التفاسير

< >
عرض

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ
١٣٧
هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
١٣٨
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
١٣٩
-آل عمران

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الخطاب بقوله تعالى: {قد خلت} للمؤمنين والمعنى: لا يذهب بكم إن ظهر الكفار المكذبون عليكم بأحد "فإن العاقبة للمتقين" وقديماً أدال الله المكذبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيف هلك المكذبون بعد ذلك، فكذلك تكون عاقبة هؤلاء، وقال النقاش: الخطاب بـــ {قد خلت} للكفار.
قال الفقيه القاضي أبو محمد: وذلك قلق، و {خلت} معناه: مضت وسلفت، قال الزجّاج: التقدير أهل سنن، و"السنن": الطرائق من السير والشرائع والملك والفتن ونحو ذلك، وسنة الإنسان: الشيء الذي يعمله ويواليه، ومن ذلك قول خلد الهذلي، لأبي ذؤيب:

فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّة أَنْتَ سِرْتَها فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُها

وقال سليمان بن قتة:

وإنَّ الأُلى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ تأسَّوْا فسَنُّوا للكرام التأسِّيَا

وقال لبيد:

مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإِمَامُهَا

وقال ابن زيد: {قد خلت من قبلكم سنن} معناه: أمثال.
قال الفقيه الإمام: هذا تفسير لا يخص اللفظة، وقال تعالى: {فسيروا} وهذا الأمر قد يدرك بالإخبار دون السير لأن الإخبار إنما يكون ممن سار وعاين، إذ هو مما يدرك بحاسة البصر وعن ذلك ينتقل خبره، فأحالهم الله تعالى على الوجه الأكمل، وقوله: {فانظروا}، هو عند الجمهور من نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.
وقوله تعالى: {هذا بيان للناس} قال الحسن: الإشارة إلى القرآن، وقال قتادة في تفسير الآية: هو هذا القرآن جعله الله بياناً للناس عامة وهدى وموعظة للمتقين خاصة، وقال بمثله ابن جريج والربيع.
قال القاضي: كونه بياناً للناس ظاهر، وهو في ذاته أيضاً هدى منصوب وموعظة، لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن، وتحسن إضافته إلى "المتقين" الذين فيهم نفع وإياهم هدى، وقال ابن إسحاق والطبري وجماعة: الإشارة بـــ {هذا} إلى قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} الآية، قال ابن إسحاق: المعنى هذا تفسير للناس إن قبلوه، قال الشعبي: المعنى، هذا بيان للناس من العمى.
ثم نهى عز وجل المؤمنين عن الوهن لما أصابهم بأحد، والحزن على من فقد، وعلى مذمة الهزيمة، وآنسهم بأنهم {الأعلون} أصحاب العاقبة، والوهن: الضعف، واللين والبلى، ومنه:
{ وهن العظم مني } } [مريم: 4] ومنه قول زهير: [البسيط]

فَأَصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْها واهِناً خلقَا

ومن كرم الخلق ألا يهن الإنسان في حربه وخصامه، ولا يلين إذا كان محقاً، وأن يتقصى جميع قدرته ولا يضرع ولو مات، وإنما يحسن اللين في السلم والرضى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن هين لين، والمؤمنون هينون لينون" ومنه قول الشاعر: [المنخل الهذلي]: [المتقارب].

لَعَمْرُكَ مَا إنْ أَبُو مالِكِ بِوَاهٍ ولا بِضَعِيفٍ قُواه
إذا سُدْتَه سُدْتَه مِطْواعَةً وَمَهْما وَكلْتَ إلَيْهِ كَفَاه

وفي هذا الأسلوب الذي ذكرته يجري قول النابغة: ولا تقعد على ضمد

إلاّ لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ

وفيه يجري قول العرب: إذا لم تغلب اخلب، على من تأوله من المخلب، أي حارب ولو بالأظافر، وهذا هو فعل عبد الله بن طارق وهو من أصحاب عاصم بن عدي حين نزع يده من القرآن وقاتل حتى قتل، وفعل المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح في يوم بئر معونة، ومن رآه من معنى الخلب والخلابة الذي هو الخديعة والمكر، فهو رأي دهاة العرب، وليس برأي جمهورها، ومنه فعل عمرو بن سعيد الأشدق مع عبد الملك بن مروان عند قتله إياه، والأمثلة في ذلك كثيرة، وأيضاً فليس المكر والخديعة بذل محض، ولذلك رآه بعضهم، وأما قولهم إذا عز أخوك فهن، فالرواية الصحيحة المعنى فيه بكسر الهاء بمعنى: لن واضعف ضعف المطواع، وأما الرواية بضم الهاء فهي أمر بالهوان، وما أعرف ذلك في شيء من مقاطع العرب، وأما الشرع فقد قال النبي عليه السلام: لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، ورأيت لعاصم أن المثل على ضم الهاء إنما هو من الهون الذي هو الرفق، وليس من الهوان، قال منذر بن سعيد: يجب بهذه الآية أن لا يوادع العدو ما كانت للمسلمين قوة، فإن كانوا في قطر ما على غير ذلك فينظر الإمام لهم بالأصلح، وقوله تعالى: {وأنتم الأعلوْن} إخبار بعلو كلمة الإسلام.
هذا قول الجمهور وظاهر اللفظ، وقاله ابن إسحاق: وروي عن ابن عباس وابن جريج: إنما قال الله لهم ذلك بسبب علوهم في الجبل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انحاز في نفر يسير من أصحابه إلى الجبل، فبينما هو كذلك إذ علا خالد بن الوليد عليهم الجبل فقال رسول الله عليه السلام: اللهم لا يعلوننا، ثم قام وقام من معه فقاتل أصحابه وقاتل حينئذ عمر بن الخطاب حتى أزالوا المشركين عن رأس الجبل، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيه، فأنزل الله تعالى عليه، {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} وقوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} يحتمل أن يتعلق الشرط بقوله {ولا تهنوا ولا تحزنوا} فيكون المقصد هز النفوس وإقامتها، ويحتمل أن يتعلق بقوله {وأنتم الأعلون} فيكون الشرط على بابه دون تجوز، ويترتب من ذلك الطعن على من نجم نفاقه في ذلك اليوم، وعلى من تأود إيمانه واضطرب يقينه، ألا لا يتحصل الوعد إلا بالإيمان، فالزموه.
ثم قال تعالى، تسلية للمؤمنين: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} والأسوة مسلاة للبشر، ومنه قول الخنساء: [الوافر]

ولَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلي عَلَى إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخي ولكنْ أعزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتأَسِّي

والسلو بالتأسي هو النفع الذي يجره إلى نفسه الشاهد المحدود، فلذلك ردت شهادته فيما حد فيه وإن تاب وحسنت حاله، و"القرح": القتل والجراح، قاله مجاهد والحسن والربيع وقتادة وغيرهم، والمعنى: إن مسكم في أحد فقد مس كفار قريش ببدر بأيديكم، وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص: "قَرْح" بفتح القاف، وقرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: "قُرْح" بضم القاف، وكلهم سكن الراء، قال أبو علي: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف والكَره والكُره، والفتح أولى لأنها لغة أهل الحجاز والأخذ بها أوجب لأن القرآن عليها نزل.
قال القاضي أبو محمد: هذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه السلام: وبجميعها عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه الأمة، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا يقال: هذه أولى من جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءة فبوجه غير وجه النزول، قال أبو الحسن الأخفش: "القَرح" و"القُرح" مصدران بمعنى واحد، ومن قال القَرح بالفتح الجراحات بأعيانها، والقُرح بضم القاف ألم الجراحات قبل منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يعلم بقياس، وقال بهذا التفسير الطبري، وقرأ الأعمش "إن تمسسكم": بالتاء من فوق، "قروح" بالجمع، "فقد مس القوم قرح مثله"، وقرأ محمد بن السميفع اليماني "قَرَح" بفتح القاف والراء، قال أبو الفتح: هي لغة في القرح كالشل والشلل والطرد والطرد. هذا مذهب البصريين، وليس هذا عندهم من تأثير حرف الحلق، وأنا أميل في هذا إلى قول أصحابنا البغداديين، في أن لحرف الحلق في مثل هذا أثراً معتمداً، وقد سمعت بعض بني عقيل يقول: نحوه بفتح الحاء، يريد نحوه، ولو كانت الكلمة مبنية على فتح الحاء لأعلت الواو وكعصاة وفتاة، وسمعت غيره يقول: أنا محموم بفتح الحاء قال ابن جني: ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق، والحمد الله.