التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً
٧
لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
-الأحزاب

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

{إذ} يحتمل أن تكون ظرفاً لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع، فتكون {إذ} متعلقة بقوله { { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } [الأحزاب: 6]، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين من الأول، وهذا "الميثاق" المشار إليه قال الزجاج وغيره إنه الذي أخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب آدم كالذر، قالوا فأخذ الله تعالى حينئذ ميثاق النبيين بالتبليغ وبتصديق بعضهم بعضاً وبجميع ما تتضمنه النبوءة، وروي نحوه عن أبيّ بن كعب، وقالت فرقة بل أشار إلى أخذ الميثاق على كل واحد منهم عند بعثه وإلى إلقاء الرسالة إليه وأوامرها ومعتقداتها، وذكر الله تعالى {النبيين} جملة، ثم خصص بالذكر أفراداً منهم تشريفاً وتخصيصاً، إذ هؤلاء الخمسة صلى الله عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو العزم، ذكره الثعلبي، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفاً خاصاً له أيضاً، وروي عنه عليه السلام أنه قال: "كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث" ، وكرر "أخذ الميثاق" لمكان الصفة التي وصف بها قوله {غليظاً} إشعار بحرمة هذا الميثاق وقوتها، واللام في قوله {ليسأل} متعلقة بــ {أخذنا}، ويحتمل أن تكون لام كي، أي بعثت الرسل وأخذت عليها المواثيق في التبليغ لكي يجعل الله خلقه فرقتين، فرقة صادقة يسألها عن صدقها على معنى إقامة الحجة والتقرير كما قال لعيسى عليه السلام "أأنت قلت للناس" فتجيبه بأنها قد صدقت الله في إيمانها وجميع أفعالها فيثيبها على ذلك، وفرقة كفرت فينالها ما أعد لها من العذاب الأليم ويحتمل أن تكون اللام في قوله {ليسأل} لام الصيرورة، أي أخذ المواثيق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا والأول أصوب، والصدق في هذه الآية يحتمل أن يكون المضاد للكذب في القول، ويحتمل أن يكون من صدق الأفعال واستقامتها، ومنه عود صدق وصدقني السيف والمال، وقال مجاهد {الصادقين} في هذه الآية أراد بهم الرسل، أي يسألهم عن تبليغهم، وقال أيضاً أراد المؤدين المبلغين عن الرسل وهذا كله محتمل، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} الآيات إلى قوله تعالى: { يا أيها النبي قل لأزواجك } [الأحزاب: 28]. نزلت في شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من أمر بني قريظة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير من موضعهم عند المدينة إلى خيبر، فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود، وخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرضوهم على ذلك، وأجمعت قريش السير إلى المدينة، ونهض اليهود إلى غطفان وبني أسد ومن أمكنهم من أهل نجد وتهامة، فاستنفروهم إلى ذلك، فتحزب الناس وساروا إلى المدينة، واتصل الخبر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفر الخندق حول ديار بالمدينة وحصنه، وكان أمراً لم تعهد العرب، وإنما كان من أعمال فارس والروم، وأشار به سلمان الفارسي رضي الله عنه، فورد الأحزاب من قريش وكنانة والأحابيش في نحو عشرة آلاف عليهم أبو سفيان بن حرب، ووردت غطفان وأهل نجد عليهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، ووردت بنو عامر وغيرهم عليهم عامر ابن الطفيل، إلى غير هؤلاء، فحصروا المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على ما قال بن إسحاق، وقال مالك كانت سنة أربع، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدنة وعاقدوه على أن لا يلحقه منهم ضرر، فلما تمكن هذا الحصار داخلهم بنو النضير، فغدروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهوده، وصاروا له حزباً مع الأحزاب، فضاق الحال على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ونجم النفاق وساءت الظنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر ويعد النصر، وألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين ويئسوا من الظفر بمنعة الخندق وبما رأوا من جلد المؤمنين، وجاء رجل من قريش اسمه نوفل بن الحارث، وقيل غير هذا، فاقتحم الخندق بفرسه فقتل فيه، فكان ذلك حاجزاً بينهم، ثم إن الله تعالى بعث الصبا لنصرة نبيه عليه السلام على الكفار، وهجمت بيوتهم، وأطفأت نارهم، وقطعت حبالهم، وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار، وبعث الله مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل مثل فعلها، وتلقي الرعب في قلوب الكفرة حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة للحصر، فانصرفوا خائبين فهذه الجنود التي لم تر. وقرأ الحسن "وجَنوداً" بفتح الجيم، وقرأ الجمهور "تعملون" بالتاء فكأن في الآية مقابلة لهم، أي أنتم لم تروا جنوده وهو بصير بأعمالكم يبين في هذا القدرة والسلطان، وقرأ أبو عمرو وحده "يعملون" بالياء على معنى الوعيد للكفرة، وقرأ أبو عمرو أيضاً بالتاء وهما حسنتان، وروي عن أبي عمرو "لم يروها" بالياء من تحت، قال أبو حاتم قراءة العامة "لم تروها" بالتاء من فوق، "يعملون" بالياء من تحت، وروي عن الحسن ونافع "تِعلمون" بالتاء مكسورة.