التفاسير

< >
عرض

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٨
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
٧٩
وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ
٨٠
وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٨١
فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ
٨٢
أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
٨٣
-آل عمران

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

الضمير في {منهم}، عائد على أهل الكتاب، و"الفريق"، الجماعة من الناس هي مأخوذة من فرق، إذا فصل وأبان شيئاً عن شيء، و {يلوون} معناه: يحرفون ويتحيلون بتبديل المعاني من جهة اشتباه الألفاظ واشتراكها وتشعب التأويلات فيها، ومثال ذلك قولهم: راعنا واسمع غير مسمع ونحو ذلك وليس التبديل المحض بليٍّ، وحقيق الليّ في الثياب والحبال ونحوها، فتلها وإراغتها، ومنه ليّ العنق ثم استعمل ذلك في الحجج والخصومات والمجادلات تشبيهاً بتلك الإراغة التي في الأجرام فمنه قولهم، خصم ألوى ومنه قول الشاعر: [الطويل]

فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَذًى مِنْ خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الْخُصُومِ الملاويا

وقال الآخر: [الرجز]

ألْفَيْتَني ألوي بعيداً مستمر

وقرأ جمهور الناس، "يلوون"، مضارع لوى، على وزن فعل بتخفيف العين وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، "يلوّون" بتشديد الواو وفتح اللام، من لوّى، على وزن فعّل بتشديد العين، وهو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، وقرأ حميد "يلُوْن" بضم اللام وسكون الواو، وهي في الأصل "يلون" مثل قراءة الجماعة، فهمزت الواو المضمومة لأنها عرفها في بعض اللغات، فجاء "يلوون" فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام فجاء "يلون" و {الكتاب} في هذا الموضع التوراة، وضمير الفاعل في قوله {لتحسبوه} هو للمسلمين قوله {وما هو من عند الله} نفي أن يكون منزلاً كما ادعوا، وهو من عند الله بالخلق والاختراع والإيجاد ومنهم بالتكسب ولم تعن الآية إلا لمعنى التنزيل فبطل تعلق القدرية بظاهر قوله، وما هو من عند الله، وقد تقدم نظير قوله تعالى {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} .
وقوله تعالى: {ما كان لبشر} معناه لأحد من الناس، والبشر اسم جنس يقع للكثير والواحد ولا مفرد له من لفظه، وهذا الكلام لفظه النفي التام كقول أبي بكر رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يعلم مبلغها من النفي بقرينة الكلام الذي هي فيه، كقوله تعالى:
{ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } } [آل عمران: 145] وقوله تعالى: { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } [النحل: 60] فهذا منتف عقلاً، وأما آيتنا هذه فإن النفي على الكمال لأنّا نقطع أن الله تعالى لا يؤتي النبوة للكذبة والمدعين، و {الكتاب} في هذه الآية اسم جنس، و {الحكم} بمعنى الحكمة، ومنه قول النبي عليه السلام: "إن من الشعر لحكماً" ، و {ثم} في قوله تعالى: {ثم يقول} معطية تعظيم الذنب في القول، بعد مهلة من هذا الإنعام، وقوله {عباداً} هو جمع عبد، ومن جموعه عبيد وعبدى، قال بعض اللغويين، وهذه الجموع بمعنى، وقال قوم، العباد لله، العبيد والعبدى للبشر، وقال قوم: العبدى، إنما تقال في العبيد بني العبيد، وكأنه بناء مبالغة، تقتضي الإغراق في العبودية.
قال القاضي أبو محمد: والذي استقريت في لفظة العباد، أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن وانظر قوله تعالى:
{ والله رؤوف بالعباد } [البقرة: 207] [آل عمران: 30] و { { عباد مكرمون } } [الأنبياء: 26] { { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } [الزمر:53] وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض لرحمة الله { إن تعذبهم فإنهم عبادك } [المائدة: 118] فنوه بهم، وقال بعض اللغويين: إن نصارى الحيرة وهم عرب لما أطاعوا كسرى ودخلوا تحت أمره سمتهم العرب العباد فلم ينته بهم إلى اسم العبيد، وقال قوم بل هم قوم من العرب من قبائل شتى اجتمعوا وتنصروا وسموا أنفسهم العباد كأنه انتساب إلى عبادة الله، وأما العبيد فيستعمل في تحقير، ومنه قول امرىء القيس: [السريع].

قُولا لِدُوَدان عبيدِ العَصَى مَا غَرَّكُمْ بالأَسَد الباسلِ

ومنه قول حمزة بن عبد المطلب: وهل أنتم إلا عبيد ومنه قول الله تعالى: { وما ربك بظلاّم للعبيد } } [فصلت: 46] لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم، وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك، ولما كانت لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أنس بها في قوله تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } } [الزمر: 53].
قال الإمام أبو محمد: فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية السليمة، ومعنى قوله: {كونوا عباداً لي من دون الله} اعبدوني واجعلوني إلهاً.
واختلف المفسرون إلى من هي الإشارة بقوله تعالى: {ما كان لبشر} فقال النقاش وغيره: الإشارة إلى عيسى عليه السلام، والآية رادة على النصارى الذين قالوا: عيسى إله، وادعوا أن عبادته هي شرعة ومستندة إلى أوامره، وقال ابن عباس والربيع وابن جريج وجماعة من المفسرين: بل الإشارة إلى محمد عليه السلام، وسبب نزول الآية، أن أبا رافع القرظي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، حين اجتمعت الأحبار من يهود والوفد من نصارى نجران: يا محمد إنما تريد أن نعبدك ونتخذك إلهاً كما عبدت النصارى عيسى، فقال الرئيس من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" معاذ الله ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوت" ، فنزلت الآية، في ذلك، قال بعض العلماء: أرادت الأحبار أن تلزم هذا القول محمداً صلى الله عليه وسلم، لما تلا عليهم { { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } } [آل عمران: 31] وإنما معنى الآية، فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من طاعة الله، فحرفوها بتأويلهم، وهذا من نوع ليِّهم الكتاب بألسنتهم، وقرأ جمهور القراء "ثم يقولَ" بالنصب، وروى شبل عن ابن كثير ومحبوب عن أبي عمرو "ثم يقولُ" برفع اللام وهذا على القطع وإضمار مبتدأ، وقرأ عيسى بن عمر، "عباداً ليَ" بتحريك الياء مفتوحة.
وقوله تعالى:
{وَلَكِن كُونُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْملاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنَصُرُنَّهُ}
المعنى {ولكن} يقول: {كونوا ربانيين} وهو جمع رباني، واختلف النحاة في هذه النسبة، فقال قوم: هو منسوب إلى الرب من حيث هو العالم ما علمه، العامل بطاعته، المعلم للناس ما أمر به، وزيدت الألف والنون مبالغة كما قالوا، لحياني وشعراني في النسبة إلى اللحية والشعر، وقال قوم الرباني منسوب إلى الربان وهو معلم الناس، وعالمهم السائس لأمرهم، مأخوذ من رب يرب إذا أصلح وربى، وزيدت فيه هذه النون كما زيدت في غضبان وعطشان، ثم نسب إليه رباني، واختلف العلماء في صفة من يستحق أن يقال له رباني، فقال أبو رزين: الرباني: الحيكم العالم، وقال مجاهد: الرباني الفقيه، وقال قتادة وغيره: الرباني العالم الحليم، وقال ابن عباس: هو الحكيم الفقيه، وقال الضحاك: هو الفقيه العالم، وقال ابن زيد: الرباني والي الأمر، يرب الناس أي يصلحهم، فالربانيون الولاة والأحبار والعلماء، وقال مجاهد: الرباني فوق الحبر لأن الحبر هو العالم والرباني هو الذي جمع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وفي البخاري: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
قال الفقيه أبو محمد: فجملة ما يقال في الرباني إنه العالم بالرب والشرع المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في الناس، وقوله {بما كنتم} معناه: بسبب كونكم عالمين دارسين، فما مصدرية، ولا يجوز أن تكون موصولة، لأن العائد الذي كان يلزم لم يكن بد أن يتضمنه: {كنتم تعلمون}، ولا يصح شيء من ذلك لأن "كان" قد استوفت خبرها ظاهراً، وهو {تعلمون} وكذلك {تعلمون} قد استوفى مفعوله وهو {الكتاب} ظاهراً، فلم يبق إلا أن {ما} مصدرية، إذ لا يمكن عائد، و {تعلمون} بمعنى تعرفون، فهي متعدية إلى مفعول واحد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: "تعْلمون" بسكون العين، وتخفيف اللام، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "تُعلِّمون" مثقلاً، بضم التاء وكسر اللام، وهذا على تعدية الفعل بالتضعيف، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، تقديره: تعلمون الناس الكتاب.
قال الفقيه الإمام: والقراءتان متقاربتا المعنى، وقد رجحت قراءة التخفيف بتخفيفهم {تدرسون} وبأن العلم هو العلة التي توجب للموفق من الناس أن يكون ربانياً، وليس التعليم شرطاً في ذلك، ورجحت الأخرى بأن التعليم يتضمن العلم، والعلم لا يتضمن التعليم، فتجيء قراءة التثقيل أبلغ في المدح.
قال الفقيه الإمام: ومن حيث العالم بحال من يعلم، فالتعليم كأنه في ضمن العلم، وقراءة التخفيف عندي أرجح، وقرأ مجاهد والحسن "تَعَلَّمون" بفتح التاء والعين، وشد اللام المفتوحة، وقرأ جمهور الناس، "تدرُسون" بضم الراء، من درس إذا أدمن قراءة الكتاب وكرره، وقرأ أبو حيوة "تدرِسون" بكسر الراء، وهذا على أنه يقال في مضارع درس، يدرُس ويدرِس وروي عن أبي حيوة، أنه قرأ "تُدرِّسون" بضم التاء، وكسر الراء وشدها، بمعنى تدرسون غيركم.
وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو والكسائي: "ولا يأمرُكم" برفع الراء، وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفاً، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة: "ولا يأمرَكم نصباً"، ولا خلاف في الراء من قوله: {أيأمركم} إلا اختلاس أبي عامر، فمن رفع قوله: "ولا يأمرُكم" فهو على القطع، قال سيبويه: المعنى ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وغيره: المعنى ولا يأمركم هذا البشر الذي أوتي هذه النعم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قراءة ابن مسعود: "ولن يأمركم"، فهذه قراءة تدل على القطع، وأما قراءة من نصب الراء، فهي عطف على قوله:
{ أن يؤتيه } [آل عمران: 79] والمعنى ولا له أن يأمركم، قاله أبو علي وغيره، وقال الطبري: وقوله {ولا يأمركم} بالنصب، معطوف على قوله، { ثم يقول } [آل عمران: 79].
قال الفقيه أبو محمد: وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى، والأرباب في هذه الآية قوله تعالى: {أيأمركم بالكفر} تقرير على هذا المعنى الظاهر فساده.
وقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} الآية، المعنى واذكر يا محمد "إذ" ويحتمل أن يكون "أخذ" هذا الميثاق حين أخرج بني آدم من ظهر آدم نسماً، ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه، ثم جمع اللفظ، في حكاية الحال في هذه الآية، والمعنى: أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه يلتزم هو ومن آمن به، الإيمان بمن أوتي بعده من الرسل، الظاهرة براهينهم والنصرة له، واختلف المفسرون في العبارة عن مقتضى ألفاظ هذه الآية، فقال مجاهد والربيع: إنما أخذ ميثاق أهل الكتاب، لا ميثاق النبيين، وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب"، قال مجاهد: هكذا هو القرآن، وإثبات "النبيين" خطأ من الكتاب.
قال الفقيه الإمام: وهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي الله عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنه: إنما {أخذ الله ميثاق النبيين} على قومهم، فهو أخذ لميثاق الجميع، وقال طاوس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما بعث الله نبياً، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآية، وقاله السدي: وروي عن طاوس أنه قال: صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين وقوله: {ثم جاءكم} مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: حكاه الطبري وهو قول يفسده إعراب الآية، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس، لأن الأخذ على الأنبياء أخذ على الأمم. وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة: "لما" بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير لأجل ما آتيناكم، إذ أنتم القادة والرؤوس، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه، و"ما" في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه، و"من" لبيان الجنس، وقوله، {ثم جاءكم} الآية، جملة معطوفة على الصلة، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، فتقديره عند سيبويه: رسول به مصدق لما معكم، وحذف تخفيفاً كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام، كما قال تعالى:
{ أهذا الذي بعث الله رسولاً } [الفرقان: 41] والحذف من الصلات كثير جميل، وأما أبو الحسن الأخفش، فقال قوله تعالى: {لما معكم}. هو العائد عنده على الموصول، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى: { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [يوسف: 90] لأن المعنى لا يضيع أجرهم، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر، وكذلك قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } [الكهف: 30] وكذلك ما ضارع هذه الآيات، وسيبويهرحمه الله لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر، كما يراه أبو الحسن، واللام في {لتؤمِننَّ}، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز.
وقرأ سائر السبعة: "لَما" بفتح اللام، وذلك يتخرج على وجهين، أحدهما أن تكون "ما" موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق} وخبر الابتداء قوله {لتؤمنن}، و {لتؤمنن} متعلق بقسم محذوف، والمعنى والله لتؤمنن، هكذا قال أبو علي الفارسي، وفيه من جهة المعنى نظر، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيداً فتأمل، والعائد الذي في الصلة، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة، أما أن هذا التأويل يقتضي عائداً من الخبر الذي هو {لتؤمنن} فهو قوله تعالى: {به} فالهاء من {به} عائدة على "ما"، ولا يجوز أن تعود على {رسول} فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء "لما " بفتح اللام، هو أن تكون "ما" للجزاء شرطاً، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و {جاءكم} معطوف في موضع جزم، واللام الداخلة على "ما" ليست المتلقية للقسم، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى:
{ { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } } [الأحزاب: 60] لانها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله: {لتؤمِننَّ} وهذه اللام الداخلة على "أن" لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة، كما قال تعالى: { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } } [المائدة: 73]. قال الزجاج: لأن قولك، والله لئن جئتني لأكرمنك، إنما حلف على فعلك، لأن الشرط معلق به، فلذلك دخلت اللام على الشرط، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد.
والضمير في قوله تعالى: {لتؤمِننَّ به} عائد على {رسول}، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام، وأما الضمير في قوله {ولَتنصرنَه} فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول، قال أبو علي في الإغفال: وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله {لتؤمنن} عليه، قال سيبويه: سألته، يعني الخليل عن قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم} فقال: "ما" هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن، حين قلت: لئن فعلت لأفعلن، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي: أراد الخليل بقوله: هي بمنزلة الذي، أنها اسم كما أن الذي اسم ولَم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما فرّ من أن تكون "ما" حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله تعالى:
{ وإن كلاًّ لما ليوفينهم ربك أعمالهم } } [هود: 111] وفي قوله { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } [الزخرف: 35]، والله المستعان، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل: أن خبر الابتداء فيمن جعل "ما" ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله: {من كتاب وحكمة} ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه، والخليل، وإنما الخبر في قوله، {لتؤمنن} كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره، وقرأ الحسن: "لمّا آتيناكم" بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق: أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء، كما تقول لما جئتني أكرمتك.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويظهر أن "لما" هذه هي الظرفية أي لما كنتم بهذه الحال، رؤساء الناس وأماثلهم، أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يؤخذ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة، وذهب ابن جني في "لما" في هذه الآية إلى أن أصلها "لمن ما"، وزيدت "من" في الواجب على مذهب الأخفش، ثم أدغمت، كما يجب في مثل هذا، فجاء لهما، فثقل اجتماع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي "لما"، وتتفسر هذه القراءة على هذا التوجيه المحلق تفسر "لما" بفتح الميم مخففة، وقد تقدم، وقرأ نافع وحده،"آتيناكم" بالنون، وقرأ الباقون، "آتيتكم" بالتاء، و {رسول} في هذه الآية اسم جنس، وقال كثير من المفسرين: الإشارة بذلك إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود: "مصدقاً" بالنصب على الحال.
قوله تعالى:
{قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأْوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}
هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذ عهد الله فيه، وذلك يحتمل موطن القسم، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه، {وأخذتم} في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم أيضاً وقال الطبري: {أخذتم} في هذه الآية معناه: قبلتم، و"الإصر"، العهد، لا تفسير له في هذا الموضع إلا لذلك، وقوله تعالى {فاشهدوا} يحتمل معنيين: أحدهما فاشهدوا على أممكم المؤمنين بكم، وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد، هذا قول الطبري وجماعة، والمعنى الثاني، بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به، وشهادة الله تعالى هذا التأويل، وفي التي في قوله {وأنا معكم من الشاهدين} هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم، هذا قول الزجّاج وغيره.
قال القاضي أبو محمد: فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، والقول الثاني هو الأمر بأدائها، وحكم الله تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره ويحتمل أن يريد بعد الشهادة عند الأمم بهذا الميثاق على أن قوله، {فاشهدوا} أمر بالأداء وقرأ أبو عمرو: "يَبغون" بالياء مفتوحة، و "تُرجعون" بالتاء مضمومة، وقرأ عاصم، "يبغون" و "يرجعون" بالياء معجمة من تحت فيهما، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ووجوه هذه القراءات لا تخفى بأدنى تأمل و {تبغون} معناه: تطلبون، و {أسلم} في هذه الآية بمعنى: استسلم عند جمهور المفسرين، و {من} في هذه الآية تعم الملائكة والثقلين، واختلفوا في معنى قوله {طوعاً وكرهاً} فقال مجاهد: هذه الآية كقوله تعالى:
{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } [الزمر: 38] فالمعنى أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام كرهاً.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا عموم في لفظ الآية، لأنه لا يبقى من لا يسلم على هذا التأويل و {أسلم} فيه بمعنى استسلم، وقال بمثل هذا القول أبو العالية رفيع، وعبارتهرحمه الله : كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص فهذا الذي أسلم طوعاً، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ الميثاق، وروي عن مجاهد أنه قال: الكره في هذه الآية هو بسجود ظل الكافر فيسجد المؤمن طوعاً ويسجد الكافر وهو كاره، وقال الشعبي: الآية عبارة عن استقادة جميع البشر لله وإذعانهم لقدرته وإن نسب بعضهم الألوهية إلى غيره، وذلك هو الذي يسجد كرهاً.
قال الفقيه الإمام: وهذا هو قول مجاهد وأبي العالية المتقدم وإن اختلفت العبارات، وقال الحسن بن أبي الحسن: معنى الآية: أنه أسلم قوم طوعاً، وأسلم قوم خوف السيف، وقال مطر الوراق: أسلمت الملائكة طوعاً، وكذلك الأنصار وبنو سليم وعبد القيس، وأسلم سائر الناس كرهاً حذر القتال والسيف.
قال الفقيه الإمام: وهذا قول الإسلام فيه هو الذي في ضمنه الإيمان، والآية ظاهرها العموم ومعناها الخصوص، إذ من أهل الأرض من لم يسلم طوعاً ولا كرهاً على هذا الحد، وقال قتادة: الإسلام كرهاً هو إسلام الكافر عند الموت والمعاينة حيث لا ينفعه.
قال الفقيه الإمام: ويلزم على هذا أن كل كافر يفعل ذلك، وهذا غير موجود إلا في أفراد، والمعنى في هذه الآية، يفهم كل ناظر أن هذا القسم الذي هو الكره إنما هو في أهل الأرض خاصة، والتوقيف بقوله {أفغَير} إنما هو لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكفار، وقرأ أبو بكر عن عاصم، "أُصري"، بضم الألف وهي لغة.