التفاسير

< >
عرض

أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ
١٧٣
وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
١٧٤
وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ
١٧٥
-الأعراف

معالم التنزيل

قوله تعالى: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} يقول إنما أُخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيّها المشركون:إنّما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنّا ذرية من بعدهم، أي: كنّا أتباعاً لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذراً لأنفسكم وتقولوا، {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ}، أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين فلا يمكنهم أن يحتجّوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد.

{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ}، أي: نُبيّن الآيات ليتدبّرها العباد، {وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، من الكفر إلى التوحيد.

قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا} الآية، اختلفوا فيه، قال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء. وقال مجاهد: بلعام بن باعر. وقال عطية عن ابن عباس: كان من بني إسرائيل. ورُوي عن عليّ بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين. وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا.

وكانت قصته - على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - أن موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعام إلى بلعم - وكان عنده اسم الله الأعظم - فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وأنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرجْ فادعُ الله أن يردّهم عنّا، فقال لهم: ويلكم نبيّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحّوا عليه فقال: حتى أُؤامر ربي، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد آمرتُ ربي وإني قد نُهيتُ فأُهدوا إليه هديةً فقبلها، ثم راجعوه فقال: حتى أؤامر ربّي فآمر، فلم يوحَ إليه شيء، فقال: قد آمرتُ فلم يوح إليّ شيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرّة الأولى، فلم يزالوا يتضرّعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتاناً له متوجهاً إلى جبل يُطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حُسْبان، فلما سار عليه غيرَ كثيرٍ رَبَضَتْ به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها، قامت فركبها، فلم تَسِرْ به كثيراً حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها فلم تسر به كثيراً حتى ربضت، فضربها حتى إذا أذلقها، أذن الله لها الكلام فكلّمته حجّة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب بي؟ ألاَ ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب بي إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع، فخلّى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حُسْبَان جعل يدعو عليهم ولا يدعو بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا؟ فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله عليه فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال جمِّلُوا النساء وزيّنوهنّ وأعطوهنّ السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومُروهنّ فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجلٌ واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مَرَّتِ امرأة من الكنعانيّين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جماله ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك؟ فقال: أجلْ هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلاً قد أُعطي بسطة في الخلق وقوّة في البطش، وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل فأُخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبّة، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بِكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورُفع الطاعون، فحُسِبَ مَنْ هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفاً في ساعة من النهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولدَ فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبةَ والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إيّاها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكرَ من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار، وفي بلعم أنزل الله تعالى;: "واتْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا" الآية.

وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادعُ اللَّهُ على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت له: لِمَ تضربني؟ إني مأمورة هذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك، فقال: لتدعونّ عليه، أو لأصلبنّك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم: أن لا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بالدعاية، فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام، قال: فكما سمعتَ دعاءَه عليّ فاسمعْ دعائي عليه، فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت منه صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله: "فَانْسَلَخَ منهَا".

وقال عبدالله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أميّة بن أبي الصلت الثقفي، وكانت قصته: أنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولاً فَرَجَا أن يكون هو ذلك الرسول، فلمّا أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمةٍ وموعظة حسنة، وكان قصَد بعض الملوك فلم رجع مرَّ على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيّاً ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية أتت أخته فارعةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف البيت، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: أوعى؟ قال: وعى؟ قال أزكى؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك، فقال: خيرٌ أُريدَ بي، فصرف عني فغشي عليه، فلما أفاق قال:

كل عيش وإن تطـاول دهـراًصـائــرٌ مــرةً إلـى أن يــزولا
ليتني كنتُ قبلَ ما قدْ بدَا ليفي قلال الجبالِ أرعى الوُعولا
إنّ يومَ الحسابِ يومٌ عظيــمٌشابَ فيه الصغيرُ يومـاً ثقـيــلاً

ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمَن شِعْرُهُ وكفر قلبه" ،فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا} الآية.

وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس، رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي له ثلاث دعوات مستجابات، وكان له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعلْ لي منها دعوة، فقال: لكِ منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادعُ الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجُعلت أجمل النساء في بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة نباحة، فذهب فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أُمُّنا كلبةً نباحة، والناس يعيّروننا بها، ادعُ الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات كلها. والقولان الأولان أظهر.

قال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم.

وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لمن عُرض عليه الهدى فأبَى أن يقبله، فذلك قوله: "واتْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا". قال ابن عباس والسدي: اسم الله الأعظم. قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلاّ أُعطاه. وقال ابن عباس في رواية أخرى: أوتي كتاباً من كتب الله فانسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها.{فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ}، أي: لحقه وأدركه، {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}.