التفاسير

< >
عرض

ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
٩٣
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ
٩٤
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ
٩٥
-يوسف

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

حكمه بعد الأمر إلقاء القميص على وجه أبيه بأن أباه يأتي بصيراً ويزول عماه دليل على أن هذا كله بوحي وإعلام من الله. قال النقاش: وروي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله إياه حين خرج من النار وكان من ثياب الجنة. وكان بعد لإسحاق ثم ليعقوب ثم كان دفعه ليوسف فكان عنده في حفاظ من قصب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين الغرابة في أن وجد ريحه من بعد، ولو كان من قمص الجنة لما كان في ذلك غرابة ولوجده كل أحد.
وأما "أهلهم" فروي: أنهم كانوا ثمانين نسمة، وقيل ستة وسبعين نفساً بين رجال ونساء - وفي هذا العدد دخلوا مصر ثم خرج منها أعقابهم مع موسى في ستمائة ألف. وذكر الطبري عن السدي أنه لما كشف أمره لإخوته سألهم عن أبيهم: ما حاله؟ فقالوا: ذهب بصره من البكاء. فحينئذ قال لهم: {اذهبوا بقميصي} الآية.
وقوله تعالى: {ولما فصلت العير} الآية، معناه: فصلت العير من مصر متوجهة إلى موضع يعقوب، حسبما اختلف فيه، فقيل: كان على مقربة من بيت المقدس،وقيل كان بالجزيرة والأول أصح لأن آثارهم وقبورهم حتى الآن هناك.
وروي أن يعقوب وجد {ريح يوسف} وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام، قاله ابن عباس، وقال: هاجت ريح فحملت عرفه؛ وروي: أنه كان بينهما ثمانون فرسخاً - قاله الحسن - وابن جريج قال: وقد كان فارقه قبل ذلك سبعاً وسبعين سنة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قريب من الأول.
وروي: أنه كان بينهما مسيرة ثلاثين يوماً، قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي عن أبي أيوب الهوزني: أن الريح استأذنت في أن توصل عرف يوسف إلى يعقوب، فأذن لها في ذلك. وكانت مخاطبة يعقوب هذه لحاضريه، فروي: أنهم كانوا حفدته، وقيل: كانوا بعض بنيه، وقيل: كانوا قرابته.
و {تفندون} معناه: تردون رأيي وتدفعون في صدري، وهذا هو التفنيد في اللغة، ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط]

يا عاذليّ دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من أمري بمردود

ويقال: أفند الدهر فلاناً: إذا أفسده.
قال ابن مقبل: [الطويل]

دع الدهر يفعل ما أراد فإنه إذا كلف الإفناد بالناس أفندا

ومما يعطي أن الفند الفساد في الجملة قول النابغة: [البسيط]

إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند

وقال منذر بن سعيد: يقال: شيخ مفند: أي قد فسد رأيه، ولا يقال: عجوز.
قال القاضي أبو محمد: والتفنيد يقع إما لجهل المفند، وإما لهوى غلبه، وإما لكذبه، وإما لضعفه وعجزه لذهاب عقله وهرمه، فلهذا فسّر الناس التفنيد في هذه الآية بهذه المعاني ومنه قوله عليه السلام أو هرماً مفنداً. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه تسفهون، وقال ابن عباس - أيضاً - تجهلون، وقال ابن جبير وعطاء: معناه: تكذبون، وقال ابن إسحاق: معناه: تضعفون، وقال ابن زيد ومجاهد: معناه: تقولون: ذهب عقلك، وقال الحسن: معناه: تهرمون.
والذي يشبه أن تفنيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف. قال الطبري: أصل التفنيد الإفساد.
وقولهم: {لفي ضلالك} يريدون في انتكافك وتحيرك، وليس هو بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد، لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به، وقد تأول بعض الناس على ذلك، ولهذا قال قتادةرحمه الله : قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله عليه السلام، وقال ابن عباس: المعنى: لفي خطئك.
قال القاضي أبو محمد: وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين، فلذلك يقال له: ذو الحزنين.