التفاسير

< >
عرض

وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ
٥٣
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥٤
-الأنعام

معالم التنزيل

{وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا} أي: ابتلينا، {بَعْضَهُم بِبَعْضٍ}، أراد ابتلاء الغني بالفقير والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له، فذلك قوله: {لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ}، فقال الله تعالى: {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ}، فهو جواب لقوله: {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ}، فهو استفهام بمعنى التقرير، أي: الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عزّ وجلّ.

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبدالله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي أنا مسدد أنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشر المزني عن أبي الصديق الناجي "عن أبي سعيد الخدري قال: جلستُ في نفرٍ من ضعفاء المهاجرين وإنّ بعضهم ليستتر ببعض من العُري، وقارىءٌ يقرأُ علينا إذْ جاء رسولُ الله، فقام علينا، فلمّا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارىء، فسلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارىءٌ يقرأ علينا فكنّا نستمع إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم، قال: ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا، فَتَحَلَّقوا، وبرزت وجوههم له، قال: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحداً غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشرُوا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنّور التّامِّ يومَ القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة" .

قوله عز وجل: {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـآيَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ}، قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عزّ وجلّ نبيّه عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام.

وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وبلال وأبي عُبيدة ومُصعب بن عُمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين.

{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}، أي: قضى على نفسه الرحمة، {أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ}، قال مجاهد: لا يعلم حلالاً من حرام فمن جهالته ركب الذنب، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، وقيل: جهالته من حيث أَنَّه آثر المعصية على الطاعة، والعاجل القليل على الآجل الكثير، {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ}، رجع عن ذنبه، {وَأَصْلَحَ}، عمله، وقيل: أخلص توبته، {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب {أنه مَنْ عمل منكم... فأنّه غفور رحيم} بفتح الألف فيهما بدلاً من الرحمة، أي: كتب على نفسه أنه من عمل منكم، ثم جعل الثانية بدلاً عن الأولى؛ كقوله تعالى: { { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ } } [المؤمنون: 35]، وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسروا الثانية على الاستئناف وكسرهما الآخرون على الاستئناف.