التفاسير

< >
عرض

قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ
٣٢
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ
٣٣
فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٣٤
-يوسف

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال الطبري: المعنى: فهذا {الذي لمتنني فيه}، أي هذا الذي قطعتن أيديكن بسببه هو الذي جعلتنني ضالة في هواه، والضمير عائد على يوسف في {فيه} ويجوز أن تكون الإشارة إلى حب يوسف، والضمير عائد على الحب، فيكون ذلك إشارة إلى غائب على بابه.
ثم أقرت امرأة العزيز للنسوة بالمراودة واستنامت إليهن في ذلك إذ قد علمت أنهن قد عذرنها، و {استعصم} معناه: طلب العصمة وتمسك بها وعصاني، ثم جعلت تتوعده وهو يسمع بقولها: {ولئن لم يفعل} إلى آخر الآية.
واللام في قوله: {ليسجنن} لام القسم، واللام الأولى هي المؤذنة بمجيء القسم، والنون هي الثقيلة والوقف عليها بشدها، و {ليكوناً} نونه هي النون الخفيفة، والوقف عليه بالألف، وهي مثل قوله:
{ { لنسفعاً } [العلق: 15] ومثلها قول الأعشى: [الطويل]

وصلّ على حين العشيات والضحى ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا

أراد فاعبدن.
وقرأت فرقة "وليكونن" بالنون الشديدة. و {الصاغرين} الأذلاء الذين لحقهم الصغار.
وقوله تعالى: {قال ربي السجن أحب إليّ}، وروي أنه لما توعدته امرأة العزيز قال له النسوة: أطع مولاتك، وافعل ما أمرتك به؛ فلذلك قال: {مما يدعونني إليه} قال نحوه الحسن ووزن "يدعون" في هذه الآية: يفعلن، بخلاف قولك: الرجال يدعون.
وقرأ الجمهور "السِّجن" بكسر السين، وهو الاسم، وقرأ الزهري وابن هرمز ويعقوب وابن أبي إسحاق "السَّجن" بفتح السين وهي قراءة عثمان رضي الله عنه وطارق مولاه، وهو المصدر، وهو كقولك: الجزع والجزع.
وقوله: {وإلا تصرف} إلى آخر الآية، استسلام لله تعالى ورغبة إليه وتوكل عليه؛ المعنى: وإن لم تنجني أنت هلكت، هذا مقتضى قرينة كلامه وحاله، والضمير في {إليه} عائد على الفاحشة المعنية بما في قوله {مما}. و {أصب} مأخوذة من الصبوة، وهي أفعال الصبا، ومن ذلك قول الشاعر - أنشده الطبري - [الهزج]

إلى هند صبا قلبي وهند مثلها يصبي

ومن ذلك قول دريد بن الصمة: [الطويل]

صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه فلما علاه قال للباطل ابعدِ

و {الجاهلين} هم الذين لا يراعون حدود الله تعالى ونواهيه.
وقوله: {فاستجاب له ربه} الآية، قول يوسف عليه السلام: {رب السجن} إلى قوله: {من الجاهلين} كلام يتضمن التشكي إلى الله عز وجل من حاله معهن، والدعاء إليه في كشف بلواه. فلذلك قال - بعد مقالة يوسف - {فاستجاب له ربه} أي أجابه إلى إرادته وصرف عنه كيدهن في أن حال بينه وبين المعصية، وقوله: {السميع العليم} صفتان لائقتان بقوله: {فاستجاب}.