التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ
٥٩
وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٦٠
-الأنفال

معالم التنزيل

قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ} قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص "يحسبن" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، "سَبَقوا"، أي: فاتُوا، نزلت في الذين انهزموا يوم بدر من المشركين، فمن قرأ بالياء يقول: "لا يحسبن الذين كفروا" أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب. قرأ ابن عامر: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ}، بفتح الألف، أي: لأنهم لا يعجزون، ولا يفوتونني. وقرأ الآخرون بكسر الألف على الابتداء.

قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، الإعداد: اتّخاذ الشيء لوقت الحاجة. {مِّن قُوَّةٍ}، أي: من الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح.

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر أنبأنا عبدالغافر بن محمد، أنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج ثنا هارون بن معروف ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي، ثمامة بن شُفَيٍّ أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ألا إنّ القوّةَ الرمي، ألا إنّ القوّة الرمي، ألا إنّ القوّةَ الرمي" .

وبهذا الإسناد قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله عزّ وجلّ فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه" .

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم ثنا عبدالرحمن بن الغسيل عن حمزة بن أبي أُسيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين صففنا لقريش وصفُّوا لنا: "إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل" .

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا منصور محمد بن محمد بن سمعان، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ثنا حميد بن زنجويه، ثنا عبدالصمد بن عبد الوارث، ثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السَّلمي قال: حاصرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الطائف فسمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنّة" ، قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهماً. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر" .

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن عبدالله بن زيد الأزرق عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الله يُدخل بالسهم الواحد الجنّة ثلاثة: صانعه، والممِدَّ به، والرامي به في سبيل الله" .

وروي عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ اللَّهَ يُدخلُ بالسهم الواحد ثلاثةَ نفرٍ في الجنّة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنْبِلَهْ، وارْمُوا وارْكَبُوا، وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا، كل شيء يلهو به الرجل باطل إلاّ رميَهُ بقوسه وتأديبَهُ فرسَهُ وملاعبتَهُ امرأته فإنهنّ من الحق. ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنّه نعمة تركها، أو قال كفرها" .

قوله: {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ}، يعني: ربطها واقتناؤها للغزو. وقال عكرمة: القوة الحصون من رباط الخيل الإناث. ورُوي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلاّ الإناث لقلّة صهيلها. وعن أبي محيريز قال: كان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند البيات والغارات.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا زكريا عن عامر، ثنا عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمَغْنَم" .

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا علي بن حفص، ثنا ابن المبارك، ثنا طلحة بن أبي سعيد قال: سمعتُ سعيداً المقبري يحدّث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنِ احتبسَ فرساً في سبيلِ الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإنّ شِبَعَهُ، ورَيَّهُ، ورَوْثَهُ، وبوله في ميزانه يوم القيامة" .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، أنبأنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "الخيل ثلاثة: لرجل أجرٌ، ولرجل سِتْرٌ وهي لرجل وِزْرٌ، فأمّا الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيلِ الله، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنَّتْ شَرفاً أو شرفين، كانت آثارُها وأرواثُها حسناتٍ له، ولو أنها مرت بنهر فشربتْ منه، ولم يُرد أن يسقي به كان ذلك له حسنات، فهي لذلك أجر، وأمّا التي هي له سِتْرٌ: فرجلٌ ربطها تغنياً وتعففاً، ولم يَنْسَ حقّ الله في ظُهورها ولا رقابها، فهي لذلك سِتْر، وأمّا التي هي له وِزْرٌ: فرجلٌ ربطها فخراً ورياءً، ونواءً لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر. وسُئلَ رسولُ الله عن الحُمُرِ فقال: ما أُنزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة" : {فمن يعملْ مثقالَ ذَرَّةٍ خيراً يَرَهُ، ومَنْ يَعمل مِثْقال ذَرّةٍ شراً يَرَه}، {تُرْهِبُونَ بِهِ} تُخوِّفُون {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ}، أي: وترهبون آخرين، {مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}، قال مجاهد ومقاتل وقتادة: هم بنو قريظة. وقال السدي: هم أهل فارس. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون، لا تعلمونهم، لأنهم معكم يقولون لا إله إلاّ الله. وقيل: هم كفار الجن.

{وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}، يُوفَّ لكم أجره، {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}، لا تنقص أجوركم.