التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٣
ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٤
يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ
١٥
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٦
-الأنفال

معالم التنزيل

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ} خالفوا الله، {وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

{ذٰلِكُمْ}، أي: هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم أيها الكفار ببدر، {فَذُوقُوهُ}، عاجلاً، {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ}، أي: واعلموا وأيقنوا أن للكافرين أجلاً في المعاد، {عَذَابَ ٱلنَّارِ}.

روى عكرمة عن ابن عباس قال: " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: لا يصلح لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لِمَه؟قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك وما وعدك" .

قوله عزّ وجلّ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً}، أي مجتمعين متزاحمين بعضكم إلى بعض، والتزاحف: التداني في القتال: والزحف مصدر ولذلك لم يُجْمع؛ كقولهم: قوم عدل ورضاً. قال الليث: الزحف جماعة يزحفون إلى عدوٍ لهم بمرة، فهم الزحف والجمع الزحوف. {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ}، يقول: فلا تولوهم ظهوركم، أي: تنهزموا فإن المنهزم يولى دُبره.

{وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}، ظهره، {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ}، أي: منعطفاً يري من نفسه الانهزام، وقصده طلب الغِرَّة وهو يريد الكرة، {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ}، أي: منضماً صائراً إلى جماعة من المؤمنين يريد العود إلى القتال. ومعنى الآية: النهي عن الانهزام من الكفار والتولّي عنهم، إلاّ على نية التحرّف للقتال والانضمام إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ويعود إلى القِتال، فمن ولّى ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد؛ كما قال تعالى: {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}، واختلف العلماء في هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري: هذا في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولم يكن لهم فئة يتحيّزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم، ولو انحازُوا لانحازُوا إلى المشركين، فأمّا بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض، فيكون الفارُّ متحيّزاً إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك.

قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله النار لمن فرَّ يوم بدر، فلما كان يوم أُحد بعد ذلك قال: { { إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } } [آل عمران: 155]، ثم كان يوم حُنين بعده فقال: { { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } } [التوبة: 25]، { { ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ } } [التوبة: 27].

وقال عبدالله بن عمر: كنّا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة فانهزمنا، فقلنا: يا رسول الله نحن الفرّارون، قال: "بل أنتم الكرّارون، إنا فئة المسلمين" .

وقال محمد بن سيرين: لما قُتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إليّ كنت له فئة فإنّا فئة كل مسلم.

وقال بعضهم: حكم الآية عام في حقّ كل من ولّى منهزماً.جاء في الحديث: "من الكبائر الفِرَارُ من الزحف" .

وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله عزّ وجلّ: { { ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } } [الأنفال: 66]، فليس لقوم أن يفرّوا من [مثلهم] فنسخت تلك إلاّ في هذه العدة، وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوّهم لا يجوز لهم أن يفرّوا أو يوّلوا ظهورهم إلاّ متحرّفاً لقتالٍ أو متحيّزاً إلى فئة، وإن كانوا أقلّ من ذلك جاز لهم أن يُولّوا ظهورهم وينحازوا عنهم. قال ابن عباس: "مَنْ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، ومن اثنين فقد فرّ".