التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
١٨
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
١٩
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٠
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢١
-الأنعام

معالم التنزيل

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، القاهر الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المنفرد بالتدبير الذي يُجْبِرُ الخلقَ على مُراده فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرّد به الله عزْ وجلّ. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ}، في أمره، {ٱلْخَبِيرُ}، بأعمال عباده.

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدةً}؟ الآية، قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنّا لا نرى أحداً يصدّقك، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ}، أعظم، {شهادة}؟ فإن أجابوك، وإلاّ {قُلِ ٱللَّهِ} هو {شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ}، على ما أقول، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل، {وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ}، لأخوّفكم به يا أهل مكة، {وَمَن بَلَغَ}، يعني: ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة.

حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني أنا أبو بكر محمد بن الحسين بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى بن عبدالله بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي كبشة [السلولي] عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلّغُوا عني ولو آية، وحدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومنْ كذبَ عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعدَه منَ النار" .

أخبرنا أبو الحسن عبدالوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عُيينة عن عبدالملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نضّر اللَّهُ عبداً سمعَ مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها. فَرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يَغِلُّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإنَّ دعوتَهم تحيطُ من وَرَائِهِمْ" .

قال مقاتل: من بلغه القرآن من الجنّ والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وسمع منه، {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ}؟ ولم يقل أُخر لأن الجمع يلحقه التأنيث؛ كقوله عزّ وجلّ: { { وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } } [الأعراف: 180]، وقال: { { فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } } [طه: 51]. {قُل}، يا محمد إن شهدتم أنتم، فـ {لاَّ أَشْهَدُ}، أنا أنّ معه إلهاً، {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.

قوله عزّ وجلّ{ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني: التوراة والإنجيل، {يَعْرِفُونَهُ}، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ}، من بين الصبيان، {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أنفُسَهُمْ}، غبنوا، {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، وإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنّة، ولأهل النار منازل أهل الجنّة في النار، وذلك الخسران.

قوله تعالىٰ: {وَمَنْ أَظْلَمُ}، أكفر {مِمَّنِ افْتَرَى}، اختلق، {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، فأشرك به غيره، {أَوْ كَذَّبَ بِـآيَـٰتِهِ}، يعني: القرآن، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}، الكافرون.