التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٧
وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ
٨
وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ
٩
وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
١٠
-الأنعام

بحر العلوم

ثم قال: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِي قِرْطَاسٍ} ذلك أن النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية وغيرهما، قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتاباً من السماء، قال الله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِي قِرْطَاسٍ} يقول: مكتوباً في صحيفة {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} يقول: عاينوه وأخذوه بأيديهم ما يصدقونه {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني يقول الذين كفروا: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} ولا يؤمنون به. {وَقَالُواْ: لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} من السماء فيكون معه نذيراً فقال الله تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً} من السماء {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} يعني لهلكوا إذا عاينوا الملك ولم يؤمنوا ولم يصدقوا لنزل العذاب بهم {ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ} يعني لا ينتظر بهم حتى يعذبوا. ويقال: لو نزل الملك لنزل بإهلاكهم. ويقال: لو أنزلنا ملكاً لا يستطيعون النظر إليه فيموتوا. ثم قال: {وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً} يعني لو أنزلنا ملكاً بالنبوة {لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً} يعني لأنزلناه على شبه رجل على صورة آدمي ألا ترى أنهم حين جاءوا إلى إبراهيم - عليه السلام - جاءوا على صورة الضيفان، وعلى داود - عليه السلام - مثل خصمين وكان جبريل - عليه السلام - ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صورة دحية الكلبي. ثم قال: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} يعني لو نزل الملك على أشباه الآدميين لا يزول عنهم الاشتباه والتلبس. وروى بعضهم عن ابن عامر أنه قرأ: (ما يلبسون) بنصب الباء يعني جعلنا عليه من الثياب ما يلبسونه على أنفسهم ظنوا أنه آدمي والقراءة المعروفة: بالكسر يقال: لبس يلبس إذا لبس الثوب ولبس يلبس: إذا خلط الأمر. وقال القتبي: (وللبسنا) يعني أضللناهم بما ضلوا به من قبل أن يبعث الملك. ثم قال: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} يا محمد كما استهزأ بك قومك في أمر العذاب {فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ} يقول: وجب ونزل بالذين {سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} بالرسل ويقال: فحاق أي رجع. وقال أهل اللغة: الحيق، ما يشتمل على الإنسان من مكروه فَعَلَتْه نفسه كقوله: { وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [فاطر: 43]. وقال الضحاك: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جالساً في المسجد الحرام مع المستضعفين من المؤمنين بلال بن رباح، وصهيب بن سنان، وعمار بن ياسر وغيرهم. فمر بهم أبو جهل بن هشام في ملأ من قريش وقال: يزعم محمد أن هؤلاء ملوك أهل الجنة فأنزل الله تعالى على رسوله هذه الآية ليثبت بها فؤاده ويصبره على أذاهم فقال: {وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} يعني إن سخر أهل مكة من أصحابك فقد فعل ذلك الجهلة برسلهم فجعل الله تعالى دائرة السوء على أهل ذلك الاستهزاء. ثم أمر المشركين بأن يعتبروا بمن قبلهم وينظروا إلى آثارهم في الأرض.