التفاسير

< >
عرض

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٣٣
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣٤
وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ
٣٥
-الأنعام

بحر العلوم

قوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُون} روى سفيان عن أبي إسحق عن ناجية بن كعب قال: قال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فنزلت هذه الآية. وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال: " جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حزين، فقال: ما يحزنك؟ قال: كذّبني هؤلاء. فقال: إنهم لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق " فنزلت هذه الآية: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ} من تكذيبهم إياك في العلانية {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ} في السر ويعلمون أنك صادق وكانوا يسمونه أميناً قبل أن يوحي إليه فلما أوحي إليه كذبوه، فقال {وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} وهم يعلمون أنك صادق. والجحد يكون ممن علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى: { وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ } [النمل: 14] قرأ نافع والكسائي: (فإنهم لا يكذبونك) بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذباً، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب ولا يكذبونك في السر، وقرأ نافع: (يحزنك) برفع الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون (ليحزنك) بنصب الياء وضم الزاي ومعناهما واحد. ثم عزاه ليصبر على أذاهم فقال: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} يعني أن قومهم كذبوهم كما كذبك قريش {فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ} يعني صبروا على تكذيبهم وأذاهم {حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا} يعني عذابنا لهلاكهم {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ} يعني لا مغير لوعد الله فهذا وعد من الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالنصرة، كما نصر النبيين من قبله. ثم قال: {وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} يعني من خبر المرسلين كيف أنجيت المرسلين وكيف أهلكت قومهم. فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - تعجل أصحابه لذلك، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار، فنزل: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد به قومه، فقال: إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان، ولا تصبر على تكذيبهم إياك {فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ} يعني إن قدرت أن تطلب سِرْباً في الأرض والنافقاء، إحدى جحري اليربوع {أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَاءِ} يعني مصعداً إلى السماء {فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ} فافعل ذلك على وجه الإضمار وهذا كما قال في آية أخرى: { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ } [الحج: 15] الآية. وروى محمد بن المنكدر: " أن جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله أمر السماء أن تطيعك، وأمر الأرض أن تطيعك، وأمر الجبال أن تطيعك، فإن أحببت أن ينزل عذاباً عليهم. قال: يا جبريل أؤخر عن أمتي، لعل الله أن يتوب عليهم" . ثم قال: {وَلَوْ شَاءَ ٱللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} يعني لهداهم إلى الإيمان. ويقال: ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى، كما قال في آية أخرى: { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } [الشعراء: 4] (ومعناه ولو شاء الله لجمعهم على الهدى قهراً وجبراً، ولكن ما فعل، وكلفهم وتركهم فاختيارهم). ثم قال: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} يعني بأنه لو شاء لهداهم. وقال الضحاك: يعني القدر خيره وشره من الله تعالى، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان.