التفاسير

< >
عرض

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
٨٣
قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
٨٤
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٨٥
كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٨٦
أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
٨٧
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٨٨
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٨٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ
٩٠
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٩١
-آل عمران

معالم التنزيل

قوله عزّ وجلّ: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ}، وذلك أنّ أهل الكتاب اختلفوا فادّعى كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقضى النبي صلّى الله عليه وسلم: "كِلاَ الفريقين بريء من دين إبراهيم عليه السلام" ، فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ}، قرأ أبو جعفر وأهل البصرة وحفص عن عاصم {يَبْغُونَ} بالياء لقوله تعالى {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى {لَمَآ ءَاتَيْتُكُم}، {وَلَهُ أَسْلَمَ}، خضع وانقاد، {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}، فالطوع: الانقياد والاتباع بسهولة، والكره: ما كان بمشقة وإباءٍ من النفس.

واختلفوا في قوله: «طوعاً وكرهاً» قال الحسن: أسلم أهل السموات طوعاً وأسلم من في الأرض بعضهم طوعاً وبعضهم كرهاً، خوفاً من السيف والسبي، وقال مجاهد: طوعاً المؤمن، وكرهاً ذلك الكافر، بدليل: { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ } [الرعد: 15] وقيل: هذا يوم الميثاق حين قال لهم: { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، فقال بعضهم: طوعاً وبعضهم: كرهاً، وقال قتادة: المؤمن أسلم طوعاً فنفعه، والكافر أسلم كرهاً في وقت اليأس فلم ينفعه، قال الله تعالى: { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [غافر: 85] وقال الشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم، كما قال الله تعالى: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } [العنكبوت: 65].

وقال الكلبي: طوعاً الذي (وُلد) في الإِسلام، وكرهاً الذين أُجبروا على الإِسلام ممن يُسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، قرأ بالياء حفص عن عاصم ويعقوب كما قرأ {يَبْغُونَ} بالياء وقرأ الباقون بالتاء فيهما إلا أبو عمرو فإنه قرأ {يبغون} بالياء و{ترجعون} بالتاء، قال: لأن الأول خاص والثاني عام، لأن مرجع جميع الخلق إلى الله عزّ وجلّ.

قوله تعالى: {قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها، ثم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يقول: «آمنا بالله» الآية.

قوله: {ومَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، نزلت في اثني عشر رجلاً ارتدّوا عن الإِسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً، منهم الحارث بن سويد الأنصاري، فنزل فيهم {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}.

{كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} لفظة استفهام ومعناه جحد، أي: لا يهدي الله، وقيل معناه: كيف يهديهم الله في الآخرة إلى الجنة والثواب {وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

{أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.

{خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} وذلك: أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى قومه: أن سلوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم: هل لي من توبة ففعلوا ذلك، فأنزل الله تعالى:

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، لما كان منه، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه فقال الحارث: إنك - والله - ما علمت لصدوق وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عزّ وجلّ لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة فأسلم وحسن إسلامه.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} قال قتادة والحسن: نزلت في اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإِنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلّى الله عليه وسلم والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلّى الله عليه وسلم لمّا رأوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادُوا كفراً، يعني: ذنوباً في حال كفرهم. قال مجاهد: نزلت في جميع الكفار أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، ثم ازدادُوا كفراً أي: أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. قال الحسن: ازدادُوا كفراً كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادُوا كفراً وقيل: ازدادُوا كفراً بقولهم: نتربص بمحمد ريبَ المنون. قال الكلبي: نزلت في الأحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد، لما رجع الحارث إلى الإِسلام أقاموا هم على الكفر بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدَا لنَا فمتى أردنا الرجعة ينزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإِسلام قُبلت توبتُه، ونزل فيمن مات منهم كافراً {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} الآية.

فإن قيل: قد وعد الله قبول توبة من تاب، فما معنى قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ}؟ قيل: لن تُقبل توبتُهم إذا (رجعوا في حال المعاينة)، كما قال: { وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ } [النساء: 18]. وقيل: هذا في أصحاب الحارث بن سويد حيث أمسكوا عن الإِسلام، وقالوا: نتربص بمحمد فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه، فلن يقبل منهم ذلك لأنهم متربصون غير محققين، وأولئك هم الضالون.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأرْضِ}، أي: قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها، {ذَهَبًا}، نصب على التفسير، كقولهم: عشرون درهماً. {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}، قيل: معناه لو افتدى به، والواو زائدة مقحمة، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ}.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن بشار أخبرنا غندر أخبرنا شعبة عن أبي عمران قال: سمعتُ أنس بن مالك:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: "يقول الله لأهونِ أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو أنّ لكَ ما في الأرض من شيء أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردتُ منك أهونَ من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي" .