التفاسير

< >
عرض

وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ
١٦٣
إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٦٤
-البقرة

معالم التنزيل

قوله تعالىٰ: {وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنزل الله تعالىٰ هذه الآية وسورة الإِخلاص والواحد الذي لا نظير له ولا شريك له.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا بكر بن إبراهيم وأبو عاصم عن عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) و (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)"

قال أبو الضحى: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمداً يقول إن إلٰهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله عز وجل {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ذكر السماوات بلفظ الجمع والأرض بلفظ الواحد لأن كل سماء ليست من جنس واحد بل من جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب، فالآية في السماوات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها وسعتها وما ترى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات.

قوله تعالىٰ: {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي بعده نظيره قوله تعالىٰ: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ خِلْفَةً } [الفرقان: 62] قال عطاء: أراد اختلافهما في النور والظلمة والزيادة والنقصان. والليل جمع ليلة، والليالي جمع الجمع. والنهار جُمْعُه نُهُر وقدم الليل على النهار في الذكر لأنه أقدم منه قال الله تعالىٰ { وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } [يس: 37].

{وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ} يعني السفن واحده وجمعه سواء فإذا أريد به الجمع يؤنث وفي الواحد يذكر قال الله تعالىٰ: في الواحد والتذكير { إِذْ أَبَقَ إِلَى الفُلْكِ المَشْحُونِ } [الصافات: 140] وقال في الجمع والتأنيث { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } [يونس: 22].

{وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ} الآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة لا ترسب تحت الماء {بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب {وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ} يعني المطر قيل: أراد بالسماء السحاب، يخلق الله الماء في السحاب ثم من السحاب ينزل وقيل أراد به السماء المعروفة يخلق الله تعالى الماء في السماء ثم ينزل من السماء إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض {فَأَحْيَا بِهِ} أي بالماء {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي بعد يبوستها وجدوبتها {وَبَثَّ فِيهَا} أي فرق فيها {مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ}.

قرأ حمزة والكسائي الريح بغير ألف وقرأ الباقون بالألف وكل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولا لام اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا في الذاريات: { ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } [الذاريات: 41] اتفقوا على توحيدها وفي الحرف الأول من سورة الروم: { الرِّيَاحَ مُبَشِّراتٍ } [الروم: 46] اتفقوا على جمعها، وقرأ أبو جعفر سائرها على الجمع، والقراء مختلفون فيها، والريح يذكر ويؤنث، وتصريفها أنها تتصرف إلى الجنوب والشمال والقبول والدُّبور والنكباء.

وقيل: تصريفها أنها تارة تكون ليناً وتارة تكون عاصفاً وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ريحاً لأنها تريح النفوس قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح والبشارة في ثلاث من الرياح في الصَّبا والشمال والجنوب أما الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها وقيل: الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وأربعة للعذاب. فأما التي للرحمة المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات وأما التي للعذاب فالعقيم والصرصر في البر والعاصف والقاصف في البحر {وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ} أي الغيم المذلل سمي سحاباً لأنه ينسحب أي يسير في سرعة كأنه يسحب أي يجر {بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقاً وصانعاً قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدرى من أين تجيء الرعد والبرق والسحاب.