التفاسير

< >
عرض

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
١٠
إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ
١١
-الأنفال

بحر العلوم

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى كثرة المشركين علم أنه لا قوة لهم إلا بالله. فدعا ربه فقال: "اللهم إنك وعدتني النصر وإنك لا تخلف الميعاد" . فاستجاب له ربه ونزل {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} يقول واذكروا إذ تسألون ربكم وتدعونه يوم بدر بالنصرة على عدوكم، {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} يعني فأجابكم ربكم {أَنّي مُمِدُّكُمْ} يعني: أزيدكم {بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ} يعني متتابعين "بعضهم" على أثر بعض. قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر مُرْدَفِينَ بالنصب وقرأ الباقون بالكسر. وكلاهما يرجع إلى معنى واحد، وهو التتابع. وقال عكرمة: أمدهم يوم بدر بألف من الملائكة وعددهم ثلاثة آلاف من الملائكة لغزوة بعده بدعائه وزاده ألفين فذلك خمسة آلاف من الملائكة، ويقال هذا كله كان يوم بدر. ثم قال عز وجل {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} يقول ما أنزل الله من الملائكة إلا للبشارة. وقال بعضهم: إن الملائكة لم يقاتلوا وإنّما كانوا مبشرين. وروي عن ابن عباس أنه قال: قاتلت الملائكة يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم حنين، {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} يعني مدد الملائكة إلاَّ بُشْرَى {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} يعني لتسكن إليه قلوبكم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يعني ليس النصر بقلة العدد ولا بكثرة العدد ولكن النصرة من عند الله {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز بالنقمة، حكيم حكم بالنصرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين وللهزيمة للمشركين. قوله تعالى: {إِذْ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} يقول ألقى عليكم النوم {أَمَنَةً مّنْهُ} يعني: أمناً من عند الله. وروى عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: النعاس عند القتال أمنة من الله وهو في الصلاة من الشيطان. قرأ نافع يُغْشِيكُمْ (النُّعَاسَ) بضم الياء وجزم الغين ونصب النعاس ومعناه يُغْشِيكُمْ الله النُّعَاسَ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ بالألف ونصب الياء وضم النعاسُ. يعني أخذكم النعاسُ. وقرأ الباقون بضم الياء وتشديد الشين ونصب النعاس {يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} ومعناه يغشيكم الله النعاسَ أمنةً منه، والتشديد للمبالغة ثم قال {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاءً لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} يعني بالماء من الأحداث والجنابة {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} يعني وسوسة الشيطان وكيده. وقال القتبي: أصل الرجز العذاب كقوله: { رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [البقرة: 59] ثم سمى كيد الشيطان رجزاً. لأنه سبب العذاب. ثم قال: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} يعني يشدد قلوبكم بالنصرة منه عند القتال {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} يعني لتستقر الرجل على الرمل حتى أمكنكم الوقوف عليه، ويقال ويثبت به الأقدام في الحرب. ثم قال تعالى:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ...}