التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ
٢٥
ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ
٢٦
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
٢٧
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ
٢٨
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
٢٩
-الرعد

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذه صفة حالة مضادة للمتقدمة. وقال ابن جريج في قوله {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} إنه روي: إذا لم تمش إلى قريبك برجلك ولم تواسه بمالك فقد قطعته. وقال مصعب بن سعد: سألت أبي عن قوله تعالى: { هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا } } [الكهف: 103-104] هم الحرورية؟ قال: لا ولكن الحرورية: {هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض} وأولئك هم الفاسقون، فكان سعد بن أبي وقاص يجعل فيهم الآيتين.
و"اللعنة": الإبعاد من رحمة الله ومن الخير جملة. و {سوء الدار} ضد
{ عقبى الدار } } [الرعد: 23] والأظهر في {الدار} هنا أنها دار الآخرة، ويحتمل أنها الدنيا على ضعف.
وقوله: {الله يبسط الرزق لمن يشاء} الآية، لما أخبر عمن تقدمت صفته بأن {لهم اللعنة ولهم سوء الدار} أنحى بعد ذلك على أغنيائهم، وحقر شأنهم وشأن أموالهم، المعنى: أن هذا كله بمشيئة الله، يهب الكافر المال ليهلكه به، ويقدر على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره.
وقوله: {ويقدر} أي من التقدير، فهو مناقض يبسط. ثم استجهلهم في قوله: {وفرحوا بالحياة الدنيا} وهي بالإضافة إلى الآخرة متاع ذاهب مضمحل يستمتع به قليلاً ثم يفنى. و"المتاع": ما يتمتع به مما لا يبقى وقال الشاعر: [الوافر]

تمتَّعْ يا مشعث إن شيئاً سبقت به الممات هو المتاع

وقوله تعالى: {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية} الآية، هذا رد على مقترحي الآيات من كفار قريش، كسقوط السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك من قولهم: سيَّر عنا الأخشبين واجعل لنا البطاح محارث ومغترساً كالأردن، وأحي لنا قصيّاً وأسلافنا، فلما لم يكن ذلك - بحسب أن آيات الاقتراح لم تجر عادة الأنبياء بالإتيان بها إلا إذا أراد الله تعذيب قوم - قالوا هذه المقالة، فرد الله عليهم {قل...} أي أن نزول الآية لا تكون معه ضرورة إيمانكم ولا هداكم، وإنما الأمر بيد الله {يضل من يشاء ويهدي} إلى طاعته والإيمان به {من أناب} إلى الطاعة وآمن بالآيات الدالة.
ويحتمل أن يعود الضمير في {إليه} على القرآن الكريم، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام. و {الذين} بدل من {من} في قوله: {من أناب} و"طمأنينة القلوب" هي الاستكانة والسرور بذكر الله. والسكون به كمالاً به. ورضى بالثواب عليه وجودة اليقين.
ثم استفتح عز وجل الإخبار بأن طمأنينة القلوب بذكر الله تعالى.. وفي هذا الإخبار حض وترغيب في الإيمان، والمعنى: أن بهذا تقع الطمأنينة لا بالآيات المقترحة، بل ربما كفر بعدها، فنزل العذاب كما سلف في بعض الأمم.
و {الذين} الثاني ابتداء وخبره: {طوبى لهم} ويصح أن يكون {الذين} بدلاً من الأول. و {طوبى} ابتداء و {لهم} خبره. و {طوبى} اسم، يدل على ذلك كونه ابتداء. وهي فعلى من الطيب في قول بعضهم، وذهب سيبويه بها مذهب الدعاء وقال: هي في موضع رفع، ويدل على ذلك رفع {وحسن}. وقال ثعلب: {طوبى} مصدر. وقرىء "وحسنَ" بالنصب فـ {طوبى} على هذا مصدر كما قالوا: سقياً لك، ونظيره من المصادر الرجعى والعقبى. قال ابن سيده: والطوبى جمع طيبة عن كراع. ونظيره كوسى في جمع كيسة وضوفى في جمع ضيفة.
قال القاضي أبو محمد: والذي قرأ: "وحسنَ" بالنصب هو يحيى بن يعمر وابن أبي عبلة واختلف في معنى {طوبى} فقيل: خير لهم، وقال عكرمة: معناه نعم ما لهم، وقال الضحاك: معناه: غبطة لهم. وقال ابن عباس: {طوبى}: اسم الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مسجوع: اسم الجنة {طوبى} بالهندية، وقيل {طوبى}: اسم شجرة في الجنة - وبهذا تواترت الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"طوبى شجرة في الجنة، يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم" : { { وظل ممدود } [الواقعة: 30] وحكى الطبري عن أبي هريرة وعن مغيث بن سميّ وعتبة بن عبد يرفعه أخباراً مقتضاها: أن هذه الشجرة ليس دار في الجنة إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر بثياب أهل الجنة، وأنه يخرج منها الخيل بسروجها ولجمها ونحو هذا مما لم يثبت سنده.
و"المآب": المرجع من آب يؤوب. ويقال في {طوبى} طيبى.