التفاسير

< >
عرض

وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٢
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ
٢٣
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٤
-الرعد

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

"الصبر لوجه الله" يدخل في الرزايا والأسقام والعبادات وعن الشهوات ونحو ذلك.
و {ابتغاء} نصب على المصدر أو على المفعول لأجله، و"الوجه" في هذه الآية ظاهره الجهة التي تقصد عنده تعالى بالحسنات لتقع عليها المثوبة، وهذا كما تقول: خرج الجيش لوجه كذا، وهذا أظهر ما فيه مع احتمال غيره و"إقامة الصلاة" هي الإتيان بها على كمالها، و {الصلاة} هنا هي المفروضة وقوله: {وأنفقوا} يريد به مواساة المحتاج، و"السر" هو فيما أنفق تطوعاً، و"العلانية" فيما أنفق من الزكاة المفروضة، لأن التطوع كله الأفضل فيه التكتم.
وقوله: {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي ويدفعون من رأوا منه مكروهاً بالتي هي أحسن، وقيل: يدفعون بقوله: لا إله إلا الله، شركهم وقيل: يدفعون بالسلام غوائل الناس.
قال القاضي أبو محمد: وبالجملة فإنهم لا يكافئون الشر بالشر، وهذا بخلاف خلق الجاهلية، وروي أن هذه الآية نزلت في الأنصار ثم هي عامة بعد ذلك في كل من اتصف بهذه الصفات.
وقوله: {عقبى الدار} يحتمل أن يكون {عقبى} دار الدنيا، ثم فسر العقبى بقوله: {جنات عدن} إذ العقبى تعم حالة الخير وحالة الشر، ويحتمل أن يريد {عقبى} دار الآخرة لدار الدنيا، أي العقبى الحسنة في الدار الآخرة هي لهم.
وقرأ الجمهور: "جنات عدن" وقرأ النخعي: "جنة عدن يُدخَلونها" بضم الياء وفتح الخاء. و {جنات} بدل من {عقبى} وتفسير لها. و {عدن} هي مدينة الجنة ووسطها، ومنها جنات الإقامة. من عدن في المكان إذا أقام فيه طويلاً ومنه المعادن، و {جنات عدن} يقال: هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط - قاله عبد الله بن عمرو بن العاصي - ويروى: أن لها خمسة آلاف باب.
وقوله: {ومن صلح} أي من عمل صالحاً وآمن - قاله مجاهد وغيره - ويحتمل: أي من صلح لذلك بقدر الله تعالى وسابق علمه.
وحكى الطبري في صفة دخول الملائكة أحاديث لم نطول بها لضعف أسانيدها. والمعنى: يقولون: سلام عليكم، فحذف - يقولون - تخفيفاً وإيجازاً، لدلالة ظاهر الكلام عليه، والمعنى: هذا بما صبرتم، والقول في {عقبى الدار} على ما تقدم من المعنيين.
وقرأ الجمهور "فنِعْم" بكسر النون وسكون العين، وقرأ يحيى بن وثاب "فنَعِم" بفتح النون وكسر العين.
وقالت فرقة: معنى {عقبى الدار} أي أن أعقبوا الجنة من جهنم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل مبني على حديث ورد، وهو: أن كل رجل في الجنة فقد كان له مقعد معروف في النار، فصرفه الله عنه إلى النعيم، فيعرض عليه ويقال له: هذا كان مقعدك فبدلك الله منه الجنة بإيمانك وطاعتك وصبرك.