التفاسير

< >
عرض

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٢٤
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٢٥
وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
٢٦
وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
٢٧
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ
٢٨
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ
٢٩
وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ
٣٠
-الشورى

بحر العلوم

قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} يعني تقوله من ذات نفسه ولم يأمره الله تعالى، قال الله تعالى {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} يعني يحفظ قلبك حتى لا تدخل في قلبك المشقة والأذى من قولهم {وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَـٰطِلَ} يعني يهلك الله تعالى الشرك {وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ} يعني يظهر دينه الإسلام {بِكَلِمَـٰتِهِ} يعني بتحقيقه وبنصرته وبالقرآن {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يعني يعلم ما في قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - من الحزن، ويعلم ما في قلوب الكافرين من التكذيب قوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ} حتى يتجاوز عما عملوا قبل التوبة، وروى عبد العزيز بن إسماعيل، عن محمد بن مطرف قال: "يقول الله تعالى: وَيْحَ ابْنَ آدَمَ يُذْنِب الذَّنْبَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِر فَأغْفِرَ لَهُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ذَنْباً، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ فأغْفِر لَهُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ذَنْباً، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ فَأغْفِرَ لَهُ لاَ هُوَ يَتْرك ذُنُوبَهُ، وَلاَ هُوَ يَيْأس مِن رَّحْمَتِي، أشْهَدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ" {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} من خير أو شر، قرأ حمزة والكسائي وعاصم، في رواية حفص (تفعلون) بالتاء على معنى المخاطبة والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} يعني يجيب دعاءهم، ويعطيهم أكثر ما سألوا من المغفرة {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} يعني يزيدهم على أعمالهم من الثواب ويقال يعطيهم الثواب في الجنة أكثر مما سألوا {وَٱلْكَـٰفِرِينَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} يعني دائماً لا يقتر عنهم قوله تعالى {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ} يعني لو وسع الله تعالى عليهم المال {لَبَغَوْاْ} أي لطغوا {فِى ٱلأَرْضِ} وعصوا {وَلَـٰكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء} يعني يوسع على كل إنسان بمقدار صلاحه في ذلك، قال أبو الليثرحمه الله : حدّثنا أبو القاسم حمزة بن محمد قال حدثنا أبو القاسم أحمد بن حمزة قال حدثنا نصر بن يحيـى قال سمعت شقيق بن إبراهيم الزاهد يقول {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ} قال لو أن الله تعالى رزق العباد من غير كسب لتفرغوا، وتفاسدوا في الأرض، ولكن شغلهم بالكسب حتى لا يتفرغوا للفساد، ثم قال {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ} يعني بالبر والفاجر، والمؤمن والكافر، ويقال يعني عالم بصلاح كل واحد منهم قوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ} يعني المطر {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} أي حبس عنهم {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} يعني المطر {وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ} يعني الولي للمطر يرسله مرة بعد مرة، الحميد يعني أهل أن يحمد على صنعه قوله عز وجل {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ} يعني من علامات وحدانيته {خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} يعني خلقين عظيمين لا يقدر عليهما بنو آدم، ولا غيرهم {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ} يعني ما خلق في السماوات والأرض من خلق أو بشر فيهما {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ} يعني على إحيائهم للبعث {إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ} يعني قادر على ذلك، ويقال {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ} يعني في الأرض خاصة، كما قال: { { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [الرحمن: 22] يعني من أحدهما ثم قال {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ} يعني: ما تصابون من مصيبة في أنفسكم وأموالكم {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} يعني يصيبكم بأعمالكم ومعاصيكم {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} يعني ما عفى الله عنه فهو أكثر، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال «ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا بلى، فقرأ عليهم {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفى الله تعالى عنه في الدنيا ولم يعاقب فهو أجود وأمجد، وأكرم من أن يعذب فيه يوم القيامة، وعن الضحاك قال: ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه، إلا بذنب، ثم قرأ {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن، قرأ نافع وابن عامر «بما كسبت أيديكم» بحذف الفاء ويكون [ما]: بمعنى الذي، ومعناه الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم، وقرأ الباقون (فَبِمَا كَسَبَتْ) بالفاء، وتكون الفاء جواب الشرط، ومعناه ما يصيبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ثم قال: {وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ...}