، {أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} والقليل منهم، عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله تعالى أمرنا بأن نقتل أنفسنا، أو نخرج من ديارنا لفعلنا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي" . قرأ ابن عامر: (إلا قليلاً منهم) بالألف، وهكذا في مصاحف أهل الشام، وقرأ الباقون: [بغير الألف]، بالضم، فمن قرأ بالضم، فمعناه، ما فعلوه ويفعله قليل منهم، على معنى الاستئناف، ومن قرأ بالنصب على معنى أنه على خلاف الأول، للاستثناء، كقوله تعالى: { إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ } [النساء: 98]. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي ما يؤمرون به، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} [أي الثواب في الآخرة] {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} أي تحقيقاً في الدنيا. قوله تعالى: {وَإِذاً لأَتَيْنَـٰهُمْ} يقول: حينئذ لأعطيناهم {مّن لَّدُنَّـا} أي من عندنا {أَجْراً عَظِيماً} في الآخرة، يعني الجنة. {وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} أي ديناً قيماً يرضاه لهم.