التفاسير

< >
عرض

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٤٣
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤٤
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ
٤٥
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٤٦
وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٤٧
-الأنفال

بحر العلوم

{إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً} وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتقوا فأخبر أصحابه بما رأى في المنام أن العدو قليل. فقالوا رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - حق، والقوم القليل، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين لتصديق رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} يعني لجبنتم وتركتم الصف {وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ} يعني اختلفتم في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} يعني ولكن الله أتم للمسلمين أمرهم على عدوهم. ويقال: سلم يعني قضى بالهزيمة على الكفار والنصرة للمؤمنين. ويقال: إذ يريكهم الله في منامك قليلاً يعني في عينك. لأن العين موضع النوم، أي في: موضع منامك. وروي عن الحسن قال: معناه في عينيك التي تنام بها ثم قال {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} يعني إني عالم بسرائركم. {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ} يعني يوم بدر {فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً} في العدد. وروى أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ قال أراهم مائة. حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه فقال كما ألفاً. ثم قال {وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} معشر المؤمنين في أعين المشركين وذلك حين لقوا العدو، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين لكيلا يجبنوا وقلل المؤمنين في أعين المشركين ليزدادوا جرأة على القتال حتى قتلوا ولكي يظهر الله عندهم فضل المؤمنين {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} يعني إذا قضى الله تعالى أمراً فهو كائن، وهو النصرة للمؤمنين والذل لأهل الشرك بالقتل والهزيمة {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} يعني عواقب الأمور في الآخرة. ثم حرض المؤمنين على القتال فقال: تبارك وتعالى {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} يعني جماعة من الكفار فاثبتوا لهم وقاتلوهم مع نبيكم {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} يعني في الحرب {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يعني تفوزون به ثم قال الله تعالى {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما يأمركم من القتال {وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ} يعني: لا تختلفوا فيما بينكم {فَتَفْشَلُواْ} يعني فتجبنوا من عدوكم {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. قال مجاهد: يعني نصرتكم، وذهب ريحهم يوم أُحد حين نازعتموه. وقال الأخفش: يعني دولتكم. وقال قتادة ريح الحرب. وأصله في اللغة تستعمل في الدولة، ويقال الريح له اليوم يراد به الدولة. ثم قال {وَٱصْبِرُواْ} يعني لقتال عدوكم {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} يعني معين لهم وناصرهم. ثم قال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ} معناه قاتلوا لوجه الله تعالى. ولا تقاتلوا رياءً وسمعةً ولا تكونوا يا أصحاب النبي - عليه السلام - كالذين خرجوا {مِن دِيَـٰرِهِم} وهم أهل مكة {بَطَراً} يعني أشراً وأصله الطغيان في النعمة {وَرِئَاء ٱلنَّاسِ} يعني لكي يذْكروا بمسيرهم ويقولوا تسامع الناس بمسيرنا. وقال محمد بن إسحاق: خرجت قريش وهم تسعمائة وخمسون مقاتلاً ومعهم مائتا فرس يقودونها وخرجوا ومعهم القبِيّات يضربون بالدفوف ويغنون بهجاء المسلمين. ثم قال {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني يصرفون الناس عن دين الإسلام {وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} يعني: عالم بهم وبأعمالهم. قوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ...}