التفاسير

< >
عرض

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
٤
فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
٥
أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
٦
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٧
-الأنعام

معالم التنزيل

{وَمَا تَأْتِيهِم} يعني: أهل مكة، {مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ}، مثل انشقاق القمر وغيره، وقال عطاء: يريد من آيات القرآن، {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}، لها تاركين بها مكذّبين.

{فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ}، بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، {لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}، أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي: سيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عُذِّبوا.

قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ}، يعني: الأمم الماضية، والقرن: الجماعة من الناس، وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال: ثمانون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، ويقال: مائة سنة، لِمَا رُوي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن بُسْر المازني: إنكَ تعيشُ قرناً" ، فعاش مائة سنة.

فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهلِ قرنٍ، {مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ}، أي: أعطيناهم مالم نعطكم، وقال ابن عباس: أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود، يقال: مكّنتهُ ومكنتُ له، {وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مَّدْرَاراً}، يعني: المطر، مِفْعَال، من الدَّر، قال ابن عباس: مدراراً أي: مُتتابعاً في أوقات الحاجات، وقوله: "مالم نمكّنْ لكم" من خطاب التلوين، رجع من الخبر من قوله: "أَلم يَرَوْا" إلى الخطاب؛ كقوله: { { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } } [يونس: 22].

وقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: "ألم يروا" وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبدالله ما أكرمه، وقلت لعبدالله: ما أكرمك، {وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا}، خلَقْنَا وابتدأنا، {مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ} الآية، قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث وعبدالله بن أبي أميّة ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ} مكتوباً من عندي، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}، أي: عاينوه ومسّوه بأيديهم، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة لأن اللمس أبلغ في إيقاع العِلم من [الرؤية]، فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس، {لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، معناه: أنه لا ينفع معهم شيء لِمَا سبق فيهم من علمي.