التفاسير

< >
عرض

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٩
وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
١٠
فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
١١
لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٢
شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ
١٣
وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
١٤
فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
١٥
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
١٦
ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ
١٧
يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ
١٨
ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ
١٩
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
٢٠
-الشورى

معالم التنزيل

{أَمِ ٱتَّخَذُواْ}، [بل اتخذوا، أي: الكافرون]، {مِن دُونِهِ}، [أي: من دون الله]، {أَوْلِيَآءَ فَٱللهُ هُوَ ٱلْوَلِىُّ}، [قال ابن عباس رضي الله عنهما]: وليّك يا محمد وولي مَنِ اتّبعك، {وَهُوَ يُحْيي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

{وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ}، من أمر الدين، {فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللهِ}، يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، {ذَلِكُمُ ٱللهُ}، الذي يحكم بين المختلفين هو، {رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}.

{فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً}، من مثل خلقكم حلائل، قيل: إنما قال "من أنفسكم" لأنه خلق حواء من ضلع آدم. {وَمِنَ ٱلأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجاً}، أصنافاً ذكوراً وإناثاً، {يَذْرَؤُكُمْ}، يخلقكم، {فِيهِ}، أي: في الرحم. وقيل: في البطن. وقيل: على هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد: نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام. وقيل: "في" بمعنى الباء أي: يذرؤكم به. وقيل: معناه يكثركم بالتزويج. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ}، "مثل" صلة، أي: ليس هو كشيء، فأدخل المثل للتوكيد، كقوله: { فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُمْ بِهِ } [البقرة: 137]، وقيل: الكاف صلة، مجازه: ليس مثله شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس له نظير {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}.

{لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، مفاتيح الرزق في السموات والأرض. قال الكلبي: المطر والنبات {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} لأن مفاتيح الرزق بيده، {إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}. قوله عزّ وجلّ: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ}، بيّن لكم وسنّ لكم {مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}، وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً. {وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ}، من القرآن وشرائع الإسلام، {وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ}، واختلفوا في وجه الآية: فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات.

وقال مجاهد: لم يبعث الله نبياً إلاّ وَصَّاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإِقرار لله بالطاعة له، فذلك دينه الذي شرع لهم.

وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بَعْدُ، وهو قوله: {أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ}، بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة.

{كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}، من التوحيد ورفض الأوثان ثم قال: {ٱللهُ يَجْتَبِىۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ}، يصطفي إليه من عباده من يشاء، {وَيَهْدِىۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ}، يقبل إلى طاعته.

{وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ}، يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أهل الكتاب كما ذكر في سورة المنفكين. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ}، بأن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوا ذلك، {بَغْيًا بَيْنَهُمْ}، أي: للبغي، قال عطاء: يعني بغياً بينهم على محمد صلى الله عليه وسلم، {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ}، في تأخير العذاب عنهم، {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، وهو يوم القيامة، {لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ}، بين من آمن وكفر، يعني أنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا، {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني اليهود والنصارى، {مِن بَعْدِهِمْ}، من بعد أنبيائهم، وقيل: من بعد الأمم الخالية. وقال قتادة: معناه من قبلهم أي: من قبل مشركي مكة. {لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}، أي: من محمد صلى الله عليه وسلم. {فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ}، أي: فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان، وذلك إشارة إلى ما وصّى به الأنبياء من التوحيد، {وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}، أثبت على الدين الذي أُمرت به، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللهُ مِن كِتَـٰبٍ}، أي: آمنت بكتب الله كلِّها، {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، أن أعدل بينكم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أُمرتُ أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام. وقيل: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء، {ٱللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ}، يعني: إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكلٌّ يُجازَى بعمله، {لاَ حُجَّةَ}، لا خصومة، {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ}، نسختها آية القتال، فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، {ٱللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا}، في المعاد لفصل القضاء، {وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ}.

{وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللهِ}، يخاصمون في دينَ اللهِ تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبيّنا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتهم، {مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ}، أي: استجاب له الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ}، خصومتهم باطلة، {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}، في الآخرة.

{ٱللهُ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ}، قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: سُمي العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن البَخْس. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ}، ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازه: الوقت. وقال الكسائي: إتيانها قريب. قال مقاتل: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين، قالوا تكذيباً: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية {يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا}، ظناً منهم أنها غير آتية، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ}، أي: خائفون، {مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ}، أنها آتية لا ريب فيها، {أَلآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ}، يخاصمون، وقيل: تدخلهم المرية والشك، {فَى ٱلسَّاعَةِ لَفِى ضَلَـٰلَ بَعِيدٍ}.

قوله عزّ وجل {ٱللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حفيٌّ بهم. قال عكرمة: بارٌّ بهم. قال السدي: رفيق. قال مقاتل: لطيف بالبرِّ والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم، يدل عليه: قوله { يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ } [البقرة: 212]، وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنه لم يدفعه إليك بمرة واحدة. {وَهُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ}.

{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ}، الحرث في اللغة: الكسب، يعني: من كان يريد بعمله الآخرة، {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ}، بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة، {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا}، يريد بعمله الدنيا، {نُؤْتِهِ مِنْهَا}، قال قتادة: أي: نؤته بقدر ما قَسَم الله له، كما قال: { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ } [الإسراء: 18]. {وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}، لأنه لم يعمل للآخرة.

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين ابن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن منيع العبدي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان عن المغيرة عن أبي العالية عن أُبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" .