التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ
٣٤
مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ
٣٥
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٣٦
-مريم

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى {ذلك} الذي منه قصة {عيسى بن مريم} وإنما قدرنا في الكلام قل يا محمد لأنه يجيء في الآية بعد، "وأن الله ربي وربكم" هذه مقالة بشر وليس يقتضي ظاهر الآية قائلاً من البشر سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد يتحمل أن يكون قوله {ذلك عيسى} الى قوله {فيكون} إخباراً لمحمد إعتراضاً أثناء كلام عيسى، ويكون قوله "وأن" بفتح الألف عطفاً على قوله { الكتاب } [مريم: 30]. وقد قال وهب بن منبه: عهد عيسى إليهم "أن ربي وربكم"، ومن كسر الألف عطف على قوله { إني عبد الله } [مريم: 30] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعامة الناس "قولُ الحق" برفع القول على معنى هذا قول الحق. وقرأ عاصم وابن عامر وابن أبي إسحاق "قولَ الحق" بنصب القول على المصدر. قال أبو عبدالرحمن المقري: كان يجالسني ضرير ثقة فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقرأ "قولَ الحق" نصباً، قال أبو عبدالرحمن: وكنت أقرأ بالرفع فجنبت فصرت أقرأ بهما جميعاً. وقرأ عبد الله بن مسعود "قال الله" بمعنى كلمة الله، وقرأ عيسى "قال الحق" وقرأ نافع والجمهور "يمترون" بالياء على الكناية عنهم، وقرأ نافع أيضاً وأبو عبد الرحمن وداود بن أبي هند "تمترون" بالتاء على الخطاب لهم، والمعنى تختلفون أيها اليهود والنصارى فيقول بعضهم هو لزنية ونحو هذا وهم اليهود، ويقول بعضهم هو الله تعالى فهذا هو امتراؤهم، وسيأتي شرح ذلك من بعد هذا. وقوله {ما كان لله أن يتخذ} معناه النفي وهذا هو معنى هذه الألفاظ حيث وقعت ثم يضاف الى ذلك بحسب حال المذكور فيها إما نهي وزجر كقوله تعالى: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا } [التوبة: 120] وإما تعجيز كقوله تعالى { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } } [النمل: 60]، وإما تنزيه كهذه الآية. و {من ولد}، دخلت {من} مؤكدة للجحد لنفي الواحد فما فوقه مما يحتله نظير هذه العبارة إذا لم تدخل {من}، وقوله، {قضى أمراً}، أي واحداً من الأمور وليس بمصدر أمر يأمر، فمعنى {قضى} أوجد أو أخرج من العدم، وهذه التصاريف في هذه الأفعال من مضي واستقبال هي بحسب تجوز العرب واتساعها، وقد تقدم القول في {كن فيكون}. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع "وأن الله" بفتح الألف وذلك عطف على قوله هذا {قول الحق}، "وإن الله ربي"، كذلك وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي "وإن" بكسر الألف وذلك بين على الاستئناف وقرأ أبي بن كعب "إن الله" بكسر الألف دون واو. وقوله {فاعبدوه} وقف ثم ابتداء {هذا صراط} أي ما أعلمتكم به عن الله تعالى من وحدانيته ونفي الولد عنه وغير ذلك مما يتنزه عنه طريق واضح مفض إلى النجاة ورحمته.