التفاسير

< >
عرض

إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٦١
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ
١٦٢
وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ
١٦٣
إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٦٤
-البقرة

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قوله تعالى: {إن الذين كفروا} الآية، محكمة في الذين وافوا على كفرهم، واختلف في معنى قوله {والناس أجمعين} وهم لا يلعنون أنفسهم، فقال قتادة والربيع: المراد {بالناس} المؤمنون خاصة، وقال أبو العالية: معنى ذلك في الآخرة، وذلك أن الكفرة يلعنون أنفسهم يوم القيامة، وقالت فرقة: معنى ذلك أن الكفرة يقولون في الدنيا: لعن الله الكافرين، فيلعنون أنفسهم من حيث لا يشعرون، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "والملائكة والناس أجمعون" بالرفع على تقدير أولئك يلعنهم الله، واللعنة في هذه الآية تقتضي العذاب، فلذلك قال {خالدين فيها}، والضمير عائد على اللعنة، وقيل على النار وإن كان لم يجر لها ذكر، لثبوتها في المعنى.
ثم أعلم تعالى برفع وجوه الرفق عنهم لأن العذاب إذا لم يخفف ولم يؤخر فهو النهاية، و {ينظرون} معناه يؤخرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النظر، نحو قوله تعالى
{ ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، والأول أظهر، لأن النظر بالعين إنما يعدى بإلى إلا شاذاً في الشعر.
وقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو} الآية، إعلام بالوحدانية، و {واحد} في صفة الله تعالى معناه نفي المثيل والنظير والند، وقال أبو المعالي: هو نفي التبعيض والانقسام، وقال عطاء: لما نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفار قريش بمكة: ما الدليل على هذا؟ وما آيته وعلامته؟ وقال سعيد بن المسيب: قالوا: إن كان هذا يا محمد فائتنا بآية من عنده تكون علامة الصدق، حتى قالوا: اجعل لنا الصفا ذهباً، فقيل لهم: ذلك لكم، ولكن إن كفرتم بعد ذلك عذبتم، فأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: دعني أدعهم يوماً بيوم، فنزل عند ذلك قوله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض}، الآية، ومعنى {في خلق السموات} في اختراعها وإنشائها، وقيل: المعنى أن في خلقه أي هيئة السموات والأرض، و {اختلاف الليل والنهار} معناه أن هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا فهما خلفة، كما قال تعالى:
{ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } [الفرقان: 62]، وكما قال زهير: [الطويل]

بها العِينُ والأَرْآمُ يمسين خِلْفَةً وأَطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ

وقال الآخر: [المديد]

وَلَهَا بالماطرونِ إذَا أكلَ النَّمْلُ الذي جمعا
خِلْفةٌ حتَّى إذا ارتَبَعَتْ سَكَنَتْ من جِلِّقِ بِيَعا

ويحتمل أيضاً الاختلاف في هذه الآية أن يراد به اختلاف الأوصاف، و {الليل} جمع ليلة وتجمع ليالي، وزيدت فيها الياء كما زيدت في كراهية وفراهية، و {النهار} يجمع نهراً وأنهرة، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم "إنما هو بياض النهار وسواد الليل" ، وهذا هو مقتضى الفقه في الإيمان ونحوها، فأما على ظاهر اللغة وأخذه من السعة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار كما قال: [الطويل]

ملكتُ بها كفي فأَنْهرْت فتْقَها يَرى قائمٌ من دونِها ما وراءَها

وقال الزجاج في كتاب الأنواء: أول النهار ذرور الشمس قال: وزعم النضر بن شميل أن أول النهار ابتداء طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم، و {الفلك} السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، وليست الحركات تلك بأعيانها، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم فلكان، والفلك المفرد مذكر، قال الله تعالى:
{ في الفلك المشحون } [الشعراء: 119].
و "ما ينفع الناس" هي التجارات وسائر المآرب التي يركب لها البحر من غزو وحج، والنعمة بالفلك هي إذا انتفع بها، فلذلك خص ذكر الانتفاع إذ قد تجري بما يضر، و {ما أنزل الله من السماء من ماء} يعني به الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، و {بث} معناه فرق وبسط، و {دابة} تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير من الدواب، وهذا مردود، وقال الأعشى: [الطويل]:

دَبِيبَ قَطَا الْبَطْحَاءِ في كلِّ مَنْهَلِ

وقال علقمة بن عبدة: [الطويل]

صَواعِقُهَا لطيرِهِنَّ دَبِيبُ

و {تصريف الرياح} إرسالها عقيماً ومقحة وصراً ونصراً وهلاكاً، ومنه إرسالها جنوباً وشمالاً وغير ذلك، و {الرياح} جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله تعالى { وجرين بهم بريح طيبة } [يونس: 22]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح يقول: اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وذلك لأن ريح العذاب شديد ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح وهو معنى "نشراً"، وأفردت مع الفلك لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواو، يقال ريح وأرواح، ولايقال أرياح، وإنما قيل رياح من جهة الكسرة وطلب تناسب الياء معها، وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره ولحن في ذلك، وقال له أبو حاتم: إن الأرياح لا تجوز، فقال: أما تسمع قولهم رياح؟، فقال أبو حاتم: هذا خلاف ذلك، فقال: صدقت ورجع، وأما القراء السبعة فاختلفوا فقرأ نافع {الرياح} في اثني عشر موضعاً: هنا وفي الأعراف { يرسل الرياح } [الآية: 57]، وفي إبراهيم { اشتدت به الرياح } [الآية: 8] وفي الحجر { { الرياح لواقح } [الآية: 22]، وفي الكهف { تذروه الرياح } [الآية:45]، وفي الفرقان { أرسل الرياح } } [الآية: 22]، وفي النمل { ومن يرسل الرياح } [الآية: 63]، وفي الروم [الآيتان: 46، 48] في موضعين، وفي فاطر [الآية: 9] وفي الجاثية [الآية: 5] وفي حم عسق { يسكن الرياح } [الآية: 33]، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر موضعين من هذه بالإفراد: في إبراهيم وفي حم عسق، وقرؤوا سائرها كقراءة نافع، وقرأ ابن كثير بالجمع في خمسة مواضع: هنا وفي الحجر وفي الكهف وفي الروم الحرف الأول وفي الجاثية {وتصريف الرياح} وباقي ما في القرآن بالإفراد، وقرأ حمزة بالجمع في موضعين: في الفرقان وفي الروم الحرف الأول وأفرد سائر ما في القرآن، وقرأ الكسائي كحمزة وزاد عليه في الحجر { الرياح لواقح } [الآية: 22]، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس في ألف ولام، و {السحاب} جمع سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما قالوا حباً لأنه يحبو، قاله أبو علي الفارسي، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر، فهذه آيات أن الصانع موجود. والدليل العقلي يقوم أن الصانع للعالم لا يمكن أن يكون إلا واحداً لجواز اختلاف الاثنين فصاعدا.