التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ
٢٦
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٢٨
-التوبة

بحر العلوم

{ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} يعني: رحمته {وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} يعني خمسة آلاف من الملائكة، وفي الآية دليل أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة لأنهم ارتكبوا الكبيرة حيث هربوا، وكان عددهم أكثر من عدد المشركين فسماهم الله تعالى مؤمنين {وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني بالقتل والهزيمة {وَذَلِكَ} يعني: ذلك العذاب {جَزَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي عقاب. قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} من أصحاب مالك بن عوف من كان أهلاً للإسلام. وروي عن محمد بن كعب القرظي قال "لما انهزم مالك بن عوف سار مع ثلاثة آلاف، فقال لأصحابه هل لكم أن تصيبوا من محمد مالاً؟ قالوا نعم فأرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إني أريد أن أسلم فما تعطيني؟ فأرسل إليه النبي - عليه الصلاة والسلام - إني أعطيك مائة من الإبل ورعاتها، فجاء فأسلم، فأقام يومين أو ثلاثة فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم رق لذلك، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا ابن عوف ألا نفي لك بما أعطيناك من الشرط؟" فقال يا رسول الله أمثلي من يأخذ على الإسلام شيئاً؟. قال فكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة الشام. ثم قال الله عز وجل {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لما كان من الشرك {رَّحِيمٌ} بهم في الإسلام. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} يعني: قذر ورجس ولم يقل أنجاس لأن النَّجَس مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع {فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} فهذه الآية من الآيات التي قرأها عليهم عليّ بن أبي طالب بمكة. يعني لا يدخلوا أرض مكة. وقال مقاتل يعني الحرم كله. وقال مالك بن أنس لا يجوز للكفار أن يدخلوا المساجد، لأن الله تعالى قال إنما المشركون نجس، كما أن الجنب لا يجوز له أن يدخل المسجد. وقال الزهري: له أن يدخل جميع المساجد إلا المسجد الحرام. وهو قول الشافعيرحمه الله وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد لأن الكفار كانوا يدخلون مسجد المدينة إذا قدموا وافدين من قومهم. وهذه الآية نزلت في شأن أهل الحرب. إنهم لا يدخلون المسجد الحرام بغير أمان، ولا يكون لهم ولاية البيت. وروي عن جابر ابن عبد الله أنه قال: لا يدخلون المسجد الحرام إلا برق أو عهد. ثم قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} يعني حاجة وفقراً. وقال الزجاج: العيلة الفقر. كما قال الشاعر:

وما يدري الفقير متى غناه ولا يدري الغني متى يعيل

ثم قال {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وذلك أنه لما منع المشركون من مكة قال أناس من التجار لأهل مكة من أين تأكلون إذا فعلتم هذا؟ فنزل {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعني من رزقه ففرحوا بذلك، فأسلم أهل جده وصنعاء من أهل اليمن فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر وأغناهم الله تعالى بذلك يعني أغناهم عن تجار الكفار بالمؤمنين ثم قال {إِن شَاء} يعني: يدوم لكم بمشيئة الله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ} بخلقه {حَكِيمٌ} في أمره. قوله تعالى: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ...}