التفاسير

< >
عرض

وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ
٨٩
وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
٩٠
قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
٩١
قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٩٢
-هود

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{لا يجرمنكم} معناه: لا يكسبنكم، يقال: جرمه كذا وكذا وأجرمه إذا أكسبه، كما يقال: كسب وأكسب بمعنى، ومن ذلك قول الشاعر:

ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

وقرأ الجمهور "يَجرمنكم" بفتح الياء، وقرأ الأعمش وابن وثاب "يُجرمنكم" بضمها، و {شقاقي} معناه: مشاقتي وعداوتي، و {أن} مفعولة بـ {يجرمنكم}.
وكانت قصة قوم لوط أقرب القصص عهداً بقصة قوم شعيب، وقد يحتمل أن يريد وما منازل قوم لوط منكم ببعيد، فكأنه قال: وما قوم لوط منكم ببعيد بالمسافة، ويتضمن هذا القول ضرب المثل لهم بقوم لوط.
وقرأ الجمهور "مثلُ" بالرفع على أنه فاعل {يصبكم} وقرأ مجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق "مثلَ" بالنصب، وذلك على أحد وجهين: إما أن يكون "مثل" فاعلاً، وفتحة اللام فتحة بناء لما أضيف لغير متمكن، فإن "مثل" قد يجري مجرى الظروف في هذا الباب وإن لمن يكن ظرفاً محضاً.
وإما أن يقدر الفاعل محذوفاً يقتضيه المعنى، ويكون "مثلَ" منصوباً على النعت لمصدر محذوف تقديره: إصابة مثل.
وقوله {واستغفروا} الآية، تقدم القول في مثل هذا من ترتيب هذا الاستغفار قبل التوبة. و {ودود} معناه: أن أفعاله ولطفه بعباده لما كانت في غاية الإحسان إليهم كانت كفعل من يتودد ويود المصنوع له.
وقوله تعالى: {قالوا: يا شعيب} الآية، {نفقه} معناه: نفهم وهذا نحو قول قريش
{ قلوبنا في أكنة } [فصلت: 5] ومعنى: "ما نفقه ما تقول" أي ما نفقه صحة قولك، وأما فقههم لفظه ومعناه فمتحصل، وروي عن ابن جبير وشريك القاضي في قولهم: {ضعيفاً} أنه كان ضرير البصر أعمى، وحكى الزهراوي: أن حمير تقول للأعمى: ضعيف، كما يقال له: ضرير، وقيل: كان ناحل البدن زمنه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف ولا تقوم عليه حجة بضعف بصره أو بدنه؛ والظاهر من قولهم: {ضعيفاً} أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا يراعون فيه.
و"الرهط" جماعة الرجل، ومنه الراهطاء لأن اليربوع يعتصم به كما يفعل الرجل برهطه. و {لرجمناك} قيل: معناه بالحجارة - وهو الظاهر وقاله ابن زيد - وقيل معناه: {لرجمناك} بالسب - وبه فسر الطبري. وهذا أيضاً تستعمله العرب. ومنه قوله تعالى:
{ لأرجمنك واهجرني ملياً } [مريم: 46]، وقولهم {بعزيز} أي بذي منعة وعزة ومنزلة في نفوسنا.
وقوله تعالى: {قال يا قوم ارهطي} الآية، "الظهري" الشيء الذي يكون وراء الظهر، وقد يكون الشيء وراء الظهر بوجهين: في الكلام، إما بأن يطرح، كما تقول: جعلت كلامي وراء ظهرك ودبر أذنك ومنه قول الفرزدق:

تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيى عليّ جوابها

وإما بأن يسند إليه ويلجأ. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: "وألجأت ظهري إليك" فقال جمهور المتأولين في معنى هذه الآية أنه: واتخذتم الله ظهرياً أي غير مراعى وراء الظهر على معنى الاطراح - ورجحه الطبري.
قال القاضي أبو محمد: وهو عندي على حذف مضاف ولا بد، وقال بعضهم: الضمير في قوله: {واتخذتموه} عائد على أمر الله وشرعه، إذ يتضمنه الكلام.
وقالت فرقة: المعنى: أترون رهطي أعز عليكم من الله وأنتم تتخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم.
قال القاضي أبو محمد: فقول الجمهور - على أن كان كفر قوم شعيب جحداً بالله تعالى وجهلاً به. وهذا القول الثاني - على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازق ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل ونحو هذا؛ وهاتان الفرقتان موجودتان في الكفرة.
ومن اللفظة الاستظهار بالبيّنة، وقد قال ابن زيد: "الظهري": الفضل، مثل الجمال يخرج معه بإبل ظهارية يعدها إن احتاج إليها وإلا فهي فضلة.
قال القاضي أبو محمد: هذا كله مما يستند إليه.
وقوله {إن ربي بما تعملون محيط} خبر في ضمنه توعد. ومعناه محيط علمه وقدرته.