التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٥٠
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٥١
-الأعراف

معالم التنزيل

قوله عزّ وجلّ: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا}، قال أبو الدرداء الأَسف: شديد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: أسفاً أي حزيناً. والأسف أشد الحزن. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِىۤ}، أي: بئس ما عملتم بعد ذهابي، يقال: خلفه بخير أو بشرٍّ إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيراً أو شراً، {أَعَجِلْتُمْ}، أسبقتم {أَمْرَ رَبِّكُمْ}، قال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ليلة. وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمرُ ربكم. {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ}، التي فيها التوراة وكان حاملاً لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب.

قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسَّرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام، {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ}، بذوائبه ولحيته {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان ليَّن الغضب. {قَالَ} هارون عند ذلك، {ٱبْنَ أُمَّ}، قرأ أهل الكوفة والشام ها هنا وفي طه بكسر الميم، يريد: يا ابن أمي، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله: "يا عبادِ" وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص: بفتح الميم على معنى يا ابن أماه. وقيل: جعله اسماً واحداً وبناه على الفتح، كقولهم: حضرموت، وخمسة عشر، ونحوهما، وإنما قال ابنَ أُمَّ وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه.

وقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى}، يعني: عَبَدَةَ العجل، {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى}، هَمَّوا وقاربوا أن يقتلوني، {فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى}، في مؤاخذتك عليّ {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، يعني: عبدة العجل.

{قَالَ} موسى لما تبين له عذر أخيه، {رَبِّ ٱغْفِرْ لِى}، ما صنعت إلى أخي، {وَلأَخِى}، إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، {وَأَدْخِلْنَا} جميعاً {فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَٰحِمِينَ}.